صحفيون سودانيون يتحدّون أهوال الحرب بجوائز عالمية

إسماعيل حسابو 

في بلدٍ علا فيه دويّ الرصاص على صوت الحقيقة، وتكسّرت فيه مؤسسات الإعلام تحت وطأة حرب مدمّرة، يواصل صحفيون سودانيون رفع راية المهنة عاليًا، محوّلين المعاناة إلى إنجازات، ومثبتين أن الصحافة قادرة على النجاة في أقسى الظروف. جوائز عالمية مرموقة حصدها صحفيون سودانيون خلال الأشهر ال 33 الماضية منذ إندلاع الحرب، جاءت بمثابة شهادة دولية على صمود الكلمة الحرة، وعلى قدرة الصحافة السودانية على المنافسة والتميّز رغم النزوح والتشريد وغياب الحد الأدنى من شروط العمل الآمن.

بهذه الروح احتفت نقابة الصحفيين السودانيين بالصحفي فيصل محمد صالح، عقب فوزه في نهاية نوفمبر الماضي بجائزة «إيقاد للتميّز في الصحافة – مدى الحياة»، تقديرًا لمسيرته الطويلة والممتدة في العمل الصحفي. وقالت النقابة في بيانها إن هذه الجائزة «لم تأتِ من فراغ، بل هي امتداد لرحلة ناصعة في حرفة صناعة الضوء، حفلت بالعطاء والمهنية والالتزام الأخلاقي»، واصفة فيصل محمد صالح بأنه «راهب متبتّل في محراب الصحافة السودانية»، ظلّ على الدوام جدارًا صلبًا وصوتًا حرًا وضميرًا يقظًا، ومدرسة قائمة بذاتها في الدقة واحترام المهنة.

غير أن فيصل محمد صالح لم يكن الاسم الوحيد الذي منح الوسط الصحفي السوداني مساحة للاحتفاء. ففي مشهدٍ يبعث على الفخر، وقفت إلى جواره عند تسلّمه الجائزة الصحفية هبة عبد العظيم، التي نالت بدورها جائزة «الإيقاد» للصحافة البيئية عن تحقيقها الاستقصائي «سموم في النيل بالسودان.. ما الذي يجري؟ كيف ولماذا ومن المسؤول؟». وكشف التحقيق حجم الكارثة البيئية الناتجة عن التلوث الكيميائي والمعادن الثقيلة في مجرى النيل، وتداعياتها الخطيرة على الصحة العامة والأمن الغذائي واستقرار المجتمع. كما جرى اختيار هبة عبد العظيم للانضمام إلى زمالة المنتدى العالمي للصحافة الاستقصائية (GIJC2025)، المقدّمة من مركز الجزيرة للإعلام. 

وفي سياق متصل، فاز الصحفي، عبد الرحمن الطيب بجائزة “كورت شورك” العالمية للصحافة، عن فئة المساند الصحفي. كآخر جائزة مرموقة يحصدها صحفي سوداني،

 كما اختارت منصة «رصيف 22» في ديسمبر الماضي الصحفية شمائل النور ضمن قائمتها السنوية لأكثر النساء العربيات إلهامًا وتأثيرًا لعام 2025، وهي قائمة تسلّط الضوء على عشر نساء عربيات تركن بصمات واضحة في مجتمعاتهن، في مجالات تتراوح بين السياسة والأدب والعمارة والعمل الإنساني. وقد قوبل الاختيار بترحيب واسع داخل الأوساط الصحفية، حيث أشادت شبكة الصحفيين السودانيين بدقة شمائل ومهنيتها وقدرتها على الغوص عميقًا في قضايا الشارع السوداني بعيدًا عن أي انحيازات.

واعتبر الصحفي عثمان فضل

 أن هذا الاختيار يمثّل اعترافًا مستحقًا بمسيرة مهنية راسخة في زمن الانكسار العام، مشيرًا في تدوينة له إلى أن شمائل النور «لا يُحتفى بها فقط بما أنجزت، بل بما تمثّله نموذجًا لصحافة شجاعة ومسؤولة وإنسانية، في زمن ندر فيه النموذج وكثرت فيه الضوضاء».

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، لم تقتصر آثار القتال على الأرواح والمدن والبنية التحتية، بل امتدت إلى غرف الأخبار، حيث أُغلقت الصحف، وأُخرست الإذاعات، واضطر مئات الصحفيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، وفقدوا أدواتهم الأساسية للعمل. ورغم ذلك، واصل بعضهم أداء رسالتهم من قلب الخطر أو من منافٍ قسرية، حاملين قصص بلدٍ ينزف إلى العالم، لينتزعوا اعترافًا دوليًا بعملهم المهني عبر جوائز عالمية مرموقة.

وخلال ملتقى «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية – أريج» في دورته الثامنة عشرة، الذي انعقد في عمّان بين 5 و7 ديسمبر الجاري، حضرت الصحافة السودانية في صدارة المشهد، بتتويج الصحفية سلمى عبد العزيز بجائزة «أريج» الفضية للصحافة الاستقصائية لعام 2025، بعد منافسة قوية ضمّت 166 تحقيقًا من 26 دولة. وجاء الفوز عن تحقيقها «المصيدة البشرية.. لاجئون سودانيون يقعون في فخ عصابات منظمة على الحدود المصرية»، المنفّذ بالشراكة بين أريج ومنصة «المهاجر».

وكانت سلمى عبد العزيز قد حصدت في نوفمبر الماضي جائزة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية لعام 2025، في دورتها التاسعة، تقديرًا لتغطيتها المتميزة لتداعيات الحرب، ولا سيما تحقيقها الاستقصائي لقناة CNN بعنوان: «10 أشهر من القتال و’كارثة جوع’ تقترب بالسودان». وسبق ذلك، في عام 2024، فوزها بجائزة «الإيقاد» عن تحقيق «القتل على الموبايل في السودان».

وفي واحدة من أبرز محطات التميّز السوداني، تسلّم الصحفيان خالد عبد العزيز والطيب صديق، في أبريل من العام الماضي بمدينة نيويورك، جائزة Overseas Press Club (OPC) عن أفضل تحقيق صحفي استقصائي نُشر عالميًا في عام 2023، نيابةً عن وكالة «رويترز». وتُعدّ هذه الجائزة من أرفع الجوائز الصحفية عالميًا، تتنافس عليها كبريات المؤسسات الإعلامية.

كما احتفى الوسط الصحفي في أغسطس الماضي بحصول الصحفية زينب محمد صالح على زمالة الصحفيين العرب الزائرين من مركز وودرو ويلسون بالولايات المتحدة، كأول صحفية سودانية تنال هذا التميّز.

ولم يقتصر التميّز على الأفراد، إذ فازت شبكة «عاين» بجائزة التوليب العالمية لحقوق الإنسان لعام 2025، التي تمنحها الحكومة الهولندية للمدافعين عن حقوق الإنسان، تقديرًا لجهودها في توثيق الانتهاكات ونقل الحقيقة في السودان رغم المخاطر الجسيمة.

كما اتسعت دائرة الجوائز لتشمل الصحفية هيام تاج السر، التي حلّت في المركز الثالث أفريقيًا في كتابة المقال من الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية، والصحفي منصور الصويم الفائز بأفضل عمل صحفي ضمن مشروع «صحافة النزاع» من مؤسسة طمسون فاونديشن، إلى جانب محمد سعيد حلفاوي، ومشاعر دراج، وإخلاص نمر، التي نالت جائزة الإيقاد للإعلاميين المهتمين بقضايا البيئة وتغير المناخ. وشمل التميّز أيضًا اختيار الصحفي حيدر عبد الكريم مدربًا متخصصًا في استخدامات الذكاء الاصطناعي في الصحافة، ضمن برامج شبكة «أريج» ومبادرة أخبار جوجل، حيث أسهم في تدريب عشرات الصحفيين السودانيين.

ويرى السكرتير العام لنقابة الصحفيين السودانيين، محمد عبد العزيز، أن هذه النجاحات لا يمكن النظر إليها كإنجازات فردية فحسب، بل بوصفها تعبيرًا قويًا عن صمود الصحافة السودانية في واحدة من أكثر مراحلها قسوة. واعتبر أن الفوز بجوائز عالمية في ظل الانهيار المؤسسي والاستهداف المباشر للصحفيين وغياب شروط السلامة المهنية، يمثّل «مفارقة موجعة، لكنها كاشفة عن عمق الإرادة وقوة الالتزام المهني لدى الصحفيين السودانيين».

وبحسب إحصاءات، تسببت الحرب التي تجاوزت شهرها الثاني والثلاثين في مقتل 33 صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي، وإجبار أكثر من 90% من العاملين على ترك وظائفهم، إلى جانب تهجير أكثر من 500 صحفي وصحفية. ورغم هذه الأرقام القاتمة، جاءت الجوائز لتؤكد أن الصحافة السودانية ما تزال قادرة على الصمود، وأن الكلمة الحرة قادرة على الوصول إلى أعلى منصات التقدير العالمية.

من جانبها، اعتبرت سكرتيرة الحريات بنقابة الصحفيين، هانم آدم، هذه النجاحات «تاجًا يزيّن رؤوس جميع الصحفيين السودانيين» الذين واصلوا عملهم رغم المخاطر من قتل وتشريد وتضييق. وأشارت إلى أن النقابة انتبهت مبكرًا لأهمية تعزيز مهارات الصحفيين بعد اندلاع الحرب، فنفذت دورات في الأمان الرقمي، ومكافحة المعلومات المضللة، والصحافة الاستقصائية باستخدام الذكاء الاصطناعي، لتمكينهم من العمل في بيئات النزاع.

تؤكد هذه الجوائز، في مجملها، أن القصة السودانية لم تُدفن تحت ركام الحرب، بل وجدت من ينقلها إلى العالم بصدق وحسّ إنساني عميق ومعايير مهنية رفيعة. وهي رسالة سياسية وأخلاقية واضحة مفادها أن الصحافة الحرة لا تُهزم بالحرب، وأن صوت السودان سيظل حاضرًا طالما هناك من يكتب باسم الحقيقة والإنسانية.

Exit mobile version