كتب أحمد عثمان محمد المبارك
إن نجاح مبادرة الرئيس ترامب في إنشاء مجلس سلام غزة لم يكن مجرد محاولة لإنهاء صراع إقليمي مزمن، بل كان بمثابة إعلان مبادئ لنظام عالمي جديد تقوده دبلوماسية الصفقات، مما يثير تساؤلات حول احتمالية تمدد صلاحيات هذا المجلس أو استنساخ نموذجه في السودان، لفرض سلام لا تحركه القرارات الأممية، بل تديره لغة المليارات وتوازنات النفوذ.
- نموذج غزة
يرتكز مجلس سلام غزة، الذي كونه ترامب، على فلسفة واضحة تجاوز المسارات البيروقراطية للأمم المتحدة، واستبدال الفيتو التقليدي بفيتو مالي وسياسي يمسك بزمامه رئيس المجلس. ففي نموذج غزة، الأولوية ليست للخطابات السياسية، بل لفتح آفاق الاستثمار وإعادة الإعمار مقابل الاستقرار الأمني المشروط.
هذا النموذج يطرح نفسه اليوم كمخرج طوارئ للأزمة السودانية، لكنه مخرج محفوف بمخاطر وجودية؛ حيث يهدد بتحويل السودان من دولة ذات سيادة إلى منطقة نفوذ استثماري خاضعة لإدارة دولية وإقليمية، تماماً كما يتم تصميم هندسة الاستقرار في غزة.
- منبر جدة في مواجهة مجلس غزة:
بينما اتخذ منبر جدة من المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار هدفاً رئيسياً له عبر حوارات ماراثونية، يرتكز نموذج مجلس ترامب في غزة على فرض استقرار أمني مشروط بلغة المليارات. فالفارق الجوهري يكمن في الآلية، فمنبر جدة اعتمد على الإجماع والوساطة، بينما ينتهج مجلس ترامب آلية مركزية مطلقة. فإذا ما طُبق نموذج مجلس سلام غزة على السودان، فسيتحول أطراف الحرب من خصوم قانونيين إلى شركاء في صفقة أمنية كبرى، أو أعداء للمصالح الدولية العابرة للحدود. وهنا، لا مكان للقيم الأخلاقية المجردة، بل للولاء لميثاق المجلس مقابل تدفقات رؤوس الأموال.
- تجاوز فيتو الأمم المتحدة وتكريس الوصاية:
أهم ما يميز مجلس سلام غزة هو قدرته الفائقة على تجاوز البيروقراطية الدولية. فبينما قد تستغرق الأمم المتحدة شهوراً لإرسال بعثة مراقبة، يمنح ميثاق ترامب صلاحيات واسعة لمنسقين تنفيذيين للتدخل الميداني المباشر لحماية مشاريع إعادة الإعمار. وفي الحالة السودانية، تبرز عقبة المليار دولار كشرط للعضوية الدائمة في المجلس. هذا الشرط يعني عملياً فرض وصاية مالية إقليمية على الملف السوداني، مما يؤدي بالضرورة إلى تغييب صوت القوى المدنية والسياسية لصالح القوى الإقليمية القادرة على دفع تذكرة الدخول إلى طاولة القرار.
- سد النهضة:
الهدف الجوهري لمبادرة ترامب في غزة هو تحويل بؤر النزاع إلى مناطق فرص. فاذا طبق هذا النموذج في السودان فقد يمارس المجلس ضغوطاً هائلة لإنهاء الحرب، لا من أجل التحول الديمقراطي، بل لتأمين قطاعات الزراعة والتعدين التي سيديرها المجلس كضمانات لاستثماراته.
هذا التوجه البراغماتي هو ما دفع الفريق البرهان مؤخراً للترحيب بوساطة ترامب، طمعاً في إيجاد قوة ضغط قادرة على انتزاع اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة من إثيوبيا، عبر استبدال تعقيدات القانون الدولي بلغة المصالح والضمانات المالية المباشرة التي يوفرها المجلس.
- سيناريوهات طرفي الحرب بين الشرعية والسيادة:
بالنسبة قوات الدعم السريع فقد أبدت تجاوباً مبكراً مع تحركات المجلس، مراهنة على براغماتية ترامب التي تفضل النتائج على المبادئ الحقوقية. كما يسعون لانتزاع شرعية دولية كحارس أمني لمشاريع المجلس في دارفور وكردفان مقابل بقائهم كقوة اقتصادية وعسكرية.
أما الجيش السوداني حتى الان يراقب بحذر شديد، فنموذج مجلس غزة سيف ذو حدين. يخشى الجيش من مساواته مع قوات الدعم السريع في ترتيبات الحكم القادمة، لكنه قد يجد نفسه مضطراً للانخراط إذا انضم حلفاؤه الإقليميون (مثل مصر والسعودية) للمجلس، وذلك لتجنب العزلة الدولية ومحاولة تحسين شروط الصفقة لضمان تفكيك المليشيا وفق رؤيته السيادية.
وعن موقف الكيزان تجاه نموذج غزة فقد يتأرجح موقفهم بين الريبة العميقة والتفاؤل التكتيكي. فمن جهة، يدرك قادة الكيزان أن فلسفة ترامب في غزة قامت على استبعاد حركات الإسلام السياسي (حماس)، وهو ما يخشون تكراره في السودان عبر مقايضة السلام بتجفيف منابع نفوذهم. ومع ذلك من المتوقع ان يراهن قادة المؤتمر الوطني على أن لغة الصفقات قد تفتح لهم باباً خلفياً، فهم يسوقون لأنفسهم كضامن وحيد لتماسك مؤسسات الدولة والجيش، وهذا ما قد يحتاجه المجلس لحماية استثماراته المليارية. وقد يراهنون ايضا على أن ترامب قد يتجاوز الفيتو الأخلاقي ضد وجودهم، ويقبل بهم كشريك أمر واقع طالما أن البديل هو انهيار الدولة الشامل.
وعموما فان مجلس سلام غزة ليس مجرد ترتيب مكاني، بل هو مانيفستو جديد لإدارة الأزمات العالمية. فإذا ما انتقلت هذه العدوى إلى السودان، فإن الدبلوماسية التقليدية ستكون قد أعلنت وفاتها رسمياً، لتبدأ حقبة سلام الصفقات الذي قد يوقف أزيز الرصاص، ولكنه قد يضع سيادة الدول في المزاد العلني.