وئام كمال الدين
يشهد السودان أزمة اقتصادية حادة نتيجة للحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي أدت إلى فقدان ملايين الوظائف وتدهورٍ واسع في الأوضاع المعيشية للسكان. ووفقًا لتقارير متعددة، فقد السودان ما يقارب خمسة ملايين وظيفة بسبب الحرب، ما يعني أن نحو نصف القوة العاملة في البلاد فقدت مصادر رزقها. كما تضررت المصانع والشركات بصورة كبيرة، مما أدى إلى توقف الإنتاج وتسريح العاملين. وأسهم نزوح ملايين السودانيين من مناطقهم في فقدانهم لمصادر دخلهم، إلى جانب التدهور العام في الاقتصاد، الذي انعكس في تراجع القدرة الشرائية وتوقف العديد من الأنشطة الاقتصادية.
ويُعد فقدان سبل العيش أحد أكثر النتائج الكارثية لحرب 15 أبريل؛ إذ ارتفعت معدلات البطالة إلى نحو 55.8% بحسب صندوق النقد الدولي، وهي من أعلى المعدلات عالميًا في دولة نامية يعيش أغلب سكانها تحت خط الفقر. ومن الجدير بالذكر أن نسبة الفقر، وفق ما ورد في خطة وزارة المالية لمكافحة الفقر لعام 2021، بلغت 65%، أي ما يقارب ثلثي السكان.
وقد تضررت القطاعات الإنتاجية والخدمية بشكل بالغ نتيجة الحرب؛ إذ فقد القطاع الصناعي نحو 70% من قدراته الإنتاجية. كما تأثر القطاع الزراعي، الذي يمثل حوالي 39% من الدخل القومي، وتوقف أكبر مشروع زراعي في البلاد، وهو مشروع الجزيرة، عن العمل، إضافة إلى تعطّل الشبكات التجارية. ولم يكن القطاع التعليمي بمنأى عن ذلك، حيث أُغلقت آلاف المدارس والجامعات، كما تضرر القطاع الصحي بشدة، إذ أصبحت أكثر من 70% من المرافق الصحية غير عاملة. وقد أسهم كل ذلك في تفاقم فقدان الوظائف ومصادر الدخل للسودانيات والسودانيين.
كما تأثرت النساء العاملات والمهنيات بشكل خاص، حيث اضطرت كثيرات منهن إلى العمل في أنشطة هامشية أو الاعتماد على إعالة أسرهن بعد أن كنّ يعملن وينفقن على أنفسهن وأسرهن. وقد أثّر هذا التحول سلبًا على دور المرأة الاقتصادي والاجتماعي، وزاد من الضغوط الواقعة على الأسر السودانية في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.
وفي هذا السياق، فإن المجتمع المدني والمنظمات المحلية، التي تلعب دورًا مهمًا في تقديم العون الإنساني خلال الحرب، مطالَبة بتوسيع نطاق تدخلها ليشمل إيجاد حلول إنتاجية مستدامة، لا الاكتفاء بالدعم المباشر الذي قد يتوقف في أي لحظة. ويُعد توفير فرص العمل وتنظيم المنتجين الخيار الأكثر فاعلية واستدامة.
إن أي تصور لسلام مستدام في السودان يجب أن يقوم على أسس تسهم في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وتوفير سبل العيش الكريم للسودانيين، حتى لا تتحول الحرب إلى وسيلة للتكسب الاقتصادي، ولا تتحول البندقية إلى أداة إنتاج. وإذا كان فقدان سبل العيش والوظائف أحد أبرز نتائج هذه الحرب، فإن أي إطار للحل ينبغي أن يضع في اعتباره توفير فرص العمل اللائق والكريم للملايين الذين تضرروا بسببها.