عمر الصايم: الحرب حالة مشبعة بالقبح والادباء هم هداة السلام
في زمنٍ تتكسر فيه المعاني تحت أقدام البنادق، ويُختبر فيه الأدب لا بوصفه زينة ثقافية بل كأداة مقاومة أخلاقية، يصبح الإصغاء إلى صوت الكاتب ضرورة لا ترفًا. فالحرب، حين تداهم الحياة، لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تسعى إلى تجفيف منابع الخيال، ومصادرة اللغة، ودفع الكُتّاب إلى خنادق الاصطفاف أو الصمت.
في هذه المحاورة، لا نتوقف عند عمر الصايم بوصفه شاعرًا وقاصًا وروائيًا فحسب، بل بوصفه شاهدًا أدبيًا على زمن الانكسار، وكاتبًا اختبر الحرب في جسده وذاكرته ونصه. من قلب النزوح، ومن شروخ اليومي المهدد، يتأمل الصايم علاقة الأدب بالحرب، ودور الكاتب في أزمنة العنف، وحدود الانحياز الإنساني حين تضيق اللغة وتتعالى الأصوات.
هذا النص ليس حوارًا بالمعنى التقليدي، بل سردٌ لوعيٍ يتشكل تحت الضغط، ومحاولة للإمساك بما تبقى من الجمال في عالمٍ يتآكل. هنا، تتكلم التجربة لا بوصفها سيرة فردية فقط، بل باعتبارها مرآة لأسئلة جيلٍ كامل عن الكتابة، والنجاة، والمعنى.
حوار : جالا زهاء الطاهر
لم تأتِ الحرب إلى عمر الصايم بوصفها مادة كتابة، بل جاءت قاطعةً لمسارٍ كان يوشك على الاكتمال. قبل أيام قليلة من اندلاعها، كان منهمكًا في تدقيق مجموعته الشعرية «أبديات على ورق العاشق»، وقريبًا جدًا من وضع النقطة الأخيرة في مجموعته القصصية «فضائح محفوفة بالورد». لم يكن ذلك زمن فراغ أو انتظار، بل لحظة امتلاء إبداعي كثيف، لحظة كان فيها العالم – رغم اختلالاته – أقل بشاعة مما سيصير إليه لاحقًا.
وقعت الحرب في اليوم ذاته الذي كان من المفترض أن يشارك فيه ضمن خيمة الصحفيين في أمسية نادي القصة، تلك الأمسية التي كان محورها الأدب والتحول الديمقراطي. كأن القدر شاء أن يستبدل سؤال الأدب بسؤال النجاة، وأن يطيح فجأة بكل السياقات التي كانت تغذي الكتابة، وتمنحها شروطها الطبيعية.
لم يكن العالم مثاليًا قبل الحرب، يقول الصايم، لكنه كان على الأقل عالمًا يمكن الاحتماء فيه بالثقافة، بالحركة الإبداعية، باللقاءات، بالحوارات، بالمشاريع المؤجلة. مع الحرب، توقفت تلك الحركة التي تُلهم وتغذي الإبداع، وبدأت حركة أخرى أكثر قسوة: البحث عن النجاة، والتمسك بالمعاني الإنسانية في حدها الأدنى.
داخل هذه الحركة الجديدة، وبفعل النزوح، يرى الإنسان أماكن لم يكن يراها، ويحتك بثقافات أخرى، وتُطرح أمامه أسئلة لم تكن ملحّة من قبل. قلق وجودي يتضخم، وعصف داخلي عنيف، وانكشاف حاد لمعنى الهشاشة. كل ذلك – في نظر عمر الصايم – صار حبلًا سريًا يغذي الكتابة الآن ولسنوات قادمة.
هداة السلام
في مثل هذه الأوقات، لا يتردد في اعتبار الأدب واحدًا من أهم هداة السلام. فالحرب، مهما كانت دوافعها، حتى وإن ارتدت لبوس النضال أو الضرورة، تظل حالة استثنائية طارئة. الأصل في البشرية، كما يرى، هو السلام، والتعايش في مجتمع غير عنيف. تضرب الحرب المجتمعات حين تفشل السبل السلمية في حل المعضلات الاجتماعية والسياسية، أو حين تنفلت الأطماع وغرائز التملك.
وبوصفها حالة مشبعة بالقبح، لا يجوز – في تقديره – أن تحجب الحرب رؤية الكاتب، أو أن تحيله إلى مجرد بوقٍ لهذا الطرف أو ذاك. الكاتب الحقيقي لا يكتب من خندق أعمى، بل ينظر إلى الجميع، وإلى المشهد كاملًا، بكل تناقضاته، وبكل دمائه وأسئلته، مع انحيازٍ واحد لا لبس فيه: الإنسان أولًا.
من هنا، يصبح عقل الكاتب وفنه مطالبين بالنفاذ عميقًا إذا ما قرر الكتابة عن الحرب. عليه أن يسعى إلى التضامن الإنساني، وإلى البحث عن القيم المشتركة التي تطمرها الحرب تحت ركام الضجيج والخوف الجمعي. ولهذا السبب تحديدًا، يرى الصايم أن الكتابة – وخصوصًا الرواية – تكون في أصعب حالاتها في بدايات الحروب. الكاتب حينها محاصر بمواقف ضبابية، بأصوات مرتعدة، بأقلام مدفوعة التكلفة، وبإعلام قتالي لا يرى في اللغة سوى سلاح.
إذا أراد الكاتب إنتاج نص عميق وذي أثر اجتماعي حقيقي، فعليه أن يبتعد عن هذه الحزمة من مُضِلات الرؤية. أما إذا انساق لمجاراة الحدث، وملاحقة سوق النشر، والركض خلف راهنية زائفة، فلن ينتج سوى نصوص سطحية، فقيرة الحيلة الفنية، ومعدمة الحيلة الجمالية.
مقصرات العمر
أما عن الجمع بين التدريس والأدب، فلا يتعامل معه بوصفه مشروعًا مخططًا، بل نتيجة صدفة محضة وتصاريف أقدار لا مناص منها. في حالته – كما يقول – اجتمع التدريس والكتابة، وهما معًا من «مُقصِّرات العمر» إن كان ثمة ما يجعل العمر أقصر.
يستحضر الصايم تجارب سابقة لكتّاب من غير هذا الجيل عملوا بالتدريس، منهم – على سبيل المثال لا الحصر – الأديب الكبير إبراهيم إسحق، والشاعر محمد سعد دياب، وغيرهما ممن مارسوا التدريس فترة من حياتهم أو حتى وافاهم الأجل وهم في ساحته. ويشير أيضًا إلى أدباء عملوا في مجالات أخرى كالطب والهندسة، ومن الشعراء من كان حرفيًا أو تاجرًا، دون أن ينتقص ذلك من إبداعهم شيئًا.
ويضرب مثالًا بالشاعر القدير عوض الكريم القرشي، تاجر المواشي، الذي لم تُلهه تجارته عن استبصار الجمال في القطار المر، ولا عن الغناء للحالم سبانا، ولا عن محبة طرفو الكحيل. على هذا النحو، قد تؤثر المهنة في مشروع الكاتب سلبًا أو إيجابًا، لكنها تظل في النهاية إحدى سبل كسب العيش، إذ لا أحد في بلادنا يمكنه أن يسد رمقه من مجرد الاشتغال الذهني والتخييلي.
الكتابة، في تصور عمر الصايم، لا تكتمل بذاتها. يسأل بسؤال بسيط وحاسم: ما قيمة لوحة فنية رائعة لا ينظر إليها أحد؟ الكتابة تستمد جزءًا أساسيًا من قيمتها من المتلقي. صحيح أن مجرد كتابتها يمنح الكاتب راحة وجمالًا شخصيين، لكن تلك راحة فردية يمكن أن تتوافر بوسائل أخرى. متعة الخلق الفني تخص الكاتب، أما متعة العطاء فلا تتحقق إلا بوجود القارئ.
ثم إن القراءة ليست فعلًا سلبيًا محايدًا؛ إنها جزء من التفاعل مع النص، ومنحه طاقة وحيوية، وهي شكل من أشكال التواصل الذي يحقق للنص مبتغاه المعرفي والجمالي.
نصوصي تشبهني
وحين يُسأل عن النص الذي يشبهه أكثر، لا يتردد: كل نصوصي تشبهني. لقد بعثر نفسه فيما يكتب. تجده هنا وهناك، موزعًا على الشخوص والجمل والإيقاعات. قرأ ذات مرة أن الكاتب ينفصل عما يكتب كلما نضجت تجربته، وربما كان ذلك مقبولًا إذا مارس الكاتب الكتابة بعقلانية مفرطة وحساسية عالية، يسعى من خلالها إلى إخراج نفسه من عجينة النص بدقة جراحية، كأنها جناية يحاول سترها.
لكن هذا المسار لا يحفزه على الكتابة. هو يكتب ليتمزق، لينداح بكليّته، ليسكب من روحه ما يشاء وما لا يشاء، دون حسابات الوقاية أو التخفف.
آخر أعماله قصيدة من خمسة أجزاء بعنوان «تعاويذ لحربٍ منسية»، نص شغله طويلًا، وجاء بعد كتابه الشعري «يابسة تحت الحنين»، الصادر قبل شهر عن دار زهرات البيدر. كلا العملين مشغول بالحرب، لكن بطريقتين مختلفتين: يابسة تحت الحنين تجربة شعرية متعددة النصوص، أملاها عليه حزن الحرب حين نزح من داره، أما تعاويذ لحربٍ منسية فهو نص واحد بخيط ناظم واحد، مجزوء إلى خمسة عناوين.
وقد تُرجم هذا النص إلى اللغة السويدية، وقُرئ في المسرح الملكي السويدي، حاملاً مناجاة الوطن، ومخاطبة الآخر، في لغة تتجاوز الجغرافيا دون أن تفقد جرحها الأول.
ولا يرى الصايم للشعر تعريفًا جامعًا مانعًا، ولا دورًا واحدًا نهائيًا. يمكن للشعر أن يكون خلاصًا فرديًا كما الأديان، ويمكن أن يكون فعلًا جماليًا مقاومًا كما ثورات التحرر – والأديان معًا. المهم أن يدرك الشاعر جوهر الشعر، لا أن يحوله إلى انغلاق أناني، أو إلى هتاف سياسي فج.
قد تمر الكتابة الشعرية بانمساخات مرحلية، وتشوهات طارئة، لكنها تذهب جفاءً، ويبقى الشعر الحقيقي في الذاكرة والوجدان، معطرًا حياة الفرد والجماعة.
أما القصة، فيعرف أنها انتهت حقًا حين يشعر بحالة تشبه الإشباع بعد جوع نفسي أو حسي، أو الراحة بعد ركض شديد. يعرف أنها اكتملت حين يبلغ ذروة المتعة، ثم يتمدد، يرمق السقف والجدران، يفتش في الفراغ، أو يبحث عن إنسان قريب ليقرأ له النص المولود للتو.
ولم يدرك – حتى الآن – أن الكتابة قدر شخصي نهائي. ما زال يفر منها ويعود إليها. منذ بواكير صباه، أدرك قدرته على الكتابة، وقدرات إنسانية أخرى. أحيانًا ينحاز للكتابة، وأحيانًا ينحاز للحياة بوصفها حياة بشرية عادية، غير مثقلة بالخيال والخلق الفني.
قدرية الكتابة:
لا يؤمن كثيرًا بالاحتراف، ولا يراه شرطًا للجودة، لا في مجتمعنا ولا في العمل الأدبي نفسه. أكبر أثر إيجابي للاحتراف أو التفرغ الكامل هو غزارة الإنتاج، لكنه لا يحدد جودة المُنتج. لذلك لا يشغله سؤال الكتابة بوصفها قدرًا، بل يعترف – دون مواربة – بإعجابه بمن تركوها وعاشوا حياتهم القصيرة دونها. ومع ذلك، سيظل يواجهها ما دامت تواجهه، كقدر لا فكاك منه.
الكتابة، بالنسبة إليه، هي جدوى وجود الكاتب. بها يشعر بالطمأنينة، وبأنه يؤدي دوره الأمثل. حين ينقطع عنها، يشعر بخسران الحياة. هي سلواه، وطاقته على الاستمرار. والكتابة أثناء الحرب – سواء عنها أو بعيدًا عن موضوعاتها – تمثل نصرًا للكتابة نفسها، فتحًا من فتوحات الجمال.
لكن الحرب، بطبعها، فضائحية، حارقة، تأتي على الأخضر واليابس، على الجمال والطبيعة، على الأصدقاء والذكريات. لذلك فهي ليست موضوعًا سهلًا أو مغريًا بالاستغراق، بل سياقًا قاسيًا يهدد المعنى من جذوره.
ولا ينزعج الصايم من سوء الفهم النقدي. يسعده أن يصل الناقد إلى القيمة المعرفية والفنية لما يكتب، لكن إن فشل، فذلك شأنه. الناقد – بدوره – يتخير نصوصه وفق ذائقته ومشروعه الفكري. ربما لا تقع كتابته ضمن اهتماماته أو جمالياته المتصورة.
قرأ كتابات أساءت فهم نصوصه، ولم يرَ في ذلك ما يستوجب المجادلة. حتى حين كتب أحدهم بعدوانية وتربص عن روايته مارخدر، لم يرد، رغم قدرته على تفكيك النص النقدي وإحالته إلى رماد. لم يرَ داعيًا لذلك، مستعيدًا حكمة المتنبي:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصموا
أما ما أفقدته إياه الحرب، فهو كثير، ومتناقض في فداحته. أصابته ذات يوم أوجاع مرضية في القلب، ذلك الثقل الذي يشبه صخرة جاثمة على الصدر. بالصدفة وجد مشفى يعالج النازحين في مدينة لم تصلها النيران إلا عابرًا في الفضاء. عولج بنصيحة طبيب وبأعشاب يعتقد أنه مدين لها في مراوغة المرض والموت الفجائي.
ثم عاش مفتقدًا بيته، شجيرات الليمون، مكتبته، أشيائه الصغيرة، وأوقاته التي كان ينفقها في تأملات بدائية. فقد أصدقاء أعزاء ماتوا بالحرب أو بسياقها الكريه، وأصيب بعض أفراد أسرته الكبيرة بطلق كلاشينكوف قاصد.
معركة فردية
ككاتب، أفقدته الحرب القدرة على الخروج من سياقاتها. لكنه يتساءل: لماذا يخرج الإنسان أصلًا؟ الكاتب لا يأبق من واقعه، يحمله معه حيثما ذهب. ما لا يريد أن يفقده هو حياته كإنسان يمتلك القدرة والحق في الاحتفاظ بكينونته. إنها معركة تبدو فردية وشخصية، لكنها في جوهرها معركة جماعية، تتحقق بنجاتها نجاة الجماعة أيضًا.
ما يقوله عمر الصايم، في جوهره، ليس دفاعًا عن الأدب بقدر ما هو دفاع عن الإنسان. فبين الحرب والكتابة، لا يرى علاقة موضوعية باردة، بل علاقة وجودية مشتبكة، تختبر فيها اللغة قدرتها على البقاء، ويُختبر فيها الكاتب في انحيازه، وصمته، واختياره للعمق بدل الضجيج.
في شهادته هذه، لا يقدّم الصايم وصفة للخلاص، ولا يدّعي امتلاك إجابات نهائية، لكنه يضع يده على الجرح: الحرب لا تُختصر في موضوعات تُكتب، بل في سياق يهدد المعنى ذاته. والكتابة، حين تكون صادقة، لا تُنهي الألم، لكنها تمنحه شكله الإنساني، وتمنع تحوله إلى مجرد رقم أو شعار.
هكذا، تخرج هذه المحاورة من كونها حديثًا عن تجربة أدبية إلى كونها وثيقة وعي، تُذكّر بأن النجاة ليست جسدية فقط، وأن المعركة الحقيقية، كما يلمّح الصايم، هي معركة الاحتفاظ بالكينونة الإنسانية في عالمٍ يريد نزعها. وفي ذلك، ربما يكون الأدب آخر ما تبقى لنا لنقول: كنا هنا، ورأينا، وكتبنا، ولم نصمت.
سيرة تشكّلت بين الفلسفة والسرد
وُلد عمر محمد أحمد عمر، المعروف أدبيًا باسم عمر الصايم، في التاسع والعشرين من فبراير عام 1972، بمدينة كوستي، إحدى المدن التي شكّلت الوعي الثقافي والاجتماعي في وسط السودان. في تلك الجغرافيا النهرية، التي تختلط فيها اليوميات البسيطة بالأسئلة العميقة، تفتحت مبكرًا حساسيته تجاه اللغة والإنسان والمصير.
يحمل الصايم الجنسية السودانية، وهو متزوج وأب لثلاثة أبناء، وتظل الأسرة – في حياته ونصوصه – واحدة من مناطق الثبات القليلة في عالم متقلّب، تتنازعه الحرب والأسئلة الوجودية والقلق المعرفي.
أكاديميًا، تخرّج في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، حيث نال بكالوريوس الآداب بتخصص مزدوج في الفلسفة واللغة العربية، وهو تكوين معرفي ترك أثره الواضح في مشروعه الأدبي، سواء من حيث العمق التأملي، أو الحس اللغوي، أو الاشتباك الدائم مع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمعنى، والوجود، والإنسان.
على المستوى المهني والأدبي، يُعد عمر الصايم واحدًا من الأسماء المؤسسة في المشهد السردي السوداني الحديث. فقد كان عضوًا مؤسسًا ورئيسًا سابقًا لنادي القصة السوداني، وأسهم عبر هذا المنبر في تنشيط حركة السرد، وفتح مساحات للحوار النقدي والتجريب الأدبي. كما شارك في العمل التحريري بوصفه عضو هيئة تحرير مجلة «سرديات»، وعضو هيئة تحرير جريدة «القصة القصيرة»، واضعًا خبرته اللغوية والسردية في خدمة النصوص الجديدة.
وشارك الصايم في العمل التحكيمي والثقافي بوصفه عضو لجنة تحكيم جائزة إبراهيم إسحق للقصة القصيرة التي يقدمها نادي القصة السوداني، كما ينتمي إلى جمعية الأصدقاء الأدبية – كوستي، محافظًا على صلته بالمشهد الثقافي في المدينة التي شهدت تشكّل وعيه الأول.
وكان من بين الأعضاء المؤسسين لنادي السرد السوداني، واتحاد الروائيين السودانيين، ومؤتمر خريجي جامعة الخرطوم، وهي أطر عمل ثقافية ومهنية تعكس إيمانه بالفعل الجماعي، وبأهمية التنظيم الثقافي في مواجهة العزلة والتهميش.
شارك في عدد من الفعاليات الأدبية داخل السودان وخارجه، من بينها ملتقى الشارقة للسرد الذي انعقد بالخرطوم، كما شارك في ورشة النقد تحت مظلة اتحاد الكتّاب السودانيين، في سياق انشغاله الدائم بالأسئلة النقدية وتطوير أدوات القراءة والكتابة.
لى جانب إنتاجه الإبداعي، أسهم عمر الصايم بكتاباته في الصحف السودانية والمنصات الإلكترونية، وكتب مقدمات لعدد من دواوين الشعر ومجموعات القصص القصيرة، كما عمل في التحرير اللغوي والمراجعة الأدبية، مستثمرًا خبرته اللغوية ومعرفته العميقة ببنية النص.
وقد حظيت أعماله الأدبية باهتمام نقدي ملحوظ، من بينه رسالة ماجستير خُصصت لدراسة كتاباته، في دلالة على حضور مشروعه في الحقل الأكاديمي والنقدي، لا بوصفه تجربة معزولة، بل كجزء من تحولات السرد السوداني المعاصر.
على صعيد النشر، صدرت له عدة أعمال في القصة والرواية والشعر. في القصة القصيرة، نشر مجموعاته:
«العجكو مرّة أخرى» عن نادي القصة السوداني،
«الإيقاع الأخير لسيدنا الزغرات» عن دار المصورات للنشر – الخرطوم،
«فضائح محفوفة بالورد» عن دار نون للنشر – العراق،
و*«أوان وردة الأبنوس»* عن دار المصورات للنشر – الخرطوم.
وفي الرواية، صدرت له روايتا:
«مارخدر» عن دار المصورات للنشر – الخرطوم،
و*«أزمنة الصرماتي»* عن دار النسيم للنشر – القاهرة.
أما في الشعر، فقد نشر مجموعتيه:
«إيماءات الكون للأنا» عن دار المصورات للنشر – الخرطوم،
و*«أبديات على ورق العاشق»* عن دار بدوي للنشر – ألمانيا.
هكذا تتشكل سيرة عمر الصايم: كاتبٌ عبر الفلسفة إلى الأدب، وعبر السرد إلى الإنسان، وظلّ – رغم تبدل الأمكنة وقسوة الأزمنة – وفيًا للغة بوصفها بيتًا أخيرًا للمعنى، وملاذًا في مواجهة الخراب.
======
مجدُ الصدفة
——————
* عمر الصايم
في وقتِ الكارثة،
وعندما يملأُ الأسى حدقاتِ الزمن،
يبدو الخطر جاثمًا في الأفق؛
ليمطرَ رمادًا من جثامين الحيارى..
في تلك اللحظة الفارقة:
لا تخطط لتبني مجدك.
مجدُكَ أهون عند الله من دمعة طفلة،
وأوهى من أن يبقى عالقًا في المسافة،
بين أناك المتضخمة، وعالم الجوعى والحزانى.
لا تصطنع الحذلقات، وتفجر قنبلة التَّذاكي الأرعن،
لا تتبع الرأسمال الهوان كما كُنتَ تفعل،
ولا الاحتفاءات حيثُ تبدل صوتك بآخر،
وجلدك بملمسٍ زلقٍ مُرابي.
من العار أن تدلقَ حبرك في السُّوق،
وأن تشتري نزيفَ النًاس بالتصفيق،
أيًُ مجدٍ سيفى بالعهود التي قطعتها ذات حريق؟
وبأنك باقٍ على الضفة الشمّاء،
لا تغريك ماكينة الأسماء،
ولا أيلولتك إلى بَهرةِ الزمن،
ساعة إلقاء المنابر قصيدتها على الجماجم.
لا تحدثك نفسك بالمجد بين الخرائب،
وإذا حدثتك؛ فأجدر بك أن تحملها إلى بيدرك،
أو إلى خلوتها، حيثُ لا أحد غيرك:
هوني عليك يا نفس!
لا تستخدم الإضافة،
دعها نكرة؛
لتذوبَ بين العامة،
ستدركُ أن المجد – إذا تحقق – ليس إلا محض صدفة.