4 – 5
لواء شرطة (م) د. عصام الدين عباس احمد
بيئة التغيير: الافتراضات الحاكمة للاصلاح
نجاح مسار إصلاح القطاع الأمني ليس مجرد عملية فنية أو تدريبية، بل رهان سياسي وأمني معقّد يعتمد على استمرار عدد من الافتراضات وتوازنها في بيئة مواتية. كلما صمدت هذه المرتكزات، ازدادت فرص الانتقال الآمن نحو دولة تحتكر السلاح بالقانون وتبني مؤسسات تحمي المواطنين لا تتحكّم بهم. لضمان نجاح المسار الانتقالي نحو بناء قطاع أمني وعسكري محترف وموحد ومسؤول أمام القانون، لابد من توفر مجموعة من الافتراضات التي تشكّل الأرضية التي يقوم عليها الإصلاح
أولاً: توافق سياسي مستدام وإرادة إصلاح حقيقية
يفترض هذا المسار وجود اتفاق سياسي واسع بين القوى المدنية والعسكرية والأطراف الفاعلة على ضرورة الإصلاح، وعلى المبادئ الأساسية التي تحكمه. فدون توافق حول وحدة القرار الأمني، ورفض عسكرة السياسة، والقبول بالسلطة المدنية على القوات النظامية، يصبح مسار التحول الأمني معرضًا للتسييس والتجاذبات التي تعيق التنفيذ.
ثانيًا: التزام مؤسسي بإنهاء تعدد الجيوش والولاءات العسكرية
يقوم الإصلاح على فرضية أن الأطراف المسلحة – الرسمية وغير الرسمية – مستعدة للتخلي عن استقلالها العسكري والانخراط في منظومة موحدة. ويتطلب ذلك وجود ضمانات سياسية واقتصادية وأمنية تمنع عودة الجماعات للسلاح، وتضمن عدالة الدمج والتسريح.
ثالثًا: بيئة أمنية يمكن التحكم فيها
يفترض نجاح الانتقال وجود حد أدنى من الاستقرار الأمني يسمح بتنفيذ سياسات الإصلاح والتدريب وتطوير الهياكل. فإذا استمرت العمليات العسكرية النشطة أو توسع الانفلات الأمني، فإن فرص بناء مؤسسات مستدامة تتضاءل، ويعود الاعتماد على حلول طارئة لا إصلاحية.
رابعًا: قبول مجتمعي يدعم التحول ولا يعرقله
يستند النجاح إلى توفر ثقة شعبية تسمح بإعادة تشكيل العلاقة بين الأمن والمجتمع. فالإصلاح يفترض أن المواطنين سيقبلون بدمج المليشيات، وسيشاركون في الرقابة المدنية ويدعمون سيادة القانون. انهيار هذه الثقة يعيد إنتاج الشك والمقاومة الاجتماعية للمؤسسات الجديدة.
خامسًا: دعم دولي وإقليمي غير متحيّز
يفترض المسار وجود دعم دولي فني وسياسي ومالي دون أجندات متضاربة، خاصة في مراحل نزع السلاح وإعادة الدمج، وبناء القدرات وتطوير التشريعات. أي انقسام في المواقف الدولية أو استخدام الدعم كورقة ضغط سياسي سيقوّض فرص التحول.
سادسًا: حياد الجيش عن السياسة ووقف توظيف الأمن كأداة صراع
التحول يفترض قدرة المؤسسة العسكرية على التحرر التدريجي من النفوذ الحزبي والاقتصادي، والعمل كمؤسسة مهنية تحت المساءلة، لا لاعبًا سياسيًا. فبدون هذا الشرط البنيوي، يصبح الأمن أداة في الصراع لا جزءًا من الحل.
لسنا بدعا دون العالمين: دروس مقارنة من الدول الأخرى
لا تمثل تجارب الإصلاح الأمني في أفريقيا والعالم وصفة جاهزة للسودان، لكنها تشكل بنك معرفة غنيًا يكشف المسارات الممكنة للتحول من اللاحترافية والتشظي إلى مؤسسات وطنية مهنية موحدة. كما أن تحليل حالات مثل سيراليون، جنوب أفريقيا، رواندا وجورجيا يوضح أن النجاح ليس مستحيلاً، لكنه مشروط بإرادة سياسية، وإصلاح هيكلي، وبيئة انتقالية مستقرة، ودعم شعبي ودولي. من هنا تنطلق هذه الورقة لاستلهام الدروس القابلة للتطبيق في السياق السوداني ضمن نظرية تغيير واضحة وممنهجة.
النموذج
المشكلة
الطريق نحو الهدف
الهدف
ليبريا
جيش مفكك، ميليشيات تسيطر على الأراضي، لا سيطرة مدنية، انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، اقتصاد حرب.
– حل الجيش القديم بالكامل وإعادة بنائه من الصفر (تم حل 15,000 جندي قديم).
– تدريب وتجنيد جديد بإشراف أمريكي (تم تدريب 4000 جندي جديد بمعايير حقوق إنسان).
– دعم دولي ضخم (الولايات المتحدة قدمت أكثر من 250 مليون دولار).
– إرادة سياسية قوية من الرئيسة إلين جونسون سيرليف (أول رئيسة منتخبة ديمقراطيًا).
– مشاركة المجتمع المدني والنساء في تصميم الإصلاح.
جيش وطني موحد، محترف، صغير الحجم، خاضع للسيطرة المدنية الديمقراطية، يحمي المواطنين ولا يشارك في السياسة.
جنوب افريقيا
جيوش وميليشيات متناحرة (جيش الأبارتهايد، ميليشيات ANC، Inkatha، ميليشيات البانتوستانات).
-مفاوضات انتقالية شاملة (CODESA) أنتجت دستورًا مؤقتًا ثم دائمًا.
– لجنة مشتركة عسكرية انتقالية (JMCC) تضم ممثلين من كل الأطراف.
– بريطانيا ودول الكومنولث قدمت تدريبًا مشتركًا للقادة من جميع الأطراف قبل الدمج.
– برنامج دمج تدريجي استمر 4 سنوات مع حزم مالية للمتقاعدين من الميليشيات.
جيش دفاع وطني جنوب أفريقي موحد ((SANDF يعكس تنوع البلاد ويخضع للسيطرة المدنية.
شرطة فاسدة جدًا (كان المواطنون يدفعون رشاوى يومية)، فقدان الثقة التام.
قرار جذري: طرد 30,000 شرطي قديم في يوم واحد (!).
– توظيف 16,000 شرطي جديد خلال أشهر بمرتبات عالية (5 أضعاف السابق).
– تدريب مكثف، زي جديد،
– إرادة سياسية قوية من الرئيس ساكاشفيلي + دعم أمريكي وأوروبي.
شرطة نزيهة، حديثة، موثوقة من المواطنين.
سيراليون
بعد حرب أهلية استمرت 11 عامًا، كان القطاع الأمني في سيراليون مفككًا، فاسدًا، مسيئًا، وغير قادر على حماية المدنيين وهناك داخل الصلاحيات أدى إلى الفوضى والانتهاكات.
تمثل في إعادة بناء شاملة بقيادة المملكة المتحدة شملت الشرطة والجيش والاستخبارات، مع تأسيس مكتب الأمن القومي (ONS) كهيئة مركزية لتنسيق الجهود بين الأجهزة المختلفة. وقد ركزت الإصلاحات على تعزيز العلاقة بين المجتمع والأمن من خلال برنامج الشرطة المجتمعية الذي أعاد الثقة بين المواطنين والمؤسسات الأمنية، وإزالة الطابع العسكري عن الأمن الداخلي بتحويل مسؤولياته تدريجيًا إلى الشرطة بدلاً من الجيش. كما شملت الإصلاحات تدريب الكوادر على حقوق الإنسان، واعتماد التوظيف على الجدارة، وإصلاح نظم الرواتب لضمان الاحترافية والالتزام بالقانون. وبالتوازي، تم إنشاء منظومة رقابة مدنية تتضمن لجانًا برلمانية وهيئات شكاوى مدنية لمتابعة أداء الأجهزة الأمنية وضمان المساءلة والشفافية. وقد شكّل هذا المزيج من الإصلاحات المتكاملة نموذجًا واضحًا للطريق الذي يمكن أن يسلكه أي بلد يسعى إلى تحويل قطاعه الأمني والعسكري إلى هيئة مهنية موحدة تحظى بثقة المجتمع وتعمل تحت سلطة القانون.
إنشاء مؤسسة امنية وعسكرية، خاضعة للمساءلة، قائمة على خدمة المجتمع.
جورجيا
-انتشار الفساد في الشرطة
-الجريمة المنظمة متغلغلة في المؤسسات الأمنية.
-ضعف السيطرة على الحدود وتدنّي فعالية القوات المسلحة.
-ثقة الجمهور بالمؤسسات الأمنية أقل من 10%
-إصلاح جذري للشرطة: تسريح قوة شرطة المرور كاملة (16,000 عنصر) وإعادة بنائها وإنشاء أكاديمية شرطة جديدة وتوظيف قائم على الكفاءة وإدخال نظام الشرطة الدوريات الحديثة
-إصلاحات دفاعية لتحقيق التوافق العملياتي مع الناتو
عمليات مكافحة فساد واسعة، رفع الرواتب،
تحديث الجمارك وحرس الحدود
خدمات حكومية إلكترونية لتقليل الفساد
-قطاع أمني حديث، شفاف، موجّه لخدمة المواطن ومتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
-مؤسسات قادرة على فرض سيادة القانون والردع أمام الضغط الروسي.
رواندا
-فراغ أمني شامل بعد الإبادة.
-انهيار الشرطة والعدل والاستخبارات.
-انعدام الثقة بين المكونات المجتمعية وخطر تجدّد العنف.
-وجود مجموعات مسلحة موازية تعيق الاستقرار.
-توحيد الجماعات المسلحة في جيش وطني واحد
-إنشاء الشرطة الوطنية الرواندية (RNP) مع تركيز قوي على الشرطة المجتمعية
-برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) للمقاتلين السابقين
-إصلاح القضاء: المحاكم الشعبية + إعادة بناء النظام القضائي الرسمي
-تدريب احترافي للجيش مع هيكل قيادة واضح وآليات مساءلة
-تعاون إقليمي لمواجهة التهديدات عبر الحدود
-قطاع أمني وطني موحّد، مستقر، وقادر على منع العودة إلى العنف
-مؤسسات تركّز على أمن المجتمع والمصالحة وسيادة القانون
البوسنة والهرسك
-القوات الأمنية كانت منقسمة على أساس عرقي.
-تعدد أجهزة الشرطة دون قيادة موحدة.
-ضعف السيطرة على الحدود وارتفاع الجريمة المنظمة.
-حلف الناتو والاتحاد الأوروبي رأوا أن الهيكل الأمني غير قابل لضمان السلام
-إنشاء القوات المسلحة الموحدة عبر لجنة إصلاح الدفاع
-إعادة هيكلة الشرطة في وحدات متعددة الأعراق مع تدريب موحّد
-إنشاء خدمة الحدود الموحدة
رقابة مدنية عبر لجان برلمانية وأمين مظالم
-دعم واسع من الاتحاد الأوروبي والناتو ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي
-قطاع أمني موحّد متعدد الأعراق
-جيش وشرطة بمهام واضحة ومتوافقة مع معايير الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو
-تعزيز مسار الاندماج الأوروبي الأطلسي