الدلنج.. نزوح مستمر وخروج مستشفيات عن الخدمة   

 

أفق جديد

الأوضاع في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان تمضي من سيء إلى أسوأ في ظل الحصار الطويل ونقص الخدمات الضرورية وخروج 3 مستشفيات عن الخدمة جراء القصف المدفعي، ما تسبب في نقص الإمدادات الطبية الأساسية الذي وصل إلى مستويات حرجة، لدرجة أن بعض الجراحات تُجرى بدون تخدير بسبب نفاد الأدوية والمستلزمات الطبية.

وأبلغت مصادر طبية “أفق جديد”، خروج 3 مستشفيات رئيسية عن الخدمة، ومقتل كوادر طبية إثر القصف العشوائي الذي استهدف مركز التأمين الصحي الرئيسي والمستشفى التعليمي في مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان وسط البلاد.

وطبقاً للمصادر الطبية، فإن خروج المستشفيات عن الخدمة فاقم من معاناة المواطنين، وتقليص الخدمات الصحية الأساسية، خاصة وأن بعض المراكز العلاجية الصغيرة تعمل بإمكانيات محدودة لتغطية الاحتياجات الطارئة.

وكشفت المصادر الطبية، عن تفشٍ واسع لمرض الكوليرا والأمراض المنقولة عبر المياه والمضاعفات الصحية الخطيرة في مناطق النزاع واللجوء نتيجة النزوح وانهيار الخدمات الصحية، وأن انعدام الأمن الصحي يؤثر بشكل خاص على الأطفال والحوامل وكبار السن، الذين يعانون من نقص اللقاحات والرعاية التكميلية.

وحسب المصادر، فهناك نقص شديد في الأدوية والمستهلكات الطبية داخل الدلنج مع ارتفاع عدد الجرحى من المدنيين، ودفع الأطباء لإجراء عمليات بدون تخدير بسبب انعدام المستلزمات.

وكشف وزير الصحة الاتحادي، د. هيثم محمد إبراهيم، عن جهود تبذلها المنظمات العاملة معهم لإيصال الخدمات الصحية إلى المواطنين في دارفور وكردفان.

وقال إبراهيم لـ”أفق جديد”:، “لقد وضعنا استراتيجية خمسية للمرحلة المقبلة، دون أن ننفي وجود تحديات كبيرة تواجه النظام الصحي، خاصة في إقليمي دارفور وكردفان، حيث توجد أعداد كبيرة من الأسر المحرومة والمتأثرة بالحرب الدائرة وسيطرة قوات الدعم السريع”.

ويقول المواطن عيسى المهدي، إن “الأوضاع الصحية في مدينة الدلنج خرج عن السيطرة، ما أدى نزوح أعداد كبيرة من المواطنين بسبب توقف خدمات الكهرباء والمياه، وتوقف عمل المستشفيات”.

وأوضح المهدي في حديثه لـ”أفق جديد”، أن الأوضاع الصحية داخل المدينة تدهورت بصورة كبيرة ما أدى خروج عدد من المستشفيات والمراكز العلاجية عن الخدمة وتوقف الأقسام الحيوية”.

وأضاف: “شح الدواء أجبر العالقين داخل المدينة على تناول الأعشاب للشفاء من الأمراض. الوضع حرج للغاية في ظل الحصار الطويل والقصف العشوائي المتواصل”.

من جهتها أشارت المواطنة، عزيزة مصطفى، إلى أن “النزاع في مدينة الدلنج أثر النزاع بصورة مباشرة على الأطفال والنساء، سواء مباشرة عبر القتال، أو غير مباشرة عبر انهيار الخدمات الأساسية”.

وأوضحت في حديثها لـ”أفق جديد”، أن الوضع الصحي في المدينة يشهد انهيارًا مريعًا، مع توقف أو تدهور 70-80% من المرافق الصحية في المناطق المتأثرة بالنزاع، ما يؤدي إلى حرمان النساء والأطفال من الخدمات الطبية الأساسية، بما فيها الرعاية التوليدية والرعاية للأطفال”.

وقالت: “الأطفال يواجهون نقصًا حادًا في الأطعمة المغذية، ما يؤدي إلى تفاقم سوء التغذية واضطرابات النمو والتأخر في النمو لدى الأطفال الصغار، والنساء يعانين من نقص الغذاء والرعاية الأولية ما بعد الولادة”.

وأفاد نشطاء “أفق جديد”، تكثيف القصف المدفعي والضربات الجوية في الدلنج وكادوقلي، مع محاولات أطراف النزاع السيطرة على المدن وقطع طرق الإمداد، مما يعطل وصول المساعدات الإنسانية.

وحسب النشطاء، فإن الصراع في جنوب كردفان والدلنج امتد إلى تكتيكات الحصار التي تمنع دخول الإمدادات الغذائية والطبية، وتفاقم اصطفاف السكان داخل المدن المتضررة.

وقال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الأممي، إن القتال في إقليم كردفان السوداني يشلُّ البنى التحتية ويجبر المدنيين على الفرار.، وحذّر من أن الخدمات الصحية على امتداد هذا الإقليم تتراجع تدريجيا، لافتا إلى أن ثلاثة مستشفيات رئيسية في مدينة “الدلنج”، جنوب الإقليم، خرجت عن الخدمة بسبب قصف أدى أيضًا لمقتل ثلاثة أطباء. وأشار المكتب إلى أن ألفين ومئتي شخص اضطروا للنزوح من منطقة “العباسية” وكادوقلي، خلال الأيام الماضية.

من جهتها، أعلنت منظمة الهجرة الدولية، نزوح 570 شخصا خلال 3 أيام من كادوقلي مركز ولاية جنوب كردفان جنوبي السودان، فيما بين 8 و10 يناير الجاري، نتيجة تفاقم انعدام الأمن بالمدينة، والتوجه إلى مناطق بولاية النيل الأبيض.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، يُعد النظام الصحي في البلاد من الأكثر تضررًا في العالم، مع تراجع شديد في الخدمات الأساسية في المناطق المتأثرة بالنزاع بما فيها كردفان. أكثر من 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة، ما يحرم ملايين المدنيين من الوصول إلى الرعاية الأساسية.

وشنّت الأطراف المسلحة 200 هجوم على مرافق صحية منذ بداية النزاع، ما أدى إلى مقتل المئات من العاملين الصحيين وإصابة آخرين، وهو ما يفاقم انهيار الخدمات الطبية في مناطق القتال.

نقص الإمدادات الطبية الأساسية وصل إلى مستويات حرجة، لدرجة أن بعض الجراحات تُجرى بدون تخدير بسبب نفاد الأدوية والمستلزمات في الدلنج.

وفي 10 أبريل 2025، أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا بشأن تعرّض الخدمات الصحية في بلدان عديدة لاضطرابات ناجمة عن إجراءات مفاجئة شملت تعليق المساعدة الإنمائية الرسمية الموجهة للصحة أو خفضها، وفق ما أفادت به 70% من المكاتب القُطرية المشمولة بدراسة استقصائية.

 وتثير الاستنتاجات التي خلص إليها التقييم السريع الذي أجرته المنظمة للوضع المتغير بسرعة قلقا إزاء احتمال تعرض النظم والخدمات الصحية في العالم لتأثيرات أشد وطأة وأطول أمدا، لا سيما في السياقات الهشة والضعيفة. وهذا ما يتطلب إجراءات واستجابة دولية عاجلة.

الصراع في كردفان جزء من أحد أكبر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم حيث يحتاج أكثر من 20 مليون شخص للمساعدة الصحية و21 مليون للمساعدة الغذائية مع استمرار النزاع لأكثر من 1000 يوم.

المؤسسات الدولية تشير إلى أن النزاع في السودان وإقليمي كردفان ودارفور يؤدي إلى انقطاع متكرر للطرق التجارية، نقص الوقود، ارتفاع الأسعار، وأزمات في الأمن الغذائي.

وفي أبريل 2025، قطعت قوات “الدعم السريع”، طريق رئيسي يغذي ولاية جنوب كردفان بالسلع والمواد الغذائية من سوق “النعام” على الحدود مع دولة جنوب كردفان، وذلك بعد أن سيطرت على ملتقى “أم عدارة” الاستراتيجي الواقع شرق جنوب ولاية غرب كردفان، وضيقت الخناق أكثر في يوليو الماضي، بسيطرتها على منطقة “الدشول” التي تضم ملتقى يربط مدينة الدلنج مع ولاية غرب كردفان.

أما الشريان الرئيسي المغذي لمدينتي الدلنج وكادوقلي هو طريق الأسفلت الذي يربطهما مع مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، قيدت قوات “الدعم السريع” الحركة عبره، بعد المعارك الضارية التي خاضتها مع الجيش السوداني في “الدبيبات” و “الحمادي” خلال أبريل ومايو الماضيين، وأصبحت لا تسمح بعبور شاحنات البضائع إلى ولاية جنوب كردفان.

وصنفت الأمم المتحدة منطقة كردفان التي تشمل ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان بالنشطة عسكريًا، جراء لجوء الجيش وقوات “الدعم السريع” إلى الحشود العسكرية بما في ذلك الطائرات المسيرة.

 وفي 21 أبريل من العام الماضي، أوقفت السلطات الحكومية في جنوب كردفان  عمل 30 منظمة دولية ومحلية، منها المجلس النرويجي للاجئين ومنظمة الرؤية.

وتسيطر الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو على المناطق الجنوبية من جبال النوبة منذ العام 2011 وتتخذ من مدينة كاودا عاصمة لها، ويعيش في المنطقة حوالى مليون نسمة.

وكانت كادوقلي والدلنج تحصل على قليل من السلع الغذائية عبر طرق برية وعرة من محليات ولاية جنوب كردفان الشرقية، المربوطة بطرق برية مع مدينة أم روابة وولاية النيل الأبيض، لكن جميع هذه الطرق أُغلقت بشكل كامل بسبب مياه الأمطار، مما أدى إلى انقطاع الإمداد عبرها، وفاقم الأزمة المعيشية.

وفي ظل تصاعد الأزمة الإنسانية، سبق وأن أطلق ناشطون حملة واسعة بغرض تسليط الضوء على الجوع الذي يعيشه السكان في ولاية جنوب كردفان، والضغط على الجهات الإنسانية الفاعلة، بغرض التدخل العاجل وإنقاذ ملايين المدنيين في الولاية المحاصرة.

وخلال الأشهر الماضية حاول “برنامج الغذاء العالمي” التابع للأمم المتحدة، إيصال مساعدات إلى ولاية جنوب كردفان لكنه فشل، وصادرت القوات الأمنية القافلة الإغاثية التي كان يسيرها، فالدخول إلى هذه الولاية أصبح شبه مستحيل.

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب في السودان، بما يجنب البلاد كارثة إنسانية بدأت تدفع الملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال.

Exit mobile version