
بقلم : ناهد إدريس
صحافية | ناشطة في حقوق الطفل والمرأة
خلال هذه الفترة، وأنا أقضي أيام النقاهة والاستشفاء، آثرت الابتعاد عن السوشال ميديا لما أصابني من رهق وتعب من أخبار الموت والقتل والتشريد والنزوح والاختفاء القسري، وكثير من الأوجاع.
أصبحت ساحات السوشال ميديا مساحاتٍ ينقل أغلبها أخبار فقدان من نحب من أهل وأصدقاء وزملاء.
لكن الأسبوع الماضي، وأنا أقلب صفحات التيك توك الذي أسجل فيه يوميات المشفى والعلاج، صادفت فيديو أصابني بالذهول والحزن، فقررت البحث عن أصل الفيديو. تابعت عبر المواقع، وتوصلت لصفحة تنشر بشكل راتب مقاطع لهذا الطفل وهو يغني أغاني البنات بصورة لافتة واحترافية، جلسته وهو يضرب إيقاع الدلوكة قصة غاية في الدهشة والذهول.
راسلت صاحبة الصفحة ولم أجد ردًا، ثم تابعت التعليقات، فأصابني سهم الوجع والحزن. وجدت أن الطفل من مدينتي الأم، المدينة التي أنجبتنا جميعًا أبناءً وبنات كوستي في كافة أصقاع الأرض، أينما ذهبنا نحمل اسمها ونعتز بأنها احتضنتنا.
فكيف لا يلتفت إنسان كوستي لإنقاذ هذا الطفل؟
كوستي مدينة نشأت فيها المدارس ورياض الأطفال على الجهد الشعبي، ما يدل على أن إنسان كوستي كان في طليعة من اهتم بالتعليم والثقافة والعلم، فكيف لهذه المدينة أن تتجاهل طفولتها؟
وأثناء ذلك البحث، صادف أن انتشرت مقاطع للطفلة السودانية بمنطقة القصيم، التي إثر حادث حركة فقدت كل أفراد أسرتها. بكيت وحزنت لحزنها وحزن أسرتها، ومرّ على الذاكرة كثير من الحوادث والفقدان خلال هذه الحرب.
لكن سعدت جدًا لشجاعتها وقوة تحمّلها وسماحة تعليمها وثقافتها، ثم تابعت مناشدتها للجهات العليا بكل أدب وإنسانية لأولياء الأمر بالمملكة العربية السعودية، محمد بن سلمان وأمراء المملكة، كأنها تعيد لنا حكايات التاريخ عندما نادت امرأة: وامعتصماه، فتنادت لها الدولة.
فكان أن تنادت لها الدولة، زارها أمير منطقة القصيم وقدم لها الرعاية، وقبل الرعاية اللمسات الأبوية الإنسانية.
سعدت وبكيت لهذا العطاء والاستجابة النبيلة لهذه الطفلة في محنتها، وتذكرت مئات الأطفال السودانيين الذين قضوا خلال هذه الحرب اللعينة، التي دفعت فيها النساء والأطفال أثمانًا باهظة بين تشرد ونزوح وفقدان للعائل الوحيد للأسرة، بين نازح ومشرد وعاجز عن الإعالة.
وهنا تذكرت أن بالمدينة هناك من أبنائها من يمتلك الخلق والإنسانية، وعلى رأس الجهات المسؤولة عن ذلك قطاع التنمية الاجتماعية بولاية النيل الأبيض.
لا بد من إدراك هذا الطفل الذي يواجه مصيرًا مظلمًا. علمت أن والده عسكري متوفى، وهو يتيم. تساءلت: أين الرعاية الاجتماعية؟ وأين الجهات الحكومية المسؤولة عن رعاية الأيتام والأطفال؟
وعليه، ومن هذا المنبر الإنساني، أوجّه مناشدتي مباشرة إلى الدكتور محمد بابكر بردسول، مدير قطاع التنمية الاجتماعية بولاية النيل الأبيض، بوصفه مسؤولًا وأخًا وابن مدينة يعرف كوستي ويعرف إنسانها، أن يتدخل عاجلًا لإنقاذ هذا الطفل من مصير قاتم، وحمايته من الاستغلال وتركه فريسة للفقر وضعاف النفوس.
لقد عاهدت نفسي أن أعمل ما استطعت إليه سبيلًا، وأن لا يظل هذا الطفل بين سندان الفقر واستغلال ذوي النفوس الضعيفة ليتم التكسب من طفولته، ثم يُترك لمصيره المظلم.
فهل من مبادرة ترحم هذا الصغير؟
وهل من استجابة تعيد بعضًا من العدالة والرحمة لطفولة أنهكتها الحرب والإهمال؟
هل من مجيب؟؟؟