سوء التغذية يهدد حياة الأطفال في السودان

إبتسام حسن

خلفت الحرب المستمرة منذ قرابة ثلاث سنوات مشكلات واسعة، كان من أسوأ آثارها النزوح وسوء التغذية، خاصة وسط الأطفال. 

ويعد سوء التغذية داء عضالاً عجزت الجهات المعنية عن مكافحته في ظل تردي الأوضاع بالولايات المتأثرة بالحرب، لا سيما ولايات دارفور وكردفان.

 وزاد من تفاقم الأزمة طول فترات النزوح التي يقضيها الأطفال مع ذويهم، وكانت مشكلة سوء التغذية عند الأطفال قائمة قبل إندلاع الحرب، خصوصًا في ولايات شرق السودان، إلا أن الحرب ضاعفت الحالات وجعلت الوضع أكثر خطورة، باعتراف جهات الاختصاص.

تزايد مستمر

يقول القيادي بلجنة الأطباء المركزية، محمد فيصل حسن، لـ أفق جديد: إن حالات سوء التغذية تشهد تزايداً مستمراً في ولايات دارفور عموماً. 

وأشار إلى أن الإحصائيات غير دقيقة، إلا أن هناك تقديرات مبنية على أعداد النازحين من الفاشر ومناطق دارفور إلى معسكرات النزوح، حيث فاقت الأعداد عشرات الآلاف، خاصة وسط الأطفال، وكذلك الكبار.

وأوضحت لجنة الأطباء أن أوضاع سوء التغذية وسط الكبار تعد أسوأ، مضيفة أن جميع الوافدين إلى المعسكرات يصلون في حالات صحية سيئة للغاية، بعد رحلات نزوح تستغرق أياما أو أسابيع، سواء من داخل دارفور أو إلى معسكرات بالشمالية والدبة.

يرجّح أن يكون سبب تفشي المرض، إما الأوضاع المعيشية المتدهورة والحصار في ولاية شمال دارفور، أو فترات النزوح الطويلة، خاصة مع منع قوات الدعم السريع المنظمات من دخول الفاشر لأداء دورها.

 واعتبرت اللجنة الطبية أن الاحتمال الأكبر لتفاقم سوء التغذية يعود إلى الأوضاع داخل المنطقة، كما هو الحال في ولايات كردفان، خاصة جنوب كردفان، والمدن المحاصرة مثل كادقلي والدلنج.

إحصائيات مبشرة

كشفت لجنة الأطباء عن إحصائيات حتى الشهر الماضي ووصفتها بالمبشرة نسبيا، ويبلغ عدد سكان كردفان ما بين 1.2 إلى 1.5 مليون نسمة، بينما تجاوز عدد النازحين داخليا 272 ألف شخص. ومن بين السكان نحو 714 ألف طفل، بينهم 294 ألف طفل دون سن الخامسة. 

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة ولجنة الأطباء، فإن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية يقدّر بنحو 63 ألف طفل، من بينهم 10 آلاف يعانون من سوء التغذية الحاد، والذي قد يؤدي، في حال عدم تداركه وعلاجه، إلى الوفاة خلال أسابيع.

وأفادت التقارير بأن 96% من الأسر النازحة لا تستطيع توفير احتياجاتها من الغذاء والمياه، كما أن 75% من هذه الأسر على الأقل لديها طفل واحد مصاب بسوء التغذية، في ظل أوضاع إنسانية بالغة السوء.

توقف المستشفيات

وأفاد آخر تقرير للجنة الأطباء إلى توقف 50% من المستشفيات في القطاعين العام والخاص بمدينة كادقلي عن الخدمة تماما، بسبب الحصار ونقص المعينات الطبية والأدوية وندرة الأخصائيين والكوادر العاملة، إضافة إلى الاستهداف المباشر والقصف الجوي والثقيل للمستشفيات والمرافق الخدمية. 

ونتيجة لذلك خرج نصف الخدمات الصحية عن الخدمة، وأصبح النظام الصحي في كادقلي تحت ضغط هائل ومهدد بالانهيار، بينما وصل الوضع في الفاشر إلى مرحلة الشلل التام.

الظاهرة في 11 ولاية

تنتشر ظاهرة سوء التغذية وسط الأطفال في عدد مقدر من الولايات، لا يقل عن 11 ولاية، وفاقمت الحرب من حدتها. وقال الأمين العام للمجلس القومي للطفولة، عبد القادر محمد، في تصريح لـ«أفق جديد»، إن المجلس وضع تصورا لمعالجة المشكلة، وناقشها في مؤتمر المسؤولية الاجتماعية والتفاعلات العلمية مع علماء التغذية.

وأوضح أن الدراسات أظهرت تمركز المشكلة في ولايات شرق السودان، وهي البحر الأحمر والقضارف وكسلا، حيث تبلغ نسبة الإصابة بسوء التغذية نحو 65% وسط الأطفال، ما يعكس ضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية بالتغذية ووزارة الصحة والمجالس المختصة بالطفولة. وأضاف أن المجلس ناقش القضية عبر عدة محاور وخرج بتوصيات، أبرزها استدامة الموارد، مشيرا إلى أن نسبة الإصابة في القضارف بلغت 35%، وفي كسلا تجاوزت 55%، بينما بلغت في القضارف والبحر الأحمر 65%، وهو مؤشر بالغ الخطورة.

وأكد عبدالقادر أن سوء التغذية له مضاعفات خطيرة تؤدي إلى الهزال الشديد وسط الأطفال، وأن علاج المشكلة يتطلب موارد وجهودا مستمرة. 

وأشار إلى أن المجلس نظم ورشا مع جهات مختصة، وأن من مهام صندوق دعم الطفل تغذية هذا الجانب بشكل مستدام. 

وأضاف ، أن المجلس ينتظر عرض الملف على مجلس الوزراء لإصدار قرار داعم، لافتا إلى تأكيد وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية عقد اجتماع بهذا الخصوص.

ولفت إلى استمرار التنسيق مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية والجامعات، مثل جامعة الأحفاد، للاستفادة من الغذاء المحلي كالقمح والذرة ضمن برامج تغذوية مستمرة في الحضانات والمدارس، وكذلك دعم الأمهات المرضعات والحوامل بمكملات غذائية للحد من سوء التغذية.

 واعتبر الأمين العام للمجلس أن سوء التغذية أخطر مرض في العالم وأكثره انتشارًا في السودان، مؤكدا استمرار العمل والورش المتخصصة لتحقيق استدامة التغذية للأطفال المصابين.

من جانبها، عبّرت شبكة أطباء السودان عن بالغ قلقها إزاء الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية الحاد وسط الأطفال، خاصة في مناطق النزاع والنزوح، محذرة من تهديد حياة آلاف الأطفال وتعريضهم لمضاعفات صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

وأكدت الشبكة أن تدهور الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن الغذائي وتعطل الخدمات الصحية ونقص الإمدادات العلاجية أسهمت مباشرة في تفاقم الأزمة. 

ودعت السلطات المختصة والمنظمات الدولية إلى التحرك العاجل لتوفير الغذاء العلاجي، ودعم المراكز الصحية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق حماية لحق الأطفال في الحياة والصحة.

ورصدت الشبكة جملة من الإجراءات المطلوبة لمحاربة سوء التغذية، تشمل: توفير الأغذية العلاجية الجاهزة للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، ودعم مراكز التغذية والمستشفيات بالأدوية والمستلزمات الأساسية.

وكذلك تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع والنزوح ودعم الأسر الفقيرة.

بالإضافة إلى تحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي للحد من الأمراض المصاحبة و

إدماج برامج التغذية ضمن السياسات الصحية الوطنية.

Exit mobile version