حكاية من بيئتي (20) الرتينة

الفيلابي 

لا علاقة لذلك النهار الساخن الصاخب، واللاندروفر يطوي الأرض ذات التضاريس القاسية، وهذا الليل البارد اللطيف، والدفء والحميمية تعمر دار (عم سيد)، حيث أن كل القرية كانت في استقبالنا. وبعد قليل دار حوار باللغة النوبية بين مضيفنا، وعدد ممن عرفت فيهم لاحقاً أنهم مجموعة (اللجنة). وهكذا ظللنا نحدّث بهم طيلة أسبوعي العمل. ومن بين فريقنا المكون من سبعة أفراد اختارني (العم سيد) ليطرح علي السؤال المباغت. ولعله بحكم خبرة السنوات هنا وفي عدد من الدول الأوربية، وبعد أن أطلع على أوراقنا الرسمية استشف مدى علاقتي بحياة الريف.

ــ يا أستاذ تعرف تولّع (الكلوب)؟

حومّت المفردة في ذاكرتي لثوانٍ قليلة، بينما انطلق لساني في ثقة.

ــ نعم.

ورغم أن الـ(كلوب) لم تحط على سطح ذاكرتي لتتوافق مع أي من أدوات الإضاءة التي عرفت طيلة ثلاثة عقود، لكنني كنت موقناً أنه لن يكون غريباً إلا بالاسم، وبالفعل.

كان المساء صاخباً، وقلبي الريفي يألف المكان والوجوه بلا عناء، ويأنس هذه المحبة التي تحفنا، وشغف الأطفال يدفعهم للإقتراب منا حد الملامسة. ولعل ما دار بيني وبين (العم سيد) لم يصل إلى آذان الكثيرين، لكن العيون تبعته وهو يضع أمامي صندوقين جديدين من الكرتون، ثم يعود ليأتي بجالون حديدي عليه ماركة إحدى شركات البترول العاملة وقتها، وقنينة داكنة اللون تخبئ ما بداخلها.

تحلق الجميع حولي وأنا أجلس على الأرض، وبمهارة من عرف الأمر قبلاً أخرجت أجزاء (الرتينة) وبدأت في تركيبها مستخدماً ذلك المفتاح النحاسي متعدد الاستخدامات، وصور من أيام الطفولة تمر بخيالي، المذاكرة الليلية، ومسؤولية إشعال الرتينة، وتلك العناية التي نوليها لها حتى نقوم بتعليقها في ذلك (الشنكل) المتدلّي من سقف الفصل. حينها كان الحضور للمذاكرة الليلية أمراً لا خيار لنا فيه، وكذا نشاط الجمعية الأدبية الأسبوعي، وحفلات بداية ونهاية العام. وفي كل تشكّل الرتينة أهمية قصوى، مثلما شكلّّت الوجدان السوداني من خلال الأغنيات والمنتجات الأدبية، والاحتفاء بها حد تسمية الأسر لبناتهن بها.

كنت مأخوذاً بصمت الناس حولي لأحدثهم وأنا أعمل عن علاقتنا بـ(الكلوب) والذي هو في لغتنا (الرتينة) التي يعرفونها غناء و…

اللالاية لألأ جبينا

الضواية ضي الرتينة

فانفلتت إحدى الفتيات تغنيها في مرح، ليسبغ صوتها الدافئ على اللحظة بعداً عذباً. 

يقولو جافية نقول حنينة

يقولو جاهلة نعد سنينا

كنت حينها قد فرغت من التركيب، وصببت في خزان الرتينة القدر الكافي من الجاز الأبيض (الكيروسين)، ثم عطنت الشبكة الناعمة (الشاشة) في المحلول الأزرق بعد أن عبأت الأبريق البلاستيكي الصغير من القنينة داكنة اللون، وقلت لهم أن هذا (سبيرتو) وهو سائل كحولي يساعد على الاشتعال. ثم قدحت النار، لتحترق الشبكة، وحين اسودت، صدرت عن المتابعين همهمات  حزينة، وتطايرت عبارات تعني أن الأمر لن ينجح. وبما تعلمناه من عناية كبست برفق الهواء في خزان الوقود، وأدرت مقبض (الفونية) لينبثق الكيروسين، ويتوهج المكان بالضوء، فتنقلب الهمهمات إلى آهات فرح غامر، وصفق البعض بيديه حين عاد صوت الفتاة..

اللالاية لألأ جبينا

الضواية ضي الرتينة

همس في أذني (العم سيد)..

ــ أردت لك أن تكتسب مكانة في قلوب هؤلاء ليسمعوا لك حين تحدثهم عن الرسائل البيئية التي جئتنا بها. ثم علا صوته طالباً أن يتبرع إثنان من الشباب ليتعلما كيفية إشعال الرتينة. وبالفعل بدأنا الدرس العملي في الكلوب الثاني، بعد أن تقدم نحوي المساعد الطبي وأحد المعلمين حديثي العهد بالمهنة.

كانت (الرتينة) لدينا، وحتى آن قريب واحدة من الضرورات، ويعدّها البعض من رموز الرفاهية الاجتماعية، فمن يستطيع أن يوفر لابنائه رتينة للمذاكرة فذلك ذو جاه، كما كانت تزيّن المتاجر. وأذكر أنه حين كنا نُبعث للمتاجر لاستجلاب أغراض الأسرة مساء، نتسابق للإمساك بحبل المروحة الكرتونية المعلقة في السقف، تخفّف عن صاحب المتجر  سخونة الجو، مضافاً إليها السخانة المنبعثة من الرتينة، بوصفها نسيج مشبع بأَكاسيد الثريوم والسردوم الذي يولّد الضوء الساطع. 

(الرتينة) الاسم معرّب عن المفردة (Retina)، مثل العديد من المفردات الأجنبية التي أصبحت جزءاً من قاموسنا اليومي، وهي تعني الشبكة، أو قميص الغاز لدى البعض. وكانت مصابيح الغاز قد استخدمت في شوارع المدن قبل دخول الكهرباء لدينا، وفي شوارع أوروبا وأمريكا حتى أواخر القرن التاسع عشر، ولا زالت مستخدمة في بعض الأرياف البعيدة، التي لم تغزوها موجات التحضُّر.

كنا في رحلتنا تلك نستهل خطوات جادة لتنمية تلك المناطق لولا أن يد السياسة على استعداد دائم لهدم كل ما يبنيه المدنيون. وفي ظني أن تلك التجربة كانت جديرة بالتطوير والنقل إلى مناطق أخرى. فالريف في كل مكان إلا عندنا يُحظى بمكانة عالية لا تضاهيها مكانة المدن، لأنه المنبت والجذع الأصيل. ولذا نجد أن الريف يحتل في قلوب الأوربيين وبعض العرب، والأفارقة مكانة عظمى، حيث التجسيد الأعظم للقيم والأخلاق والمُثُل. وصدق من قال”إن الريف هو حافظ هويات الأوطان قبل المدن”. 

ولعل الكثير من السودانيين قد خبروا بعد اندلاع الحرب المعني الحقيقي للريف، وبساطة الحياة البعيدة عن التعقيد، نظراً لبساطة الأعمال تُمارس، والأهداف البسيطة التي يعمل الريفيون لتحقيقها، بجانب قوة الضبط الاجتماعي غير الرسمي، والقواعد السلوكية القويمة، والتعايش السلمي مع البيئة، حتى بعد أن طالت يد الإفساد كل شيء. ومثلما أن السياسيين لدينا لم يهتموا بالريف بما يكفي لتطويره وتنميته وحمايته، لم يهتم المؤرخون بالأرياف، ولم يخصوها بالوصف والتوثيق كما فعلوا مع الحواضر الكبرى، حتى أن (الرتينة) باتت من المفردات الغريبة حين ترد في الأدبيات. إذ كان السؤال الغير مطروح يحوّم في الفضاءات حين يقول القامة القدال عن (كلام الرتينة بت سالم ولد عتمان في حنّة على الشاشوق).

بنية بنية لي سالم ولد عتمان

صلاة الزين وسموها الرتينة

أمها بت على الخمجان

خريف الرازة عزينة

كبار  الحلة  أباتا 

وبكار  الحلة  أماتا

وبتمرق زينة.. تبرق زينة ..

تمشي تهاتي  وزينة 

و بلا الربعة  التحجِّل 

شاكية من شبكة كتافا

وفوق الجيد على  ضهر البوادي  تغني  

مي خاتية الزرافة 

… و….

قارية وكاتبة تحمد سيدا

ماخدة على البنيات الشرافة

ذات الكلمات التي وظفناها في العمل المسرحي في ختام تلك الأيام الفريدة، وغنتها صاحبة الصوت التي رددت يومها أغنية المبدع صديق عباس (اللالاية). وقد تلألأ جبين القرية تلك الليلة و(العم سيد) يقود مجموعته على المسرح يتناقشون (باللغة المحلية) ما تدارسناه بالقاعة، وهم يصنعون المركب الذي سيصل بهم إلى بر التنمية إستلهاماً لقصة سيدنا نوح، ويحملون على ظهر المركب مفردات (الرتينة) إشارة للضوء، و(القلم) إشارة للتعليم، و(المقشاشة) في إشارة لإصحاح البيئة، وأدوات وإشارت أخرى، تستصطحبهم إلى البر الثاني.

وللمفارقة كان هناك ربع ساعة فارق زمن بين بروفة العرض الأخيرة والعرض الحي، فقد تداخل الحضور مبرزين رؤاهم حول رمزية المركب ومفهوم التنمية، حتى أن أحد كبار السن صعد المسرح كاسراً الحاجز الرابع ليشارك في العرض. 

يومها أيقنت أننا في حاجة حقيقية للعمل بأسلوب عراب التنمية الريفية (روبرت شامبرز) وأستاذه صاحب تعليم المقهورين (باولو فرايري)، ومنهج البحث السريع بالمشاركة (PRA)، والذي تطور فيما بعد ليصبح التعلم بالمشاركة واتخاذ القرار(PLA). مثلما أننا في حاجة للعمل القاعدي وتطوير الريف، والذي لا يعني محاكاة حياة المدن، بل تحسين نوعية الحياة والرفاهية الاقتصادية لسكان المناطق الريفية عبر توفير البنية التحتية، والاهتمام بالموراد الطبيعية التي يغلب وجودها في الريف.

ونلتقي في حكاية جديد من بيئتي

Exit mobile version