الرباعية.. هل ما زالت تمثل طوق نجاة للازمة السودانية؟

الهادي الشواف

مدخل:

         تعتبر مبادرة الرباعية المطروحة من قبل (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) على طاولة طرفي الحرب في السودان، من أهم المبادرات التي طرحت منذ اشتعال حرب الخامس عشر من ابريل، بسبب ثقل أطراف المبادرة السياسي والاقتصادي، ونسبة للترحيب الواسع الذي قبلت به المبادرة داخلياً وخارجياً، وهذا ما جعل فرص نجاحها تبدو واعدة لكنها محفوفة ببعض التحديات والتعقيدات، في هذه المساهمة نحاول أن نلقي نظرة فاحصة على التحديات وفرص النجاح والعوامل المؤثرة في المبادرة، من خلال مواقف أطراف الأزمة الاساسيين، ونطرح سؤال مهم جداً وهو هل الرباعية ما زالت تمثل طوق نجاة لحل الازمة السودانية؟.

*موقف القوات المسلحة من الرباعية:*

         يتسم موقف القوات المسلحة السودانية من مبادرة الرباعية بإزدواجية واضحة، فما بين القبول العلني والترحيب بالمبادرة الرباعية، وما بين التحشيد والتصعيد تكمن المعطلة الاساسية والازدواجية في الموقف، فالجيش لم يرفض رسميًا مبادرة الرباعية، بل أبدى انفتاحًا على التفاوض غير المباشر، خاصة في ما يتعلق بالهدنة الإنسانية، وهو ما يفسر كاستعداد مبدئي للانخراط في العملية السلمية، وفي المقابل، تشير تقارير إلى أن الجيش يواصل تعزيز مواقعه ميدانيًا، ما يعكس استعدادًا لمعارك طويلة الأمد، ويضعف الثقة في نواياه، مما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بالمسار السلمي والحل السياسي، ومن أهم دوافع الجيش وراء هذا الموقف المزدوج، محاولة كسب الوقت كتكتيك ظل يراهن علية منذ فترة طويلة، لذا قد يسعى إلى استخدام المبادرة كغطاء دبلوماسي لكسب الوقت وإعادة التموضع ميدانيًا، والقبول الظاهري بالمبادرة لكي يخفف من الضغوط الدولية عليه، دون تقديم تنازلات حقيقية وفعلية، مع الرهان على غياب ضغوط دولية ومحلية قوية والانقسام المدني، فغياب ضغوط جدية ووجود آليات ضغط فعالة من قبل دول الرباعية، مع عدم وجود جبهة مدنية داخلية موحدة يمنح الجيش هامش مناورة سياسية كبرى، ويجعله يركس على استراتيجية مزدوجة لكسب الوقت، خطاب دبلوماسي منفتح وسلوك ميداني تصعيدي.

*موقف قوات الدعم السريع من الرباعية:* 

           نلاحظ أن قوات الدعم السريع أبدت انفتاحًا تجاه مبادرة الرباعية لإيقاف الحرب، وقد ظل موقف قوات الدعم السريع من المبادرات ثابت من حيث المواقف المعلنة، حيث ظلت منذ بداية الحرب ترحب بأي مبادرة لإيقاف الحرب دون مواربة أو مناورة، وقد أعلنت موافقتها على الهدنة الانسانية عبر بيان مبذول في الوسائط، ولكن رغم هذا الانفتاح وبشكل موازي تستمر في التصعيد العسكري، مما يعكس موقفًا براغماتيًا يهدف إلى تحسين شروط ووضعها التفاوضي، مما يتناقض مع روح المبادرة التي تدعو إلى هدنة إنسانية، ومن أبرز دوافع قوات الدعم السريع وراء هذا الموقف، تحسين شروط التفاوض كما ذكرنا سابقا، فالتصعيد العسكري يمنح الدعم السريع أوراق ضغط في أي مفاوضات مستقبلية، خاصة إذا تمكنت من السيطرة على مواقع جديدة، وكذلك محاولة كسب شرعية دولية، فالانخراط في المبادرة يمنحها صورة “الطرف المنفتح على السلام وايقاف القتال”، مما قد يستخدم لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي.

*موقف القوى المدنية من الرباعية:*

         القوى المدنية السودانية ترحب بمبادرة الرباعية بشكل عام، لكنها منقسمة حول تفاصيلها، ما بين من يراها فرصة لإنهاء الحرب ومن يعتبرها وصاية دولية على القرار الوطني، فنجد أن غالبية القوى المدنية رحبت بالمبادرة، واعتبرتها فرصة حقيقية لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، وطالبت بـتركيز فوري على وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، ومعالجة الأزمة الإنسانية، خاصة في مناطق النزوح مثل دارفور وكردفان، ونجد بعض القوى المدنية رغم موقفها مع ايقاف الحرب، الا انها تشكك في نوايا الرباعية وتعتبرها محاولة لإعادة إنتاج تحالفات إقليمية على حساب الإرادة الشعبية، هناك من يرى أن المبادرة تمثل وصاية دولية، وتفتقر إلى آليات تضمن مشاركة حقيقية للقوى المدنية في صياغة الحل السياسي.

          ودوافع الترحيب بالرباعية نابعة من إدراك حجم الكارثة الإنسانية، والرغبة في إنهاء الحرب بأي وسيلة ممكنة، والتحفظ يرتبط بتجارب سابقة مع المبادرات الدولية التي لم تؤدِ إلى نتائج ملموسة، بل عززت من نفوذ الأطراف العسكرية، من خلال تقسيم السلطة والثروة بين الاطراف المتنازعة، ومن أهم التحديات أمام القوى المدنية، غياب جبهة مدنية موحدة، والانقسامات الحزبية والجهوية تضعف قدرة القوى المدنية على التأثير في مسار المبادرة، وضعف التنسيق مع المجتمع الدولي، فرغم الترحيب، لم تنجح القوى المدنية في تقديم رؤية موحدة للمسار السياسي المقترح، بالإضافة إلى محدودية النفوذ الميداني، فالقوى المدنية لا تملك أدوات ضغط على الأطراف العسكرية، ما يجعلها رهينة للتوازنات الإقليمية والدولية.

           خلاصة القول هو أن موقف القوى المدنية من مبادرة الرباعية يتراوح بين الترحيب الحذر والتحفظ المبدئي، ولكي تسهم في انجاح المبادرة الرباعية، يتطلب منها توحيد الصف المدني خلف رؤية سياسية واضحة، والتوافق على مشروع مدني يؤسس لمرحلة ما بعد ايقاف الحرب، بالاستفادة من التجارب السابقة، لضمان مشاركة مدنية حقيقية في صياغة خارطة الطريق، مع وجود ضغط دولي متوازن يمنح القوى المدنية دورًا فاعلًا في المرحلة الانتقالية.

*المجتمع الدولي في سياق المبادرة الرباعية:*

           المجتمع الدولي يلعب دورًا حاسمًا في دعم مبادرة الرباعية لحل أزمة السودان، لكنه حتى الآن يفتقر إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض، مع عدم استخدام ادوات ضغط قوية ضد طرفي الحرب، مما يضعف تأثيره الفعلي في وقف الحرب، وبنظر إلى الأطراف الدولية الفاعلة في حل النزاع في السودان، نجدها تتكون من مكونات ذات ثقل ووزن دولي واقليمي، وتتمثل نقاط القوة في تأثير الدور الدولي، في إطلاق المبادرة الرباعية نفسها، باعتبارها تمثل تحولًا مهمًا من ردود الفعل إلى محاولة صياغة حل سياسي شامل، والربط بين البعد الإنساني والسياسي، فنجد ان المبادرة لا تقتصر على وقف إطلاق النار فحسب، بل تشمل خارطة طريق مرسومة للوصول الى حل دائم للنزاع، مع إدراك مخاطر النزاع على وحدة السودان ودول الجوار والإقليم، فالمجتمع الدولي بات يدرك أن استمرار الحرب يهدد أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مما يعزز دوافعه للتدخل المباشر والفوري. 

        وتتمثل أهم نقاط الضعف والتحديات، في غياب خطوات عملية ملموسة رغم البيانات الداعمة، الا انه لم تظهر حتى الآن آليات ضغط فعالة مع تردد واضح في فرض ضغوط جدية على طرفي النزاع، فالمجتمع الدولي لم يستخدم أدوات ضغط فعالة، مثل العقوبات أو الحظر العسكري أو حتى التدخل المباشر على الارض للفصل بين القوات وفرض ايقاف اطلاق النار واجبار الأطراف على الالتزام، ومن ابرز نقاط الضعف الانقسام في المواقف الدولية، فبعض القوى الدولية تتعامل مع الأزمة من منطلق مصالحها الإقليمية، مما يضعف التنسيق ويؤثر على حيادية المبادرة.

          فالمطلوب من المجتمع الدولي وبشكل عاجل هو الانتقال من البيانات والمبادرات إلى الأفعال، عبر إرسال فرق المراقبة، ومعالجة الكارثة الانسانية بتكثيف سبل التدخل الانساني بكافة النواحي، وتفعيل آليات المحاسبة والردع، اضف إلى ذلك دعم القوى المدنية عبر تمكينها سياسيًا وماديًا لتكون طرفًا فاعلًا في العملية السياسية المفضية إلى تحول مدني كامل وتداول سلمي للسلطة، والاهم من هذا وذاك العمل بشكل جاد وفوري على فرض ضغوط متوازنة على الجيش والدعم السريع، لضمان وقف القتال وتنفيذ خارطة الطريق المطروحة.

*فرص النجاح:*

         ابرز نقاط القوة التي تعزز فرص النجاح، تتمثل في وجود دعم دولي على مستوى عالي، حيث اكد وزراء خارجية الرباعية استعدادهم لبذل جهود دبلوماسية وضغوط سياسية لضمان تنفيذ الهدنة، إدراك المجتمع الدولي لحجم الكارثة، حين وصفها بأنها “الأسوأ عالميًا”، ما يعزز دوافع التدخل الإنساني.

         ومن أهم شروط نجاح الهدنة، إجبار الأطراف العسكرية على الالتزام عبر ضغوط دولية متوازنة تشمل العقوبات أو الحوافز، ونشر مراقبين دوليين محايدين في مناطق النزاع لضمان وقف إطلاق النار فعليًا، تمكين القوى المدنية من لعب دور رقابي وسياسي في تنفيذ خارطة الطريق، وربط الهدنة بمسار عدالة انتقالية يضمن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

           فمن المؤشرات الإيجابية التي تعزز فرص نجاح الرباعية، انطلاق مشاورات غير مباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بوساطة منفصلة من دول الرباعية، مما يعد اختراقًا دبلوماسيًا مهمًا، وكذلك وجود اهتمام ودعم من الادارة الامريكية على مستوى رفيع، هذا يعكس الجدية في الدفع نحو حل سياسي شامل، على الاقل من وجهة نظر الرباعية، بالإضافة إلى تحديد خارطة طريق واضحة المعالم، احتوت على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها عملية سياسية تمتد تسعة أشهر، مما يمنح المبادرة إطارًا زمنيًا واقعيًا، لهذا يمكن التأويل على المبادرة باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السودانية على اسس جديدة بالاستفادة من التجارب السابقة، خاصة إذا ما تم التوافق بين القوى السودانية الفاعلة على مشروع وطني معبر عن الجميع، بعد عزل القوى المعرقلة للسلام قانونيًا.

*خاتمة:*

          خلاصة القول هو ان مبادرة الرباعية ما زالت تمثل طوق نجاة لحل الازمة السودانية، في ظل انسداد الافق وغياب أي مبادرات أخرى جادة ومتوافق عليها، في هذه الحالة الرباعية تمثل فرصة حقيقية لكنها هشة فنجاحها يتطلب، تحول في نوايا الأطراف العسكرية وقناعتهما بان لا حل عسكري للنزاع، وان السبيل الوحيد هو الجلوس للتفاوض وفتح الطريق امام التحول المدني الديمقراطي، مع وجود إرادة سياسية قوية لدي الاطراف المتنازعة وابعاد المجموعات المعرقلة لأيقاف الحرب، بالإضافة إلى ذلك لعب دور دولي أكثر فاعلية، عبر تكثيف ضغوط فعالة على طرفي الحرب، مع وجود ضغط شعبي ومدني منظم لدعم المسار السياسي السلمي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى