حاتم ايوب ابوالحسن
ليست المأساة في أن تتمرد جماعة مسلحة على الدولة، بل في أن تكون الدولة نفسها هشّة إلى الحد الذي يسمح لجماعة أن تحلّ محلها، أو أن تفاوضها من موقع الندّية. هنا لا نتحدث عن فشل عابر أو أزمة انتقال سياسي، بل عن إنهيار فكرة الدولة ذاتها. السودان اليوم ليس حالة استثنائية، بل نموذج مكثّف لمسار خطير تعيشه دول عديدة: دول بلا مؤسسات، وجماعات بلا حدود.
في الحالة السودانية، لم تبدأ الأزمة مع إندلاع الحرب، بل سبقتها سنوات طويلة من تفكيك الدولة من الداخل. أنظمة شمولية متعاقبة حوّلت الجيش إلى أداة سلطة لا مؤسسة وطنية، وأفرغت الخدمة المدنية من مهنيتها، وربطت السياسة بالولاء لا بالمواطنة. لم يُبنَ عقد اجتماعي جامع، ولم تُحترم قاعدة احتكار الدولة للعنف المشروع، فكان طبيعيًا أن يولد السلاح خارجها، وأن ينمو حتى ينازعها السيادة.
الدعم السريع لا يمثّل انحرافًا عن هذا المسار، بل ذروته. هو نتاج مباشر لسياسات رسمية اعتمدت تفويض العنف بدل إصلاح الدولة، واستخدمت المليشيا كأداة مؤقتة، قبل أن تتحول إلى قوة دائمة. وحين اختلّ ميزان القوة، لم تعد الدولة مرجعية أو حكمًا، بل ساحة صراع وغنيمة. ما يجري اليوم في السودان ليس صراعًا تقليديًا على الحكم، بل معركة على من يملك حق تعريف الدولة وحدودها ومعناها.
هذا النموذج يتكرر بأشكال مختلفة في الإقليم. في لبنان، تعيش الدولة تحت سقف قوة عسكرية واحدة تمتلك قرار الحرب والسلم، بينما تُترك المؤسسات لتقاسم العجز والشلل. في إيران، تراجع دور الدولة لصالح جهاز أيديولوجي–عسكري يهيمن على السياسة والاقتصاد باسم الثورة، ويعمل فوق المساءلة. في كل هذه الحالات، لا تكون الجماعات أقوى لأنها تمثل المجتمع، بل لأنها تعمل في فراغ دولة ضعيفة، وتستمد قوتها من غياب القانون لا من شرعية شعبية حقيقية.
المعضلة الأخطر أن هذه الجماعات—سواء كانت في موقع السلطة أو في موقع المعارضة—لا يمكنها الاستمرار دون صراع دائم. السلام يهدد وجودها، والدولة القوية تُنهي دورها. لذلك تُدار الحروب بلا أفق، ويُعاد تدوير الخوف، ويُصنع العدو باستمرار، وتُبرَّر الانتهاكات بوصفها ضرورات أمنية أو عقائدية. المدنيون، في السودان كما في غيره، لا يُعاملون كضحايا عرضيين، بل كجزء من معادلة الردع: القتل، النزوح، التجويع، وانهيار التعليم والصحة أدوات ضغط بقدر ما هي نتائج حرب.
وسط هذا الخراب، يقف المجتمع الدولي موقفًا مزدوجًا: خطاب أخلاقي عن السلم والأمن الدوليين، وممارسة سياسية تتعامل مع الأقوى على الأرض لا مع الأعدل مشروعًا. تُدار النزاعات عبر تفاوض هشّ، لا تُعالج جذورها. تُمنح الجماعات المسلحة شرعية الأمر الواقع، بينما تُترك فكرة الدولة مؤجلة باسم “الواقعية السياسية”.
السودان اليوم يقدّم درسًا قاسيًا لا يحتمل التأجيل: لا سلام مع السلاح خارج الدولة، ولا انتقال سياسي مع تعدد الجيوش، ولا حماية حقيقية للمدنيين في ظل تفويض العنف. أي تسوية تتجاوز هذه الحقائق ليست حلًا، بل إعادة إنتاج للأزمة في شكل مؤجّل.
الخاتمة: من يدير الفوضى يتحمّل مسؤوليتها
لم يعد مقبولًا أن يختبئ المجتمع الدولي خلف لغة القلق والدعوات العامة بينما تُفكَّك الدول أمام أعينه. في السودان، كما في غيره، لا تتحمل الجماعات المسلحة وحدها مسؤولية الخراب، بل يتحملها أيضًا نظام دولي اختار إدارة الفوضى بدل منعها، والتعايش مع الأمر الواقع بدل تغييره.
القوى الدولية الكبرى تتحمل مسؤولية مباشرة حين تتعامل مع المليشيات كأطراف سياسية دون اشتراط تفكيك سلاحها، وحين تساوي بين الدولة كفكرة وبين من ينازعها بالقوة، وحين تفرض تسويات سريعة تراعي موازين القوة لا حقوق الشعوب. الصمت عن شبكات التمويل الإقليمي، وغضّ الطرف عن اقتصاد الحرب، ليس حيادًا بل مشاركة غير مباشرة في استدامة الصراع.
المنظمات الدولية بدورها فشلت حين اختزلت حماية المدنيين في بيانات وتقارير بلا ردع، وحين تعاملت مع الانتهاكات كأرقام لا كجرائم لها فاعلون معروفون. تأجيل العدالة ليس حلًا سياسيًا، بل رسالة واضحة بأن الإفلات من العقاب مقبول طالما أن الجناة أقوياء.
أما الدول الإقليمية التي استخدمت هشاشة السودان ساحة نفوذ أو تصفية حسابات، فهي شريكة كاملة في الكارثة. السيادة لا تُنتهك فقط بالجيوش، بل أيضًا بالمال والسلاح والدعم السياسي غير المعلن.
الرسالة يجب أن تكون صريحة: لا استقرار دون دولة، ولا دولة مع جماعات مسلحة، ولا سلام مع شرعنة الفوضى. كل من يملك القدرة على الفعل ويختار الصمت أو المراوغة، لا يملك لاحقًا حق الادعاء بالبراءة. السودان ليس مأساة محلية، بل إنذار مبكر لعالم يعتاد انهيار الدول، ثم يتفاجأ باتساع رقعة الفوضى.
كاتب سوداني