من الطفيلية كنشاط… إلى الطفيلية كطبقة حاكمة

قراءة مرجعية موسّعة في تحوّل بنية الاقتصاد السوداني

   عمر سيد احمد
O.sidahmed09@gmail.com                

.2026 يناير   

لم يكن تعريف الراحل محمد إبراهيم نقد لما أسماه «النشاط الطفيلي» تعريفًا أخلاقيًا أو خطابيًا، بل توصيفًا اقتصاديًا–اجتماعيًا دقيقًا لنمط يعيش على الفائض الاقتصادي دون أن يسهم في إنتاجه أو تجديده، ويعطّل دورة الإنتاج والتوزيع بدل أن يكمّلها. فالطفيلية، وفق هذا التعريف، ليست انحرافًا فرديًا ولا فسادًا أخلاقيًا، بل علاقة اقتصادية مختلّة تفصل بين التملك والإنتاج، وتعيد توجيه الفائض خارج الدورة الطبيعية للاقتصاد 

للاطلاع على الصياغة الأصلية لتعريف محمد إبراهيم نقد للنشاط الطفيلي، يُنظر الملحق المرجعي في نهاية المقال

غير أن هذا التعريف، على دقته في سياق منتصف الثمانينيات، لم يكن يتنبأ بحجم التحوّل البنيوي العميق الذي سيشهده الاقتصاد السوداني لاحقًا، حين انتقلت الطفيلية من كونها نشاطًا داخل الاقتصاد إلى منطق حاكم له، ثم إلى طبقة اجتماعية كاملة أعادت تشكيل الدولة نفسها.

الطفيلية قبل 1989: نشاط هامشي داخل اقتصاد مختل

في فترة ما قبل انقلاب 1989، ورغم حضور النشاط الطفيلي بأشكاله المختلفة—المضاربة بالعملة، التهريب، السمسرة، استغلال النفوذ—ظل هذا النشاط محدود الحجم نسبيًا، ويمكن عزله داخل قطاعات بعينها. لم يكن الاقتصاد السوداني آنذاك اقتصادًا طفيليًا في بنيته الكلية، بل اقتصادًا مختلًا تتخلله جيوب طفيلية نشأت في فراغات السياسات وضعف الرقابة، لا في صميم منطق الدولة.

كان بالإمكان، نظريًا، محاصرة هذه الأنشطة بأدوات السياسة المالية والنقدية والتشريعية، لأن الدولة نفسها لم تكن قد أُعيد تشكيلها بعد لخدمة الطفيلية.

التحوّل الجذري: حين أصبحت الطفيلية منطق الدولة

مع قيام نظام الإنقاذ، حدث التحوّل الحاسم. لم تعد الطفيلية نشاطًا على هامش الاقتصاد، بل تحوّلت إلى منطق إدارة الدولة نفسه. جرى تفكيك مؤسسات القطاع العام لا بدافع الإصلاح أو الكفاءة، بل لإعادة توزيعها كغنائم سياسية داخل شبكة تنظيمية مغلقة.

تحولت المصارف إلى أدوات لتمويل الأنشطة غير المنتجة، والجمارك إلى بوابات للتهريب المنظّم، والضرائب إلى آلية انتقائية تُعفي الموالين وتُثقل المنتجين، بينما جرى تسخير الصادر والوارد، ثم البترول لاحقًا، لإعادة إنتاج الثروة داخل دائرة ضيقة من المنتفعين.

هنا لم تعد الطفيلية انحرافًا داخل النظام، بل أصبحت النظام ذاته.

الاقتصاد الريعي: الجذر التاريخي العميق للطفيلية

لم تنشأ الطفيلية في السودان من فراغ، بل وجدت أساسها المادي في منهج اقتصاد ريعي ظل سائدًا منذ ما قبل الاستقلال. فقد بُني الاقتصاد السوداني تاريخيًا على إنتاج سلع أولية للتصدير في صورتها الخام—القطن، والحبوب الزيتية، والصمغ العربي، والثروة الحيوانية—دون بناء سلاسل قيمة أو قاعدة تصنيع وطنية.

ومع دخول السودان مرحلة البترول في أواخر التسعينيات، لم يحدث كسر لهذا النمط، بل تعمّق. تحوّلت عائدات النفط إلى ريع مباشر للدولة، استُخدم في الإنفاق السياسي والأمني، لا في إعادة هيكلة الاقتصاد أو تنويعه. وحين وقع انفصال الجنوب وذهب معه الجزء الأكبر من الإنتاج النفطي، لم تُستخلص الدروس البنيوية، بل جرى البحث عن ريع بديل بالمنطق نفسه.

وهكذا دخل السودان لاحقًا عصر الذهب، بوصفه الريع الأسرع والأقل خضوعًا للرقابة، حيث استُخرج في معظمه خارج الأطر المؤسسية، وتحوّل إلى قناة رئيسية للاقتصاد الموازي، ومصدر تمويل مباشر للطبقة الطفيلية والتحالفات المسلحة. لم يكن الذهب خروجًا عن المنهج الريعي، بل استمراره في صورته الأكثر فوضوية.

تفكيك الصناعات التحويلية: سياسة مقصودة لا فشلًا عارضًا

بلغ هذا المسار ذروته خلال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ، حيث لم يقتصر الأمر على الاعتماد على الموارد الأولية، بل جرى تفكيك ممنهج للصناعات التحويلية الوطنية. أُضعفت صناعات النسيج والزيوت والأحذية والصناعات الغذائية عبر الخصخصة غير الشفافة، والإغراق بالواردات، وحرمانها من التمويل والطاقة والحماية الجمركية.

في المقابل، جرى الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد لتغطية الطلب المحلي، حتى في السلع التي كان السودان ينتجها تاريخيًا بكفاءة. ولم يكن ذلك خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا، بل إعادة توجيه واعية للاقتصاد نحو ريع الاستيراد والسمسرة والعمولات—وهي المجالات التي شكّلت القاعدة الاجتماعية للطبقة الطفيلية.

الريع والأنظمة الشمولية: تحالف بنيوي طويل الأمد

ليس من قبيل الصدفة أن يقترن ترسّخ الاقتصاد الريعي بسيطرة الأنظمة الشمولية على الحكم. فمنذ الاستقلال عام 1956 وحتى اليوم، لم تتجاوز فترات الحكم المدني الديمقراطي مجتمعةً نحو أحد عشر عامًا، مقابل ما يقارب سبعةً وخمسين عامًا من الحكم العسكري أو العسكري–المدني.

 

هذه العلاقة ليست زمنية فحسب، بل بنيوية. فالاقتصاد الريعي يوفّر للسلطة الشمولية موردًا سريعًا ومركزيًا لا يحتاج إلى عقد اجتماعي قائم على الضرائب والمساءلة، بينما توفّر الدولة الشمولية الحماية السياسية والأمنية اللازمة لاحتكار الريع. هكذا يصبح الريع أداة لإضعاف المجتمع وشراء الولاءات، وتغدو الديمقراطية عائقًا أمام منطق الاقتصاد الريعي.

 

الاقتصاد الموازي: البنية التشغيلية للطبقة الطفيلية

في هذا السياق، تمدّد الاقتصاد الموازي لا بوصفه نتيجة ضعف الدولة، بل بوصفه الخيار الطبيعي للطبقة الطفيلية الحاكمة. فكلما أُفرغت المؤسسات الرسمية من مضمونها، انتقل النشاط الاقتصادي الحقيقي خارجها

تشكل اقتصاد واسع يقوم على التداول النقدي خارج الجهاز المصرفي، والتهريب المنظّم، وتجارة الذهب والعملات، وتفريغ الصادر من عائداته، وتوظيف الحرب نفسها كفرصة اقتصادية. لم يعد هذا الاقتصاد هامشًا، بل أصبح القاعدة الفعلية التي تُدار عبرها الثروة والسلطة معًا

وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الموازي في السودان يشكّل ما بين 85–90% من مجمل النشاط الاقتصادي الفعلي، وتعمل داخله وتديره الطبقة الطفيلية من الأفراد والمجموعات التي فرختها عقود الإنقاذ الفاسدة. ولا يقتصر هذا النشاط على فاعلين أفراد، بل تتسيّد الأجهزة والمنظومات العسكرية الرسمية، إلى جانب المليشيات، الجزء الأكبر من هذا الاقتصاد، خاصة عبر هيمنتها على إنتاج الذهب وتهريبه، سواء عبر المطارات بصورة رسمية أو عبر الحدود البرية. ويُقدَّر أن ما يقارب 95% من الكتلة النقدية المتداولة توجد خارج النظام المصرفي، وهو ما يؤكّد أن الاقتصاد الموازي لم يعد قطاعًا هامشيًا، بل أصبح المكوّن المهيمن على الاقتصاد السوداني ككل، ومحددًا رئيسيًا لعلاقات السلطة والثروة فيه.

الطفيلية كطبقة حاكمة مكتملة

بذلك، لم تعد الطفيلية مجرد مضارب أو سمسار أو فاسد، بل أصبحت طبقة اجتماعية كاملة تضم عسكريين ومدنيين، رسميين وغير رسميين، تدير الدولة بوصفها شركة خاصة، وتعيد إنتاج الفقر والندرة والعنف بوصفها شروط بقائها.

هذه الطبقة لا يمكن إصلاحها بأدوات مكافحة الفساد التقليدية، لأنها ليست استثناءً داخل الدولة، بل هي الدولة بعد أن أُعيد تشكيلها على مقاسها.

إعادة تعريف الصراع الاقتصادي

من هنا، فإن استدعاء تعريف محمد إبراهيم نقد اليوم لا ينبغي أن يكون حنينًا فكريًا، بل مدخلًا لإعادة تعريف الصراع الاجتماعي في السودان. فالصراع ليس ضد «الفساد» بوصفه انحرافًا، بل ضد اقتصاد طفيلي حاكم لا يعيش إلا على خراب الدولة والمجتمع معًا.

 

وأي مشروع للتعافي الاقتصادي أو إعادة الإعمار، يتجاهل هذا الواقع البنيوي، سيظل محكومًا بالفشل، لأنه يعالج الأعراض لا المرض.

 

ملحق مرجعي 

محمد إبراهيم نقد – «حول الميزانية»

مداخلة في الجمعية التأسيسية – ديسمبر 1986

من هم الطفيليون؟

قبل أن أنتقل للحديث عن الميزانية تفصيلًا، طُرح في هذه الجمعية سؤال: من هم الطفيليون؟ والميزانية في كثير من سياساتها وخطواتها تتحدث عن الحد من النشاط الطفيلي. أعتقد أننا نتفق حول التعريف اللغوي. فأي كائن حي يوصف بالطفيلية عندما يلتصق بكائن حي آخر ويبتدئ يمتص ما يمتصه لذاته ولا يتبادل معه منفعة. وهذا الكائن يصبح ما يمتصه لذاته، ولا يعطي البيئة التي حوله ما يساعد في تطور أو تنمية دورة الحياة فيها

في الاقتصاد، النشاط الطفيلي يعيش على الفائض الاقتصادي دون أن يسهم في إنتاجه أو تجديده أو تعميره أو في الخدمات الضرورية التي تساعد على اكتمال دورة الإنتاج والتوزيع

في الواقع السوداني، يمكن تقديم بعض النماذج. فالمضاربة والمتاجرة بالعملة كانت وما زالت شكلًا من أشكال النشاط الطفيلي. والتهريب وتجارة الشنطة أشكال أخرى. وبيع الرخص المصدق بها من وزارة التجارة، أو بيع كوتات المواد التموينية بالاشتراك بين البيروقراطية وبين الطفيليين الموجودين في السوق، وتخزين العيش والفحم وتجفيف السوق من السلع وافتعال الندرة ورفع الأسعار ومضاعفة الأرباح—هذا نشاط طفيلي موّلته بنوك، وبهذه الصفة يمكن وصفها بأنها بنوك لتمويل النشاط الطفيلي

وهناك من نالوا تسهيلات من المصارف للإنتاج الزراعي أو الصناعي، ثم حُوّلت هذه التسهيلات إلى عقارات أو تجارة أو إلى الخارج. وهذا شكل من أشكال النشاط الطفيلي

نموذج آخر هو استغلال المنصب الرسمي أو السياسي للاستحواذ على الأراضي السكنية، أو لتحويل الأراضي الزراعية إلى أراضي سكنية في مناطق السكن الفاخر، والمضاربة فيها. وكل ذلك لم يضف جديدًا للإنتاج أو للاقتصاد

كذلك استغلال أوجه الإحسان وعمل الخير، كبناء جامع أو مدرسة، حيث تُتحصل مواد بناء تفوق الحاجة وتُحوّل إلى عمارات وقصور فاخرة أو تُباع في السوق الأسود. وهذا نشاط طفيلي

موظف دولة محدود الدخل، في الخدمة المدنية أو القوات النظامية، تجد لديه فجأة منزلًا متعدد الطوابق. أو سياسي لم يُعرف عنه أنه مستثمر أو وارث، فتجده يمتلك آلاف الأسهم في بنوك أو شركات. ولا بد من السؤال: من أين له هذا؟ وهو بالضرورة نشاط طفيلي

الحائزون على عمولات الصفقات والاتفاقات التجارية والاقتصادية التي تعقدها الدولة… ولا نحتاج للحديث عن من باعوا بواخر البترول في عرض البحر. هذا كله نشاط طفيلي. وإذا لم يُجتث من جذوره، فسيظهر دائمًا بأشكال جديدة                                                                      مصادر وإحالات

محمد إبراهيم نقد، حول الميزانية، مداخلة في الجمعية التأسيسية، ديسمبر 1986

 

Exit mobile version