السودان.. هل يكسر “الانفتاح” قيود التبعية التاريخية؟

 

بقلم: باشمهندس معاذ النور

لطالما كان موقع السودان الجغرافي، كجسر يربط شمال القارة بشرقها، نعمة ونقمة في آن واحد. فبينما منحتنا هذه الأرض تنوعاً وموارد هائلة، جعلتنا أيضاً مطمعاً لقوى إقليمية ودولية سعت دوماً لضبط “البوصلة السودانية” بما يخدم مصالحها، لا مصالحنا. واليوم، يقف السودان أمام تحول دراماتيكي في سياسته الخارجية، منتقلاً من عقود الانغلاق الأيديولوجي إلى آفاق الانفتاح على الغرب وإسرائيل؛ فهل نحن أمام “ردة فعل” سياسية، أم استراتيجية واعية لاستعادة السيادة الوطنية؟

إرث العزلة والثمن الباهظ

لسنوات طويلة، دفع المواطن السوداني ثمن “الانغلاق” الذي فرضه نظام البشير. لم يكن وضع السودان في قائمة الإرهاب عام 1993 مجرد عقوبة دبلوماسية، بل كان حصاراً شاملاً خنق الاقتصاد، وجفف منابع الاستثمار، ورفع الدين العام لمستويات جنونية تجاوزت 200% من الناتج المحلي. في تلك الحقبة، تحولت السياسة الخارجية من أداة للتنمية إلى منصة للشعارات، مما جعل الدولة هشة وعرضة للابتزاز الإقليمي، خاصة من الجانب المصري الذي وجد في المؤسسة العسكرية ثغرة للتدخل في القرار الوطني.

الثورة وتصحيح المسار

جاءت ثورة ديسمبر 2019 لتكون بمثابة “زلزال” أعاد ترتيب الأولويات. ولم يكن رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب في 2020 مجرد نصر دبلوماسي، بل كان “بوابة عبور” لاستعادة مكانة البلاد في النظام الدولي. هذا التحول أجبر الخرطوم على إعادة التفكير في تحالفاتها القديمة، متبنيةً نهجاً براجماتياً يرى في الانفتاح على القوى العالمية، بما فيها إسرائيل، ضرورة وجودية لإنقاذ الاقتصاد المنهار وتحديث قطاعات الزراعة والطاقة والتكنولوجيا.

الانفتاح على إسرائيل: مصلحة أم تبعية؟

يثير الانفتاح نحو إسرائيل جدلاً واسعاً، لكن من منظور استراتيجي، يمثل هذا المسار فرصة تاريخية للسودان لفك الارتباط بالوصاية الإقليمية التقليدية. إن الحصول على تقنيات “الزراعة الذكية” وإدارة المياه والطاقة الشمسية بشكل مباشر، يعني أن السودان يبدأ في بناء قراره الاقتصادي المستقل، بعيداً عن ضغوط المحاور التي حاولت دائماً إبقاء السودان “حديقة خلفية” لمصالحها.

ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو “الشرعية الشعبية”؛ فغياب النقاش الوطني الشفاف حول هذه الخطوات يجعلها عرضة للتشكيك، مما يتطلب إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص لضمان أن يكون هذا الانفتاح خادماً للمواطن البسيط وليس لمجرد نخب سياسية.

تنويع الشراكات.. درع السيادة

إن الدروس المستفادة من تجارب دول كالمغرب والإمارات تخبرنا أن “قوة الدولة” تكمن في تنوع شراكاتها. السودان اليوم قادر على بناء علاقات متوازنة: الغرب للاستثمار، إسرائيل للتقنية، والجوار الإفريقي للتحالفات الأمنية. هذا التعدد هو الضمان الوحيد لمنع أي قوة إقليمية من الهيمنة على قرارنا الوطني عبر بوابة المؤسسة العسكرية.

خاتمة: شراء المستقبل

إننا لا نتحدث هنا عن مجرد تغيير في الوجوه الدبلوماسية، بل عن “إعادة بناء” للدولة السودانية على أسس حديثة. إن الانفتاح الاستراتيجي، إذا أُدير بمؤسسية وشفافية وبمشاركة شعبية حقيقية، سيعيد السودان كلاعب مستقل وقوي في المنطقة. الفرصة أمامنا الآن لنقل السودان من “دولة تابعة” إلى “دولة قائدة”، شرط أن نضع مصلحة السودان أولاً، وأخيراً، وفوق كل إعتبار 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى