أفق جديد
عادت غابة السنط إلى الواجهة مجددا بعد أن انتشرت مقاطع فديو على مواقع التواصل الاجتماعي توضح ما الت اليه الغابة بعد أن صارت إلى أرض جرداء.
ومنذ منتصف أبريل 2023، شهدت غابة “السنط” بالعاصمة الخرطوم، أعمال قطع جائر ما يؤثر سلبًا على استقرار المناخ وعواقب بيئية خطيرة على سكان العاصمة القومية من ضيق في الموارد البيئية والهوائية.
واليوم الاثنين، قررت لجنة أمن محلية الخرطوم حجز جميع الشاحنات والمركبات التي تحمل حطبًا أو قطعًا من الأشجار دون مستندات أو تصاريح.
وأكدت اللجنة أن الهدف من هذه الإجراءات هو حماية الثروات الغابية والغطاء الشجري بعد القطع الجائر الذي تعرضت له غابة السنط.
كما وجهت اللجنة باحكام التنسيق مع جهات الاختصاص لضبط المخالفات وفقًا لقانون الغابات، بحسب إعلام ولاية الخرطوم.
وتفقد رئيس الوزراء كامل إدريس الأحد غابة السنط ووجه وزارة الزراعة والغابات وولاية الخرطوم بوضع برنامج عمل عاجل لإعادة زراعة أشجار غابة السنط بالخرطوم بعد أن تعرضت إلى قطع جائر لأشجارها خلال فترة الحرب.
تُعَدُّ غابة “السنط” بالمقرن من أعرق المساحات الخضراء الطبيعية في الخرطوم؛ فهي واقعة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض قرب ملتقى النيلين، وهي غابة مركزية محجوزة مساحتها 34.482 فدان موزعة علي النحو الآتي: مساحة المرابيع المزروعة حوالي 25 مربوعا = 45.453 فدانا – الطرق والشوارع 39.8 فدانا – الحديقة الشجرية والمشتل 50,20 فدانا.
تساهم الغابة في امتصاص الغازات التي تنبعث من المصانع وعوادم السيارات والمنشآت الصناعية الأخرى خاصة وأن ولاية الخرطوم شهدت زيادة سكانية عالية نتيجة للنزوح بسبب الحروب والجفاف والتصحر والصراعات القبلية والهجرة الجماعية من الريف وانهيار الإنتاج الزراعي وتدهور النظم الزراعية والبيئية بالريف وهذا الوضع يتطلب زيادة في عدد المركبات والسيارات والمنشآت الصناعية التي تفرز كميات ضخمة من غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات الأخرى التي تساعد في انتشار ظاهرة الاحتباس الحراري.
وخلال الفترة الماضية أطلقت مبادرة معنية برصد التعديات البيئية وتعزيز وعي المجتمع بقضايا الطبيعة نداء عاجلًا لوقف الاعتداء على غابة السنط – ووقف فوري لأعمال قطع الأشجار والتجريف الجارية في المنطقة.
وطالبت المبادرة بمُساءلة الجهات المسؤولة عن هذا الاعتداء البيئي، وتصعيد التصنيف القانوني للغابة كمحمية محظورة التعدي.
وذكرت المبادرة، أن تدمير الغابة يُعد جريمة في حق البيئة والمُجتمع السوداني، ويفتح الباب أمام كوارث بيئية مستقبلية تُهدد استقرار المناخ المحلي والصحة العامة.
كما نفذت الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية عبر إدارة حماية البيئة التابعة لدائرة التحقيقات الجنائية حملة كبرى في يوليو الماضي لحماية لغابة السنط بالخرطوم من الأنشطة السالبة المتمثلة في الحرق والإتلاف والقطع الجائر الذي تعرضت له الغابة خلال الفترة الماضية.
أعلنت غابة “السنط” كمحمية طبيعية للحياة البرية عام 1939، وقد ورد ذكرها في كل الوثائق والمراجع الدولية، مثل إحصائية الأمم المتحدة للمحميات الطبيعية في العالم عام 1997.
تكتسب الغابة أهمية تعليمية، فقد أنشئت بها مدرسة خبراء الغابات عام 1946 لتدريب كوادر الغابات من الخبراء والملاحظين على تقنيات وإدارة وزراعة الغابات، وهذه المدرسة خرّجت الرعيل الأول من فني الغابات الذين كان لهم الدور العظيم في زراعة الغابات في كل مناطق السودان من جبال وهضاب وأودية وسهول وصحاري.
وقال المتخصص في شؤون البيئة، د. جلال محمد يس، لـ”أفق جديد”، إن “ما تشهده غابة السنط أو غابة جبل باوزر من تعديات وقطع جائر للأشجار يُمثل ناقوس خطر حقيقي، ليس فقط على التنوع البيولوجي المحلي، بل على استقرار البيئة والمناخ في الإقليم بأكمله”.
وأوضح أن أشجار السنط تُعد عنصرًا أساسيًا في النظام البيئي، إذ تساهم في تثبيت التربة، ومنع انجرافها وحماية مجرى نهر النيل الأبيض، كما تُوفر موائل طبيعية لعدد كبير من الكائنات الحية، خاصة الطيور المهاجرة.
ونبه جلال إلى أن القطع العشوائي يُفقد الغابة توازنها الطبيعي، ويُسرّع من وتيرة التغير المناخي المحلي عبر تقليل الغطاء النباتي الذي يمتص الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، ويعمل كمصفاة للملوثات والنفايات الصناعية والكيماوية والزراعية، كما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات الجفاف، الأمر الذي يؤثر سلبًا على صحة الإنسان.
لافتًا إلى أن ما يحدث في غابة السنط لا يمكن النظر إليه كقضية محلية فحسب، بل هو جزء من تحدٍ بيئي عالمي.
وأضاف: “وعليه، فإنني أُهيب بالجهات المعنية بالإسراع في وقف التعديات، وتفعيل منظومة حماية الغابات، ودعم برامج إعادة التأهيل البيئي. كما أدعو إلى تعزيز الشراكات بين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات البحثية والأكاديمية، فهي الشريك الأول في حماية هذا المورد البيئي الحيوي، والحفاظ على غابة السنط هو حفاظ على مستقبلنا البيئي والمناخي”.
وذكر د. طلعت دفع الله في مقال سابق بعنوان “غابة السنط تستغيث .. الصرخة الخضراء من قلب المقرن”، أن غابة السنط مسجلة بالغازيتة رقم 563 بتاريخ 15 يوليو 1932، وقد شهد هذا العام صدور سياسة الغابات لعام 1932 التي صدّق عليها حاكم عام السودان السير ج. ل. مافي (J. L. Maffey) في مجلسه رقم 368 بتاريخ 31 يناير 1932. كذلك صدرت في هذه الفترة قوانين الغابات المركزية والتابعة للمديريات لعام 1932 في 17/6/1932، وقد صدرت هذه التشريعات لإدارة وحماية غابات السودان من المهددات البيئية ومخاطر الاستغلال غير المرشد، ولتأكيد مبدأ استغلال الغابات ضمن حدود القطع المسموح لضمان استدامة خدمات ومنتجات الغابات لرفاهية الجيل الحالي والأجيال القادمة.
وأوضح د. طلعت أن قانون الغابات والموارد الطبيعية المتجددة لعام 2002م يوضح الحقوق والامتيازات القانونية التي تنطبق على هذه الغابة، مثل حق الجمهور في التمتع بمناظر الغابة والسياحة والترفيه دون الإضرار بالأشجار أو قطعها أو التسبب في إضرام النيران بها، خاصة تلك التي قد يتسبب فيها الجمهور أثناء الرحلات الترفيهية، وليست هناك أي حقوق أو امتيازات أخرى لأي جهة غير الهيئة القومية للغابات.
يهتم مجلس الطيور العالمي والإدارة العامة للحياة البرية ومركز بحوث الحياة البرية وكليات الموارد الطبيعية بالجامعات السودانية وجمعية حماية الحياة البرية بدراسة ورصد حركة الطيور المهاجرة والمستوطنة بهذه الغابة نظرًا للأعداد الهائلة من الطيور التي ترتادها.
الغابة جزء من المنظومة النيلية، وتحوي سلالات نادرة من أشجار السنط وبعض الأشجار والشجيرات الأخرى، وتضم حديقة نباتية مرجعية. تحتوي الغابة على تنوع إحيائي من نباتات وحشرات وحياة برية، وتُعتبر ملاذًا آمنًا لهذه الأحياء ومستودعًا ثريًا لحفظ السلالات النباتية والحيوانية والمصادر الوراثية.
ويشارك السودان في المسح العالمي السنوي للطيور المائية، فحسب المسح الذي تم عام 1993، وجد أن غابة السنط تحوي 817 طائرًا و18 نوعًا من الطيور المهاجرة التي تأتي من أوروبا والشرق الأوسط.