الإخوان المسلمون: عقائدية التنظيم ام إيمانية الدين؟

 

وجدي كامل                                                                                                       

أكثر اللحظات إثارة عند التفكّر والتمعّن في البنية السيكولوجية والذهنية لجماعة الإخوان المسلمين، في بعديها الأصولي العربي والسوداني، تكمن في اكتشاف أنّها تنظيم سياسي يركن إلى الإذعان والتسليم بما ينطق به التنظيم (الجماعة – الحزب) باسم الله، لا بما ينطق به الله فعلًا، ويأمر به، ويرسله من نواهٍ وتعاليم وقيم وأحكام، تكافح وتنافح من أجل تغليب وترجيح ميزان الخير على الشر.

وتشكّل تجربة الحرب الحالية مرآةً عاكسة تؤكّد أنّ وضعيّة المقدّس لديهم ترتبط وتعود إلى مصلحة التنظيم، وبنحوٍ يفوق مرّات ومرّات تمثيل قدسيّة تعاليم الدين في فلسفته ودروسه المتسلسلة، المنبثقة من مطلق رؤاه ودوافع ظهوره التاريخي بوصفه خطابًا لتخليص البشر من الفوضى والشرور وسلطة الغرائز، عبر اقتراح عالمٍ مقابل من القيم الممعنة في نصرة مفهومي التهذيب والأخلاق.

إنّ الحرب الحالية في السودان لهي درس عميق يقف شاهدًا على عقلانيّة تكريس الشر عبر اعتماد العنف، أو النطق بمنظوماته المادية والرمزية، لدى تنظيم الإخوان المسلمين بشقّيه: المعلن، والصامت عن الحق.

وكما يناقش عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ في مؤلَّفه «علم النفس والدين»، فإنّ الدين تجربة، بينما الكنيسة مؤسسة.

ويعني ذلك أنّ يونغ يرى أنّ الدين يبدأ كتجربة نفسية فردية عميقة (لقاء مع المقدّس)، لكن حين تتحوّل هذه التجربة إلى مؤسسة، تصبح عرضة للسلطة والانضباط والسيطرة الجماعية. ويضيف إلى ذلك أنّ التجربة الدينية أصلها اللاوعي، لا العقيدة.

ويؤكّد كارل غوستاف يونغ أنّ ما يعيشه الفرد دينيًا هو تجربة نفسية لا يمكن دحضها عقلانيًا، بخلاف العقائد التي يمكن نقدها وتحليلها. فالدين يفقد جوهره عندما يصبح مجرّد التزام شكلي دون تجربة داخلية، وهو بالتالي يغدو مطيّة للعقائد السياسية والأيديولوجية.

بل يتّفق يونغ مع غيره من المفكّرين والفلاسفة النقديين للظاهرة الدينية في علاقتها بالسياسة على أنّ كافّة الحركات السياسية هي، في جوهرها، حركات دينية، من حيث إعلاؤها للمقدّس (الحزب – التنظيم) وتصويره بوصفه مبعث الخلاص للأفراد.

وتنشأ المفارقة العظمى هنا في أنّ التضييق الروحي غالبًا ما كان دافعًا للنفس إلى البحث عن بدائل سياسية، وهو ما جرى في إعلاء شأن الأيديولوجيا في وجوهها المختلفة: “قومية، شيوعية، نازية”، ومنها أيديولوجيا الإخوان المسلمين، عند نزع صفة القداسة عن الدين لدى مريديها. وهنا يتحوّل الحزب إلى كيان مقدّس، شأنه شأن أحزاب أخرى تُجرى فيها ذات النزعات التعويضية النفسية المشابهة.

غير أنّ أزمة حزب وتنظيم الإخوان المسلمين تصبح مضاعفة عندما يتخلّى عن الله لصالح التنظيم، فيُعمّق مفاهيم التضحية والخلاص، ويصوّر العدو على شاكلة كل مخالف لأيديولوجيته، مستخدمًا، بتحايل مريب، اسم الله: «هي لله»، ومحرضا للعنف في اعلى مستوياته، بما فيها صناعة الميليشيات التي منها الدعم السريع، وقتل النفس، ونهب ممتلكاتها من ثروات وموارد، وسلب الناس حرياتهم الطبيعية.

إنّ التنظيم، بما يصنعه ويصانع به من دهماء وقطيع، يتحوّل إلى ديانةٍ لأتباعه، تفصلهم عن الديانة الأصل التي تُنزع قدسيتها لصالح الحزب، أي لصالح المصالح المتعدّدة، وفي مقدّمتها المصلحة أو السلطة الاقتصادية.

إنّ أغلى هدايا تجربة تنظيم الإخوان المسلمين، عبر ممارسته للسلطة والحرب بوصفهما المعنى الحصري لاستعادتها حاليًا، تتمثّل في تقديم خطابٍ مفاده أنّ الحقيقة والخلاص يمكن فرضهما جماعيًا وسياسيًا، بدلًا عن الإيمان الذي كان دائمًا فرديًا، ينبع من دواخل الناس، ولا يُفرض عليهم بالقوة.

وهو ما يختصر مأساة الدولة التي وقعت ضحية لهذا المكر المبين، الذي حاق بها وبشعبها لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا، بوصفه إحدى أطول سلاسل التحايل والعبث بحياة الناس في التاريخ. فحين يُفرَض الخلاص بالقوة، لا يعود دينًا ولا سياسة، بل يصبح عبادة للسلطة.

Exit mobile version