الخيانة

 

ابتداءً من هذا العدد، تفتح «أفق جديد» ملفًّا لم يكن يومًا هامشيًا في تاريخ السودان السياسي، لكنه ظلّ مؤجَّلًا، ومُرحَّلًا، ومُحاطًا بالصمت المقصود: ملف الخيانة داخل “الحركة الإسلامية”. نفتح هذا الملف لا بدافع الإثارة، ولا من باب تصفية الحسابات، بل لأن الخيانة، حين تتحول من سلوك أفراد إلى منهج تنظيم، تصبح قضية وطن، لا شأن جماعة، وخطرًا عامًا لا يمكن تجاوزه بالمجاملات أو النسيان المتعمَّد.

لسنا هنا بصدد سرد وقائع معزولة، ولا تتبع سقطات أشخاص، بل أمام محاولة جادّة لتفكيك بنية فكرية وسلوكية تشكّلت منذ البدايات الأولى للحركة الإسلامية في السودان، واستمرّت، وتطوّرت، وتكاثرت، حتى غدت الخيانة فعلًا مألوفًا، بل أداة مشروعة في إدارة الخلاف، وضبط الصف، وإعادة ترتيب موازين القوة داخل التنظيم. خيانة التنظيم للتنظيم، وخيانة الأفراد لبعضهم البعض، لم تكن استثناءات عابرة، بل كانت القاعدة الصامتة التي حكمت العلاقات الداخلية، ووجّهت المسار العام.

منذ نشأته، لم يُبنَ هذا التنظيم على الثقة، بل على السرّ، والسرّ هنا لم يكن مجرد إجراء احترازي في بيئة معادية، بل عقلية كاملة في التفكير والعمل. ومع السرّ، نشأت الريبة، ومع الريبة ترسّخ الشك، ومع الشك تحوّلت الخيانة إلى احتمال دائم، بل إلى خيار مفضّل في لحظات الحسم. هكذا أُدير الخلاف: لا حوار حقيقي، لا مؤسسات تحسم، لا مراجعات شفافة، بل تخوين، ثم إقصاء، ثم كسر، سياسيًا أو معنويًا، بحسب موقع المختلف وميزان القوة.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة تاريخ الحركة الإسلامية بوصفه مسارًا فكريًا خالصًا، بل بوصفه سلسلة صراعات داخلية أُديرت بمنطق الغلبة لا السياسة. وقائع مثل داود يحيى بولاد ليست حالات شاذة، بل علامات دالة على طبيعة تنظيم لا يحتمل الاختلاف، ولا يعترف بالتعدد، ولا يرى في الخروج عن خطه سوى تهديد وجودي يستوجب السحق. حين يتحول الخلاف إلى جريمة، وحين تُلغى السياسة لصالح الأمن والتنظيم، تصبح الخيانة ممارسة متبادلة، لا خطيئة استثنائية، ومنهج للقضاء على الأعداء.

غير أن الخطر الأكبر لم يتجسد داخل التنظيم وحده، بل بلغ ذروته حين انتقل هذا النسق المغلق من السرية إلى الحكم، ومن التنظيم إلى الدولة. هنا، لم تتحول الحركة الإسلامية إلى دولة، بل حوّلت الدولة إلى تنظيم. ذابت الحدود بين العام والخاص، وبين المؤسسي والشخصي، وبين السيادة والمصلحة. صارت أجهزة الدولة امتدادًا لصراعات داخلية، وصار القرار الوطني رهينة حسابات فئوية، لا معايير مصلحة عامة.

في عهد الحركة الإسلامية، لم تتعرض الدولة السودانية للاختراق فحسب، بل تعرّت بالكامل. تآكلت المؤسسات، وتفكك مركز القرار، وتحولت الدولة إلى فضاء مفتوح تتنازع فيه شبكات مصالح، وأجنحة أمنية، ومراكز نفوذ تبحث عن المال والسلطة والحماية. ومع تمدد الفساد، وانهيار منظومة القيم، وانعدام المحاسبة، لم يعد الانتماء الوطني رادعًا، ولا القسم الوظيفي التزامًا أخلاقيًا، ولا السرّ العام مصونًا.

في هذا المناخ، وُلدت الخيانة الأخطر: خيانة الوطن نفسه. لم تعد السيادة خطًا أحمر، ولا المعلومة شأنًا سياديًا، ولا القرار الوطني ملكًا للشعب. كل شيء صار قابلًا للبيع، أو التسريب، أو المقايضة. وفي طريق البحث المحموم عن المال، أو الغطاء السياسي، أو الحماية الخارجية، لم يتورع كثيرون عن أن يكونوا أدوات طيّعة في يد أجهزة استخبارات أجنبية، لا نتيجة اختراق قسري، بل طوعًا واختيارًا

وهنا انقلب المشهد بصورة فاضحة: لم تعد أجهزة الاستخبارات العالمية تبحث عن عملاء داخل السودان، بل صار العملاء هم من يبحثون عن أجهزة تُجنّدهم. مسؤولون، نافذون، وسطاء، سماسرة سياسة وأمن، يتنقلون بين العواصم، يعرضون خدماتهم، ومعلوماتهم، ومواقفهم، مقابل المال أو النفوذ أو الحماية. لم يكن ذلك تفوقًا استخباراتيًا خارجيًا، بقدر ما كان انهيارًا أخلاقيًا داخليًا شاملًا.

هذا الانكشاف لم يكن صدفة، ولا نتيجة مؤامرة خارجية خالصة، بل ثمرة مباشرة لحكم تنظيم شرعن الخيانة باسم الضرورة، وكسر العهود باسم المصلحة، وأدار الدولة بلا معايير أخلاقية. حين تسقط الأخلاق من السياسة، تصبح الخيانة سلوكًا يوميًا عاديًا، لا يثير الدهشة، بل يُبرَّر تحت عناوين جاهزة: فقه المرحلة، مقتضيات الأمن، معركة الوجود.

ومن هنا، لا تبدو الحروب، ولا الانقسامات، ولا الانهيار الذي نعيشه اليوم، أحداثًا مفاجئة، بل نتائج منطقية لمسار طويل أُسِّس على الغدر، وتغذّى على نقض العهود، وانتهى بتفكيك الدولة من الداخل. تنظيم لم يعرف الوفاء داخل صفوفه، لا يمكن أن يُنتج وفاءً للوطن. ومن اعتاد خيانة رفاقه، لن يتردد في خيانة شعب بأكمله حين تتعارض مصالحه مع بقاء السلطة.

في هذا العدد، تضع «أفق جديد» الإطار العام لهذا الملف: الخيانة باعتبارها منهجًا، لا حادثة؛ وبنية، لا انحرافًا. وفي الأعداد القادمة، سنمضي أبعد، حلقةً بعد حلقة، في تفكيك:

خيانة الأفراد لبعضهم داخل التنظيم،

وخيانة التنظيم للتنظيم،

ثم خيانة التنظيم للسودان، دولةً وشعبًا وسيادة،

بالوقائع، والأسماء، والسياقات، ومن دون مواربة

هذه ليست دعوة للثأر، ولا تصفية حسابات سياسية، بل شهادة للتاريخ. فالتاريخ الذي لا يُكتب بصدق، يُعاد تمثيله في صورة كوارث جديدة. و«أفق جديد» اختارت، منذ هذا العدد، أن تفتح الملف كاملًا، لأن الحقيقة—مهما كانت موجعة—أقل كلفة من استمرار الكذب، وأقل دمًا من صمتٍ طال أكثر مما ينبغي.

Exit mobile version