أفق جديد
بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب، ما زال الجوع يفتك بالملايين، والقتال المتواصل أجبر آلاف المزارعين على ترك أراضيهم، ودُمِّرت البنية التحتية الزراعية، ما تسبب في انهيار الإنتاج الغذائي المحلي.
الشيء الذي فاقم الأوضاع قتامةً هو انفجار الأسعار ونقص التمويل الدولي، ما يجعل الاستجابة الإنسانية غير كافية مقارنة بحجم الاحتياجات، ويترك تأثيرًا حادًا على الأطفال والنساء، مع معدلات سوء تغذية مرتفعة ووضع صحي هش للغاية، مما يزيد من مخاطر الوفاة والمرض.
وفي بعض المناطق استُخدم الحصار والمجاعة كأداة حرب، مما منع وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين.
وأفاد شهود عيان لـ”أفق جديد” أن مدن الأبيض وكوستي وربك وسنار والمناقل شهدت تدافعًا كبيرًا من المواطنين أثناء توزيع سلة الغذاء الشهرية التي تقدمها المنظمات الإنسانية.
وحسب الشهود، فإن المواطنين يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة التعقيد، في واقع يعكس حجم المعاناة التي يعيشها الناس بسبب ظروف الحرب في البلاد.
ويقول المواطن أنس الهادي لـ”أفق جديد”: “فرص العمل غير متوفرة، والوضع المعيشي سيئ للغاية، لذلك نقف في طوابير طويلة لاستلام السلة الغذائية التي تحتوي على الدقيق والأرز والسكر والزيت والصلصة ولبن البودرة”.
وأضاف: “التدافع وسط النساء والأطفال وكبار السن أمر مخجل، لكن الخيارات معدومة، لأن صغارنا يحتاجون إلى الطعام. أتمنى وقف الحرب لنعيش حياة كريمة”.
من جهته يقول المواطن عبد الباقي الطريفي لـ”أفق جديد”: “مناطق زراعية رئيسية مثل ولاية الجزيرة، كانت تُعد سلة غذاء السودان، تعرضت للمعارك والسيطرة، مما أثر بشكل مباشر على توفر الغذاء”.
وأضاف: “اضطر السكان إلى بيع ممتلكاتهم لتغطية احتياجاتهم الأساسية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الغذاء”.
لافتًا إلى أن “الملايين نازحون داخل البلاد أو عبر الحدود، مما وضع ضغطًا إضافيًا على الموارد المحدودة وأدى إلى تدهور ظروف المعيشة”.
وبعد مرور أكثر من ألف يوم على الصراع الوحشي، يواجه أكثر من 21 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد في السودان. وقد تم تأكيد وقوع مجاعة في أجزاء من البلاد، حيث حالت أشهر من القتال دون وصول عمال الإغاثة إلى المحتاجين، واضطر ما يقرب من 12 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم. واليوم، يعاني 3.7 ملايين طفل وأم حامل ومرضعة من سوء التغذية.
وذكر برنامج الأغذية العالمي في بيان أنه وصل إلى أكثر من 10 ملايين من النساء والرجال والأطفال الأكثر ضعفًا في السودان منذ اندلاع الصراع، وقدم لهم مساعدات غذائية ونقدية وتغذوية طارئة.
وأوضح البرنامج أن فرقه موجودة في السودان، وأنه يملك القدرة على توسيع نطاق عملياته وإنقاذ مزيد من الأرواح، إلا أن التمويل لا يزال يمثل تحديًا، وهناك حاجة ماسة إلى 700 مليون دولار لمواصلة العمليات حتى شهر يونيو.
وخلال الأشهر الستة الماضية، قدم برنامج الأغذية العالمي مساعدات منتظمة لما يقرب من 1.8 مليون شخص في مناطق المجاعة أو المناطق المهددة بها، مما ساهم في الحد من الجوع في تسعة مواقع.
وشملت الإنجازات الأخيرة وصول قافلة مشتركة للأمم المتحدة إلى كادوقلي في أكتوبر، وهي إحدى المناطق التي انقطعت فيها المساعدات عن العائلات لعدة أشهر.
وقال روس سميث، مدير التأهب والاستجابة للطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، إن “هذه المكاسب التي تحققت بشق الأنفس باتت مهددة بالضياع”، حيث اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى خفض الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى.
وأضاف: “ألف يوم من الصراع هي أيام كثيرة جدًا. فكل يوم يستمر فيه القتال، تغرق العائلات أكثر في براثن الجوع، وتُدفع المجتمعات إلى حافة الهاوية. يمكننا تغيير الوضع ومنع انتشار المجاعة، ولكن فقط إذا توفر لنا التمويل اللازم لدعم هذه العائلات الأكثر ضعفًا”.
وفي كلمته أمام الجمعية العامة الخميس الماضي، جدد الأمين العام دعوته للأطراف إلى الاتفاق على وقف فوري للأعمال العدائية واستئناف المحادثات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية شاملة ومملوكة للسودانيين، مؤكدًا ضرورة حماية المدنيين.
ولم تنجح الجهود الدبلوماسية للرباعية الدولية بشأن السودان، المؤلفة من الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، حتى الآن في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين.
واستضافت القاهرة الأربعاء الماضي اجتماعًا رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ودولًا أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق الكثير من التقدم.
وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المدعوم من الأمم المتحدة، قد أكد نهاية العام الماضي انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.
وحذر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومترًا شمال كادقلي، وكلاهما محاصرتان من قبل قوات الدعم السريع)، يواجهون ظروفًا تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.
ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، يعاني 21 مليونًا في أنحاء السودان الجوع الشديد.
وخلال زيارته لمدينة دنقلا الخميس الماضي، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، إن العديد من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين أن النساء لديهن وصول محدود إلى خدمات الدعم.
ودعا إلى بذل جهد شامل من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي لتمكين توصيل المساعدات الإنسانية الحيوية.
وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، نصفهم من الأطفال.
وقالت المنظمة في بيان إن المساعدات المقدمة تعمل “على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية”.
وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوبي السودان مع توسع قوات الدعم السريع عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.
وتوالت الشهادات عن نقص حاد في المواد الغذائية في دارفور، ولجوء المدنيين إلى جلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق الكثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.
وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم الأسبوع الماضي دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر منذ بدء حصار قوات الدعم السريع لها قبل أكثر من 18 شهرًا، نظمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
وبينما يعيش أكثر من 14 مليونًا في مرحلة الأزمة الغذائية، دخل 6.3 ملايين شخص مرحلة الخطر الغذائي الطارئ، التي تتطلب تدخلًا فوريًا.