الزين عثمان
تحاول الخرطوم، بكل ما أوتيت من قدرة على الصمود، أن تستعيد مكانتها من بورتسودان، وأن تعود عاصمةً للسودان ومركزاً للحكم. يقتلع أهلها حياتهم من عمق الموت، ويستعيدونها «قليلاً قليلاً»، وعلى طريقتهم السودانية الخالصة. وفي المقابل، وعلى طريقته هو، يغرق رئيس وزراء حكومة البرهان، كامل إدريس، في تصريحات لا تغني ولا تسمن من جوع، لكنها كافية بالنسبة له لتأكيد أنه يعيش حلمه الشخصي، وهو جالس على كرسي الوزارة.
وبالتزامن مع محاولات الخرطوم سحب موقعها الرمزي والسياسي من المدينة الساحلية، يتداول المشهد السوداني سحب آخر مرتبط بعملية السلام وإنهاء الحرب. فقد كشفت مصادر سودانية لـ«الشرق» أن الإدارة الأميركية والمملكة العربية السعودية سلّمتا رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان مبادرة جديدة تهدف إلى وقف الحرب في السودان. وبحسب المصادر، يبدأ مقترح إنهاء الحرب بإعلان هدنة إنسانية، تعقبها مرحلة لوقف الأعمال العدائية، وصولاً إلى «وقف إطلاق نار نهائي وشامل».
وأشارت المصادر إلى أن البرهان ناقش المقترح السعودي – الأميركي مع عدد من شركائه، خلال اجتماعات مشتركة وأخرى منفصلة، ضمن مشاورات مكثفة بشأن المبادرة. وأضافت أن السودان لا يزال يناقش ويبلور ردّه الرسمي حول المبادرة ومسار إنهاء الحرب، تمهيداً لتسليمه إلى الإدارة الأميركية.
ما يجري الآن يعيد طرح السؤال القديم المتجدد: هل بدأت الثنائية في إزاحة الرباعية؟ ومن المعلوم أن ماراثون البحث عن سلام سوداني انطلق بدفع رباعي، ضم الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية ومصر، بالإضافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتهمها بورتسودان وحكومتها بالتورط في النزاع السوداني، وبالطبع برعاية قوات الدعم السريع، وهو ما يجعلها – من وجهة نظر الحكومة السودانية – غير مناسبة للتوسط في حل النزاع.
الحل الثنائي السعودي الأميركي للأزمة السودانية طُرح إلى العلن عقب تغريدة لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، قال فيها إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترمب حول مياه النيل؛ وذلك لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، مما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم». وجاءت التغريدة رداً على خطاب بعثه الرئيس الأميركي إلى الرئيس المصري والرئيس السوداني والرئيس الإثيوبي، بهدف حسم قضية تقاسم مياه النيل، والعمل على تلافي التصعيد في إقليم مضطرب.
وبالطبع، فإن التلويح بثنائية الحل أعاد الجدل مجدداً حول دور «الرباعية»، في خطوة اعتبرها البعض تعزيزاً لرؤيتهم القائلة إن الرباعية «ماتت وشبعت موتاً»، وإن ما يجري يمثل تعزيزاً للرؤية السودانية، والذهاب نحو الحل الذي تبتغيه بورتسودان بعيداً عن أبوظبي، التي تواجه معاركها الخاصة داخل الإقليم، وتمضي نحو فقدان دورها، ورويدا رويدا يتم تصنيفها كصانعة للأزمات.
ويمكن قراءة هذا التحول كنتيجة لما جرى في اليمن، بما يعزز الدور السعودي القائم على الحفاظ على الدول والجيوش النظامية. فالمملكة العربية السعودية تتبنى موقفاً واضحاً يقوم على دعم استعادة الدولة الوطنية في عدد من الدول العربية، من بينها السودان واليمن وليبيا والصومال، في مواجهة ما وُصف بـ«مشروع إقليمي لتفتيت المنطقة». وينبع هذا التوجه من شعور متزايد بأن المشروع لا يهدد دول الجوار فحسب، بل يشكل خطراً مباشراً على الأمن القومي السعودي، سواء على الحدود البرية أو في مناطق حساسة مثل البحر الأحمر.
كل ما يجري يؤكد أن الخيار السعودي هو المرجّح فيما يتعلق بحسم الأزمة السودانية، سلماً أو حرباً، مع تبلور تحالف جديد في المنطقة مناهض للرؤى الإماراتية. ويعزز ذلك الإعلان عن إعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين جمهورية السودان والمملكة العربية السعودية.
وفي الوقت ذاته، يستبعد كثيرون فرضية إبعاد الإمارات نهائياً عن المشهد السوداني، وبالطبع عن التأثير الإقليمي في القضايا مثار النزاع، وإعادة ترسيم المنطقة بشكل جديد، من دون إهمال التأثيرات الناتجة عن أحداث اليمن في المشهد السوداني. كما لا يبدو أن ثمة اختلافات جوهرية بين أطروحات الرباعية للسلام السوداني وأطروحات المبادرة الثنائية المقدمة مؤخراً، وهو ما يجعل الاختلاف أقرب إلى آليات التنفيذ على الأرض، لا إلى الرؤية ذاتها.
ثلاث سنوات من الحرب السودانية، وثلاث سنوات من المحاولات لوضع نهاية لها، انطلاقاً من جدة، مروراً بالمنامة، وصولاً إلى جنيف وواشنطن، ومع الحراك الإقليمي المتعدد، انتهت كلها إلى لا شيء، أو إلى تعزيز فرضية أن العامل المؤثر في سلام السودان هو رغبة السودانيين أنفسهم في وضع حد لمعاناتهم اليومية مع الموت.
ورداً على موقف مني أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان، الرافض لإقرار هدنة إنسانية في السودان، تلافياً للقبول بخيار التقسيم الوطني، ودعوةً لترجيح كفة العقل وتغليب المصلحة الوطنية العليا، قدّم القيادي في تحالف «صمود»، المهندس عمر الدقير، مرافعة سياسية وإنسانية حول الجدل الدائر بشأن وقف إطلاق النار. وأكد أن «الهدنة المقترحة» لا ينبغي النظر إليها كبديل نهائي للحل الشامل، بل كضرورة قصوى تفرضها استحقاقات اللحظة الراهنة.
وذكّر الدقير أطراف النزاع بحقيقة تاريخية دامغة، مفادها أن «تاريخ الحروب في السودان – مهما طال أمدها واستعرت نيرانها – أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها تنتهي حتماً عند طاولة التفاوض»، داعياً إلى اختصار طريق الآلام والذهاب مباشرة إلى الحل السياسي، بدلاً من استنزاف ما تبقى من مقدرات الوطن. ويؤكد الدقير المعلوم بأن الحرب تُحسم بالتفاوض، وأن كلمة السودانيين يجب أن تكون هي العليا، وهو ما يعزز فكرة أن السلام، بعيداً عن الرباعية والثنائية، يصنعه السودانيون أنفسهم.
غير أن معادلة الوصول إلى السلام عبر الرافعة السودانية تصطدم بمتاريس معقدة، ولا يبدو تحصيلها ممكناً في الوقت الراهن. فهي عملية تنطلق، قبل كل شيء، من السؤال القديم المتجدد: من صنع الحرب؟ وما أهدافه من إشعالها؟ وإلى أي مدى حقق تلك الأهداف؟
وبعيداً عن حسم مسألة أن «فلول» النظام السابق هم من أطلقوا الطلقة الأولى قصاصاً من الثورة التي أطاحت بنظامهم، فإن الحرب اليوم لم تعد هي تلك التي اشتعلت في المدينة الرياضية. فالمستفيدون منها باتوا أكثر، وصارت لها «سوقها» وتجارها واقتصادها الخاص، ومزاياها، وبالطبع سلطتها الخاصة، التي ستنتهي بمجرد إقرار السلام. هؤلاء هم من سيقاتلون من أجل استمرار الحرب حتى آخر رصاصة، دون إغفال تجار الموت أنفسهم..