أطفال بلا تعليم.. جيل مهدد بالضياع 

أفق جديد

في ظل استمرار الحرب، وتفاقم الأوضاع الإنسانية والتدمير الواسع للبنية التحتية، يواجه السودان حاليًا واحدة من أسوأ أزمات التعليم في العالم الذي يعاني من تحديات تؤثر في جودته وقدرته على تلبية احتياجات المجتمع.

وفي 22 يناير الجاري حذرت منظمة “أنقذوا الأطفال”، من أن الحرب الدائرة في السودان تسببت في حرمان أكثر من 8 ملايين طفل من التعليم، فيما وصفته بأنه أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم.

وقالت المنظمة في بيان تلقته “أفق جديد”، إن أكثر من 8 ملايين طفل، أي ما يقارب نصف عدد الأطفال في سن التعليم في البلاد، أمضوا 484 يوماً دون دخول أي فصل دراسي، مؤكدة أن هذه المدة تتجاوز حتى فترات الإغلاق التي شهدها العالم خلال جائحة كوفيد -19.

يقول المدرس بالمرحلة الابتدائية، رفعت يوسف: “خلال سنوات الحرب أُغلقت مئات المدارس في المناطق غير الآمنة بفعل استمرار الصراع المسلح، الأمر الذي إلى حرمان آلاف الأطفال من فرص التعلم، ووضعهم فعليًا خارج المنظومة التعليمية”.

وأوضح يوسف في حديثه لـ”أفق جديد”، أن التعقيدات الأمنية والاقتصادية، أدت إلى ارتفاع معدلات التسرّب المدرسي بشكل ملحوظ، خاصة بين الطلاب من الأسر التي تواجه أوضاعًا اقتصاديّة صعبة أو فقدت معيلها بسبب الحرب.

ويعاني السودان من تداعيات الحرب المستمرة منذ عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي أسفرت عن عشرات آلاف القتلى ونزوح ملايين المدنيين، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

من جهتها تقول المدرسة بالمرحلة الثانوية، نادية بابكر: “أعداد كبيرة من الأسر النازحة صعوبات معيشيّة، تجعل عودة أبنائها إلى المدارس أمرًا شائكًا ومعقدًا”.

وأشارت نادية في حديثها لـ”أفق جديد”، إلى أن ضعف الإمكانيات المادية، واضطرار بعض الأطفال للعمل لإعالة أسرهم، عوامل تُبقي نسبة غير قليلة من الطلاب خارج أسوار التعليم، ما يهدد بزيادة الفاقد التربوي، وما يرافقه من تأثيرات طويلة الأمد في التنمية البشرية.

وبحسب منظمة “أنقذوا الأطفال”، يواجه السودان اليوم إحدى أسوأ أزمات التعليم عالميًا، حيث أُغلقت أعداد كبيرة من المدارس بالكامل، كما تعرضت أخرى للتدمير أو تم تحويلها إلى ملاجئ للنازحين.

ويُعدّ إقليم دارفور، الذي يقع معظمه تحت سيطرة قوات الدعم السريع، الأكثر تضررا، إذ لا تعمل في ولاية شمال دارفور سوى 3% من أكثر من 1100 مدرسة.

وكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت في أكتوبر الماضي على مدينة الفاشر عاصمة الولاية، مما عزّز قبضتها على الإقليم بأكمله.

ومنذ ذلك الحين، امتد القتال إلى إقليم كردفان المجاور، حيث تشهد المنطقة توسعا تدريجيًا لنفوذ قوات الدعم السريع، وفي ولاية غرب كردفان، لا تتجاوز نسبة المدارس العاملة حاليا 15%، وفق المنظمة.

وأشار البيان إلى أن عددًا كبيرًا من المعلمين اضطروا إلى ترك وظائفهم بسبب تعليق صرف الرواتب، مما فاقم انهيار العملية التعليمية في البلاد.

بالنسبة إلى الخبير التربوي، الفاتح حسن، إن أعداد كبيرة من المدارس خاصة في القرى والبلدات والأرياف البعيدة تعاني ضعفًا حادًا في البنية التحتية، حيث يجلس التلاميذ على الأرض أو تحت ظلال الأشجار.

وأوضح حسن في حديثه لـ”أفق جديد”، أن البيئة التعليمية في الوقت الحالي غير مناسبة، والوضع يزداد سوءًا مع كثافة الطلاب وتوقف رواتب المعلمين لأشهر طويلة.

ويعيش المعلمون والمعلمات واحدة من أقسى مراحل الاستهداف المعيشي في تاريخهم – وفق لجنة المعلمين السودانيين- حيث تدهورت أوضاعهم إلى مستويات غير مسبوقة باتت تهدد حياتهم وحياة أسرهم بالموت البطيء نتيجة الفقر والتجويع.

وحسب اللجنة، فقد ظل المعلمون منذ اندلاع الحرب يؤدون واجبهم الأخلاقي والمهني في ظروف بالغة القسوة دون حماية ودون أجر عادل، ودون حد أدنى من مقومات العيش الكريم في وقت تتراكم فيه الأعباء المعيشية يومًا بعد يوم وسط صمت رسمي مريب.

وأوضحت اللجنة أن مرتبات الدرجة الأولى (قرابة 30 عامًا خدمة) لا يزيد المرتب عن 220 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ لا يفي بأبسط متطلبات أسرة صغيرة في ظل الغلاء الفاحش. والدرجة التاسعة (مدخل الخدمة) لا يزيد المرتب عن 80 ألف جنيه سوداني. والعامل لا يتجاوز إجمالي ما يتقاضاه 25 ألف جنيه سوداني.

ووفق اللجنة، فإن هذه المرتبات لا تغطي حتى كلفة المواصلات وتضع المعلم والعامل امام واقع قاسٍ من العجز والعوز وأصبحت مهما اختلفت درجاتها جميعها تحت خط الفقر المدقع.

وطالبت لجنة المعلمين بزيادة الحد الأدنى للأجور إلى 216.000 جنيه سوداني كحد أدنى لا يقل عن متطلبات البقاء، ودفع متأخرات المرتبات (14 شهرًا) فورًا لكل العاملين بالدولة دون استثناء، وإعادة جميع البدلات والعلاوات التي تم حذفها بذريعة الإجازة لكل العاملين بالدولة.

وفي تحذير شديد اللهجة، قالت رئيسة منظمة “أنقذوا الأطفال” انجر آشينغ إن الفشل في الاستثمار في التعليم سيؤدي إلى “ترك جيل كامل أسير مستقبل تحكمه الصراعات لا الفرص”.

وفي السياق ذاته، دان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الأسبوع الماضي تصاعد الهجمات المتكررة على البنية التحتية المدنية الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والأسواق والمدارس، معربا عن قلقه البالغ مما وصفه بـ”عسكرة المجتمع” وتزايد تجنيد الأطفال في النزاع.

التعليم في السودان يواجه أزمات مركبة، لكن آفاق الإصلاح تظل ممكنة، بتهيئة بيئة المدارس وتبني سياسات تعليمية مبتكرة وشاملة، وتجويد المناهج وتدريب المعلمين بصورة أكثر كفاءة وتعزيز استخدام التكنولوجيا، لتستطيع البلاد أن تنهض من تحت ركام الحرب والقدرة على تلبية احتياجات المجتمع.

 

Exit mobile version