وجدي كامل
لم تعد الحرب في السودان حدثًا إستثنائيًا يمكن عزله في لحظة إندلاعه أو اختزاله في صراع بين قوى مسلحة، بل غدت تعبيرًا مكثفًا عن فشلٍ أعمق، فشلٍ لم يبدأ مع الرصاصة الأولى، وإنما تشكّل ببطء داخل البنية الأخلاقية للواقع السياسي والاجتماعي السوداني. وهي بنية لا يمكن تأريخ اختلالها من لحظة نشوء دولة ما بعد 1956 كما يُشاع، بل من تشكّل الدولة نفسها منذ بداياتها السنارية عام 1504م. هذه الحرب ليست فقط نتيجة خلل في موازين القوة السياسية والعسكرية لحظة اندلاعها، وإنما ثمرة صمتٍ طويل عن أخطاء جوهرية. فالحرب لا تنشأ فقط من اختلال ميزان القوة، وإنما من تعطّل الضمير الجمعي عن مساءلة ما يُغذّي العنف قبل أن يتحول إلى آلة تدفع كلفتها دفعة واحدة وتعمم مستحقاتها على الكافة.
كثير من الكتابات انشغلت، ولا تزال، بتفسير أسباب إندلاع الحرب، واختلف الناس حول مسؤولية إستمرارها أو سبل إنهائها. غير أن هذا الجدل، على أهميته، يكاد يغفل مجالًا بالغ الدقة: انه المجال الأخلاقي لمقدمات الحرب. فالحرب لا تولد فجأة، بل تُربّى أخلاقيًا وثقافيًا قبل أن تُنفّذ عسكريًا.
منذ إنقلاب الإنقاذ ١٩٨٩، لم تُمارَس الحرب بوصفها أداة سلطوية فحسب، بل جرى تحويلها إلى ثقافة عامة وتطبيع المجتمعات بها. خلال ثلاثين عامًا، أُعيد إنتاج العنف في التعليم، والإعلام، والخطاب الديني اثناء حرب الجنوب ومن بعد دارفور ، وفي الحياة اليومية عبر العنف الاقتصادي الذي حوّل الفقر والتهميش إلى أدوات إذلال، ورسّخ العنف بوصفه لغة النجاة الوحيدة.، لقد أصبح جراء ذلك جزءًا من الخيال السياسي والاجتماعي المضاد معطوبا، ان لم نقل متواطئا مع ثقافة العنف نفسها على النحو الأعم . فالخطر الأكبر لم ولا يظل في السلاح ذاته، بل في الشرعية الرمزية التي مُنحت عبر العقول، ومن ثم الثقافة والاخلاق، وفي اللغة التي جعلته ضرورة وطنية تجيز التخلص من الخصم بواسطة العنف، وتصور العنف بطولة في تربيتها وآدابها ، بل تعتبر الخصم او المختلف فكريا معه عدوًا وجوديًا.
عندما جاءت ثورة ديسمبر، انصرفت الجهود أساسًا إلى المحاكمة السياسية للنظام السابق، وهو مسار مشروع وضروري، لكنه ظل ناقصًا. فقد جرى التعامل مع المشكلة بوصفها مشكلة سلطة لا مشكلة ثقافة. أُسقط النظام، لكن ثقافة الحرب التي أنشأها تُركت دون تفكيك. وهنا كان الصمت مكلفًا.
في الفلسفة الأخلاقية، لا يُحاسَب الإنسان فقط على ما ارتكبه، بل كذلك على ما سكت عنه وهو قادر على مساءلته. فالصمت، حين يتعلق الأمر بالعنف، ليس حيادًا، بل شكل من أشكال المشاركة غير المباشرة. إن تجاهل السؤال الأخلاقي حول الحرب، وتأجيله لصالح الحسابات السياسية العاجلة، كان بمثابة إقرار ضمني باستمرار شروط العنف.
ما بعد الثورة، فشلت المجموعات السياسية النشطة في إدراك أن الدولة ليست غنيمة تُقتسم، بل مشروع أخلاقي يُعاد تأسيسه. لم تُفتح أبواب حقيقية لمصالحة فكرية وثقافية كبرى بين القوى السياسية والاكاديميين والباحثين والمثقفين الديمقراطيين المستقلين عن هياكل الأحزاب. تم استبعاد هذه الطاقة الإنسانية والفكرية الهائلة، لا لغياب تأثيرها، بل خوفًا من مطالبها الأخلاقية العميقة التي لا تنسجم مع منطق المحاصصة والتمثيل التنفيذي الضيق.
وبدل أن تُفهم الدولة الجديدة بوصفها مجالًا لتثوير القيم وقطع دابر ثقافة العنف، جرى التعامل معها كأداة سلطة. وهكذا تُركت البنية الثقافية للعنف تعمل في الخفاء، حتى عادت في شكل أكثر فجاجة ووحشية.
إن أخطر ما في الثورة المضادة لم يكن قوتها العسكرية وحدها، بل الفراغ التخييلي الذي واجهتها به القوى المدنية. فالثورة التي لا تمتلك تصورًا أخلاقيًا وثقافيا واضحًا لمجتمع ما بعد العنف، تترك الباب مفتوحًا أمام عودة العنف ذاته، بأسماء وشعارات جديدة. لم تُخَض المعركة حيث يجب أن تُخاض: في صميم ثقافة الكراهية والإقصاء وتقديس القوة.
اليوم، وقد تفاقمت الأزمة وتحوّل الواقع السوداني جذريًا بفعل الحرب إلى مسرح من الخراب، لم تعد الأسئلة القديمة كافية. لم تعد الأشياء هي الأشياء كما كانت، بل تضاعفت كلفة إعادتها إلى ما كانت عليه. إن أي حديث جاد عن مستقبل السودان لا يمكن أن يتجاوز ضرورة الإصلاح الثقافي والأخلاقي بوصفه أولوية وطنية لا ترفًا فكريًا.ومن هنا فإن تحوّل الكتلة العلمية والثقافية النقدية إلى فاعل سياسي مؤثر لم يعد خيارًا، بل ضرورة تاريخية عاجلة، إن أُريد للإصلاح الأخلاقي أن يمتلك قوة اجتماعية تحميه.
فبناء السودان الجديد لا يبدأ فقط بإعادة ترتيب المؤسسات أو توقيع الاتفاقيات لاعادة البناء، بل بتشكيل ما يمكن تسميته بـ الكتلة العلمية الثقافية والأخلاقية، كبنية تحتية غير مرئية لكنها حاسمة، تتكون من المعلمين، والمثقفين، والفنانين، والإعلاميين، وكل من يعمل على إعادة تعريف معنى القوة، والعدالة، والانتماء خارج فضاءات العنف وتشكيلاته الرمزية.
انها جيش لا يحمل السلاح، لكنه يجرّد السلاح من شرعيته الرمزية. لا يحرس الحدود، لكنه يحرس المعنى. وبدونه، سيظل السلام مجرد هدنة مؤقتة بين حربين.
إن الحرب التي يعيشها السودان اليوم هي الثمن الباهظ للسكوت عن أخطاء كان يمكن مواجهتها أخلاقيًا في وقت مبكر. ولن يكون الخروج منها ممكنًا ما لم نمتلك شجاعة الاعتراف بأن فشل الأخلاق عن أداء وظيفتها في الزمن المناسب كان أحد أخطر أسباب هذا الخراب.