التوسع الكمي مقابل الجودة.. كيف أُفرغ التعليم العالي من مضمونه

حيدر المكاشفي
لم يعد انهيار التعليم العالي في السودان مجرد رأي معارض أو تشكيك مغرض، بل حقيقة موثقة بشهادات من الداخل وفضائح خرجت إلى العلن من الخارج، فحين يقدم مسؤول أكاديمي رفيع في جامعة الخرطوم استقالة مسببة، كاشفاً عن خروقات تضرب في صميم النزاهة الأكاديمية، وحين يكتب صحفي عربي من دولة أخرى عن شهادات سودانية مزيفة تغرق أسواق العمل الإقليمية، فإن السؤال لم يعد هل توجد أزمة بل إلى أي مدى وصل الانهيار، ومن المسؤول عنه، فما يجري في مؤسسات التعليم العالي اليوم ليس خللاً إدارياً عابراً، ولا نتاج ظروف الحرب وحدها، بل نتيجة مسار طويل من التسييس والتفريغ الممنهج للجامعة من دورها العلمي، وتحويلها إلى مساحة نفوذ وامتيازات، أو إلى سوق مفتوح لبيع الشهادات تحت لافتات أكاديمية زائفة. لقد سقطت هيبة الشهادة حين سقطت استقلالية الجامعة، وحين استبدلت المعايير العلمية بالولاء، والرقابة بالمجاملة، والجودة بالكم.. هذه ليست قضية نخبوية تخص الأساتذة والطلاب وحدهم، بل فضيحة وطنية تمس مستقبل المجتمع كله. فحين ينتج التعليم أطباء بلا كفاءة، ومهندسين بلا تأهيل، وخريجين بلا معرفة حقيقية، فإن الخطر لا يقف عند حدود الجامعة، بل يمتد إلى حياة الناس وأمنهم وثقتهم في الدولة ذاتها. من هنا، لا يعود الحديث عن إصلاح التعليم العالي ترفاً فكرياً، بل معركة وجود، إما أن تخاض بوضوح وشجاعة، أو يترك السودان ليدفع ثمن انهيار لا يرحم. وبهذه المناسبة اذكر تلك الورشة العلمية التي عقدها اساتذة الجامعات تحت عنوان (تحسين وضع الأستاذ الجامعي)، واوصت الورشة في ختامها بدمج الجامعات في 9 جامعات فقط. وكانت الورشة ناقشت ، ثلاث أوراق علمية تحدثت الأولى عن إعادة هيكلة الجامعات في ضوء اقتصاديات التعليم وامكانيات دمج الجامعات الحكومية في تسع جامعات فقط، أربع منها في ولاية الخرطوم وخمس في باقي الولايات الأخرى على أن تبقى جامعة الخرطوم دون دمج باعتبارها جامعة عريقة، كما اقترحت تقليل الإداريين بالجامعات وجعلهم أكثر فاعلية الأمر الذي يعمل على تقليل التكلفة والوقت والجهد، بينما طرحت الورقة الثانية رؤية للهيكل الراتبي الخاص بالأستاذ الجامعي إضافة إلى ورقة تحسين أوضاع الأستاذ الجامعي.. وأجدني على اتفاق تام مع مقترح هيكلة الجامعات، فقد ظللت شخصياً أكتب بلا ملل عن أحوال (وأهوال) التعليم العالي، وكنت أحرص على الكتابة عنها كلما أتى على ذكر سيرة التعليم العالي ذاكر، واذ يأتي أهل البيت أنفسهم على ذكره باستقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، فلا بد من أن نعود للكتابة مجدداً،ف(جامعات ثورة التعليم العالي)، التي نشأت كنبات البروس الذي ينبت كيفما اتفق بلا تحضير للأرض وبذر البذور، وتعهده بالرعاية والسقاية والنظافة من كديب وجنكاب وخلافها، هكذا كان حال غالب جامعات ما بعد (ثورة) التعليم العالي التي يصفها الكثير من الخبراء والعلماء بأنها (فورة) أكثر من كونها ثورة، لجهة افتقارها للكثير من مطلوبات التعليم الجامعي التي لا مجال لتعدادها في هذه العجالة، كما أثبتت الدراسات التي تقصت أسباب هذا التراجع المخيف والتردي المريع للنظام التعليمي، بسبب زيادة أعداد الطلاب وتصاعد عدد الجامعات بمعدلات مالتوسية دون أن يواكب ذلك أي زيادة تذكر أو إصلاح في بقية الركائز الأساسية التي لا يستقيم عود التعليم إلا باستقامتها، وأدى ذلك بدوره إلى ما يشبه انهيار جسد التعليم من أساسه وإلى رأسه. وهاهو مقترح الهيكلة يخرج اليوم من أهل الوجعة، إذ لا يمكن لهذه (الجوطة) التي أسموها زوراً (ثورة التعليم العالي) أن تستمر فكفاها ما خربته ودمرته، وقد آن الأوان لمراجعة هذه (الفورة) وإصلاح إعوجاجاتها وتقويم اختلالاتها، فبغير هذه المراجعة والإصلاح الذي يستهدف معالجة كل الثغرات ويسد كل النواقص ويوفر كل المقومات الغائبة لبناء نظام تعليمي متكامل تكون حصيلته مخرجات متكاملة عقلاً وروحاً وضميراً وسلوكاً، إذ لا صلاح ولا فائدة ترجى من الأشكال والهياكل (العظمية) التعليمية الموجودة الآن المسماة جامعات، وستبقى أي شكوى من نتائج امتحانات أو معاينات مخيبة ومخجلة هنا وهناك بلا معنى، فما دامت العلة قائمة فلن تنجب إلا معلولين.. لم تكن استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم حدثاً إدارياً عابراً، ولا مجرد خلاف بيروقراطي داخل مؤسسة أكاديمية عريقة، بل جاءت في مضمونها وأسبابها المعلنة كوثيقة اتهام ثقيلة الوزن، تكشف جانباً مقلقاً من الخروقات والاختلالات التي أصابت صميم النظام الأكاديمي في واحدة من أقدم وأهم جامعات السودان. الأخطر في الاستقالة ليس فعل الانسحاب ذاته، بل ما أوردته من وقائع عن تجاوز اللوائح، وتسييس القرارات الأكاديمية، والتلاعب بمعايير القبول والترقية، وإضعاف استقلال المؤسسات العلمية. هذه الوقائع، حين تقرأ بمعزل عن السياق العام، قد تفسّر على أنها أعراض أزمة داخلية محدودة. لكن قراءة المشهد بصورة أوسع، وربطه بما كتبه الصحفي الأردني فهد الخيطان عن إغراق الجامعات السودانية للسوق الأردني بالشهادات المزيفة، يضعنا أمام صورة أكثر قتامة إن أزمة بنيوية في التعليم العالي السوداني، تجاوزت حدود الداخل، وبدأت تترك آثارها السلبية على سمعة البلاد إقليمياً ودولياً. حديث الخيطان لم يكن انطباعاً عابراً ولا هجوماً سياسياً، بل جاء في سياق نقاش أردني رسمي وإعلامي حول شهادات جامعية غير مستوفية للحد الأدنى من المعايير الأكاديمية، صدرت عن مؤسسات سودانية، ووجدت طريقها إلى معادلات وشواغر مهنية في الأردن. وهنا تتلاقى الشهادتان، شهادة المسؤول المستقيل من الداخل، وشهادة المراقب الخارجي من دولة أخرى. الأولى تقول إن المنظومة مختلة، والثانية تؤكد أن نتائج هذا الخلل لم تعد شأناً سودانياً خالصاً. المشكلة، في جوهرها، لا تتعلق بجامعة واحدة، ولا بشخص أو إدارة، بل بنموذج كامل لإدارة التعليم العالي، قائم على التوسع الكمي غير المنضبط، وفتح الجامعات دون بنية تحتية أو كادر مؤهل، وتحويل الشهادة الجامعية إلى سلعة، لا إلى استحقاق علمي. فخلال سنوات قليلة، تضاعف عدد الجامعات والكليات في السودان، بينما تراجعت معايير الجودة والاعتماد، وغابت الرقابة الفاعلة، وتحولت بعض المؤسسات إلى (مصانع شهادات) تخدم منطق الربح أو النفوذ السياسي أكثر مما تخدم المعرفة. الأخطر من ذلك أن هذا التدهور لم يحدث في فراغ، بل تزامن مع إضعاف الجامعات التاريخية، وعلى رأسها جامعة الخرطوم، عبر التدخلات الإدارية والأمنية، وتهميش الأساتذة، وتفريغ اللوائح من مضمونها، وإفراغ الاستقلال الأكاديمي من معناه. وحين تكسر هيبة الجامعة الأم، يصبح من الطبيعي أن تتجرأ بقية المؤسسات على تجاوز المعايير دون خوف أو محاسبة. فقضية الشهادات المزيفة أو الضعيفة أكاديمياً ليست مجرد فضيحة تعليمية، بل تهديد مباشر للمجتمع والاقتصاد وسوق العمل. الطبيب غير المؤهل، والمهندس ضعيف التدريب، والمعلم الذي لم يتلق تعليماً رصيناً، هم نتائج مباشرة لهذا الخلل. وحين تفقد الشهادة مصداقيتها، يفقد المجتمع ثقته في التعليم كرافعة للترقي الاجتماعي، ويتحول إلى ساحة للفوضى والواسطة والبحث عن الاعتماد الخارجي بأي ثمن.
إن ما تحتاجه منظومة التعليم العالي في السودان اليوم ليس ترقيعاً إدارياً ولا لجاناً شكلية، بل مراجعة جذرية وشجاعة، تبدأ بالاعتراف بحجم الأزمة. وإصلاح حقيقي يعني إعادة الاعتبار للاستقلال الأكاديمي، وإغلاق أو دمج المؤسسات غير المستوفية للشروط، وتفعيل هيئات الاعتماد والجودة بمعايير صارمة، ومراجعة ملفات القبول والترقية والشراكات الخارجية، بلا حصانات سياسية أو أمنية. كما يعني الإصلاح الربط بين التعليم وسوق العمل الحقيقي لا الوهمي، والتوقف عن تصدير الأزمة إلى الخارج عبر شهادات لا تحترم الحد الأدنى من المعايير الدولية. فسمعة التعليم ليست شأناً دعائياً، بل رصيد وطني طويل الأمد، إذا انهاراحتاج عقوداً لإعادة بنائه. إن استقالة مسؤول أكاديمي رفيع، وكتابة صحفي عربي من خارج السودان، يجب ألا تقابلا بالإنكار أو التخوين، بل بالتقاط اللحظة بوصفها جرس إنذار أخير. فإما أن يعاد بناء التعليم العالي على أسس علمية ومؤسسية واضحة، أو أن تستمر رحلة الانحدار، حيث لا يبقى من الجامعة سوى الاسم، ولا من الشهادة سوى الورق. إن ما جرى ويجري في التعليم العالي السوداني ليس خطأً تقنياً يمكن إصلاحه بقرار وزاري، ولا أزمة مؤقتة تحل بلجنة أو ورشة عمل، بل انهيار أخلاقي ومؤسسي كامل لمنظومة كان يفترض أن تكون آخر خطوط الدفاع عن العقل والمعرفة. وحين تصبح الاستقالات المسببة مجرد أخبار عابرة، وتتحول الفضيحة الأكاديمية إلى مادة للنفي والإنكار، فإن الرسالة تكون واضحة، لا أحد في موقع القرار يريد مواجهة الحقيقة. السلطة التي أفرغت الجامعة من استقلالها، وسمحت بتسييس القبول والترقية، وغضت الطرف عن جامعات لا تستوفي أبسط شروط التعليم، تتحمل المسؤولية الكاملة عن سقوط الشهادة السودانية في الداخل والخارج. فسمعة التعليم لا تنهار فجأة، بل تُدمر تدريجياً، حين يكافأ الرديء، ويقصى الجيد، ويطلب من الجامعة أن تخدم السلطة بدلاً من أن تخدم المجتمع. اليوم لم يعد السؤال عن عدد الجامعات ولا أعداد الخريجين، بل عن جدوى هذا التعليم من الأساس. شهادة بلا معرفة ليست إنجازاً، وجامعة بلا معايير ليست مؤسسة، ودولة لا تحمي تعليمها تحكم على مستقبلها بالتيه. وكل تأخير في مواجهة هذه الحقيقة هو مشاركة صامتة في الجريمة. إما أن يُفتح ملف التعليم العالي بلا خطوط حمراء، وتُعاد صياغته من الجذور على أسس الاستقلال والجودة والمساءلة، أو يستمر الانحدار حتى تصبح الشهادة السودانية عبئاً على حاملها، وعاراً على بلدها. في هذه اللحظة الفاصلة، لم يعد الصمت حياداً، بل تواطؤاً، ولم يعد الإصلاح خياراً، بل ضرورة لا تحتمل التأجيل.
@251281507668069

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى