ما جرى في أمبدة لا يمكن قراءته كخبر أمني عابر، ولا يصلح أن يُحشر في زاوية “الاحتكاكات المؤسفة” التي اعتادت البيانات الرسمية استخدامها لتخفيف وقع الكوارث. نحن أمام مشهد كاشف، لا لخلل أمني محدود، بل لطبيعة المرحلة كلها. إطلاق النار على قوة شرطة، وتهديدها بأسلحة ثقيلة، وإجبارها على الانسحاب من مربعات داخل مدينة مأهولة، ليس انزلاقًا مفاجئًا، بل تعبير مكثف عن منطق الحرب حين تطول وتتحول إلى أسلوب حكم.
هذه ليست فوضى بلا سبب، وليست انفلاتًا طارئًا يمكن عزوه إلى “سوء تقدير ميداني” أو “تجاوز فردي”. ما نراه اليوم هو النتيجة الطبيعية، والمتوقعة، بل الحتمية، للإصرار على استمرار الحرب، ولتعليق السياسة، ولإدارة البلاد بعقلية الطوارئ الدائمة. الحرب، حين تستمر، لا تبقى محصورة في خطوط القتال، بل تزحف إلى المدن، وتتسلل إلى المؤسسات، وتعيد تعريف السلطة نفسها.
في سياق الحرب، لا يعود القانون مرجعية عليا، بل يصبح عنصرًا ثانويًا، قابلًا للتعليق أو التجاوز. ومع الزمن، لا يعود الاستثناء استثناءً، بل يتحول إلى قاعدة. السلاح الذي قيل إنه مؤقت، يتحول إلى أمر واقع. والتشكيلات التي قُدِّمت باعتبارها ضرورة ظرفية، تتصرف بوصفها سلطات مكتملة، لا ترى نفسها خاضعة لشرطة أو نيابة أو قضاء. وهكذا، تتآكل الدولة من الداخل، لا بضربة واحدة، بل بسلسلة وقائع “صغيرة” تشبه ما حدث في أمبدة.
حين تُجبر الشرطة على الانسحاب تحت تهديد الدوشكا، فالمسألة لا تتعلق بشجاعة هذا الطرف أو ذاك، بل بميزان القوة الذي أعادت الحرب تشكيله. في هذا الميزان، لم تعد الشرطة في موقع الفاعل، بل في موقع الطرف الأضعف. وهذا بحد ذاته إدانة سياسية قبل أن يكون أزمة أمنية. لأن الدولة التي تصبح فيها شرطتها عاجزة عن تنفيذ حملة داخل مدينة، هي دولة فقدت أحد أهم شروط وجودها: احتكار العنف المشروع.
الأمر الأكثر خطورة أن هذه الوقائع لم تعد تثير الدهشة. هناك درجة عالية من التبلد العام، كأن المجتمع نفسه بدأ يتعامل مع الفوضى باعتبارها وضعًا طبيعيًا. وهذا أخطر من الفوضى ذاتها. فالتطبيع مع انهيار القانون هو المرحلة الأخيرة قبل انهيار فكرة الدولة في الوعي العام. حين لا يعود المواطن يتوقع من الشرطة حماية، ولا من القانون إنصافًا، ولا من الدولة حضورًا، فإنه يبدأ، غصبًا عنه، في البحث عن بدائل: الحماية الذاتية، العصبيات، السلاح، أو الخضوع لمن يفرض الأمر الواقع.
ما يحدث اليوم ليس صراعًا بين مؤسسات متكافئة، ولا خلافًا إداريًا يمكن تسويته بلجنة تحقيق. إنه صراع بين منطقين: منطق الدولة، الذي يفترض وحدة السلطة والقانون، ومنطق الحرب، الذي يقوم على تعدد البنادق وتنازع الشرعيات. وكل يوم تستمر فيه الحرب، يتراجع المنطق الأول خطوة إضافية، ويتقدم الثاني بلا مقاومة حقيقية.
الحديث المتكرر عن “الظروف الاستثنائية” لم يعد مقنعًا. فالاستثناء طال إلى درجة صار فيها هو القاعدة. والظرف المؤقت تمدد حتى ابتلع كل شيء: الأمن، الاقتصاد، السياسة، وحتى المعنى. في ظل هذا الواقع، يصبح من الطبيعي أن تتصرف قوى مسلحة وكأنها فوق القانون، وأن ترى في الشرطة مجرد طرف آخر يمكن إخضاعه بالقوة، لا مؤسسة سيادية واجبة الاحترام.
وما يجب التوقف عنده بوضوح هو أن هذه الفوضى لا تُفرض فقط من أسفل، بل يُمهد لها من أعلى. حين يُدار البلد بلا أفق سياسي، وبلا مشروع خروج من الحرب، وبلا إرادة حقيقية لاستعادة الدولة، فإن الرسالة التي تُرسل إلى الأرض واضحة: القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة. وعندها، لا ينبغي الاستغراب إذا تحدثت البنادق في مواجهة القانون.
إن أخطر ما في مشهد أمبدة ليس الرصاص ذاته، بل ما يقوله عن المستقبل القريب. فالدولة التي تسمح بتعدد مراكز القوة، وتغض الطرف عن تمدد السلاح خارج السيطرة، لا تفقد هيبتها دفعة واحدة، بل تفقدها بالتقسيط. واقعة اليوم تصبح سابقة الغد، وسابقة الغد تتحول إلى عرف، والعرف إلى نظام غير معلن، تُدار بموجبه المدن والأحياء.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “إصلاح أمني” أو “إعادة تنظيم” بلا معنى ما لم يُطرح السؤال الجوهري: إلى متى تستمر الحرب؟ لأن الحرب ليست مجرد خلفية لكل هذه الفوضى، بل هي سببها البنيوي. استمرارها يعني استمرار تآكل الدولة، وتكاثر القوى المسلحة، وتراجع القانون، وتحوّل الأمن إلى مسألة تفاوض لا إنفاذ.
ما يجري الآن ليس انحرافًا عن المسار، بل هو المسار نفسه. مسار يبدأ بتبرير الحرب، ويمر بتعليق السياسة، وينتهي بانهيار الدولة إلى فسيفساء من القوى والنفوذ. ومن يظن أن بإمكانه إدارة هذا الوضع أو التحكم فيه، يتجاهل دروس التاريخ القريبة: الفوضى لا تبقى تحت السيطرة، والحرب لا تُنتج استقرارًا، بل تستهلك كل ما حولها، حتى المؤسسات التي يُفترض أنها تحميها.
أمبدة ليست حادثة، بل مرآة. مرآة تعكس إلى أين يقود الإصرار على الحرب، وماذا يتبقى من الدولة حين يُترك السلاح بلا سقف سياسي ولا ضابط قانوني. وفي هذا المشهد، لا حاجة للوعظ ولا للنصح. الوقائع وحدها تتحدث، وصوتها أعلى من أي بيان: هذه فوضى الحرب، حين تطول، وتُدار كخيار لا ككارثة يجب إنهاؤها.