شرحبيل أحمد .. حضور الوطن في ظل الغياب

أفق جديد
وجعُ البلد كان حاضرًا في التفاصيل الصغيرة، لا بوصفه فكرة معلّقة أو شعارًا مرفوعًا، بل كإحساسٍ خفيّ تسلّل إلى القاعة قبل أن يبدأ الاحتفال رسميًا. مسرح الجلاء في القاهرة لم يكن في تلك الليلة مجرّد فضاءٍ للعرض، بل بدا وكأنه امتداد رمزي لمقرن النيلين، حيث يلتقي الأزرق بالأبيض دون ادّعاء نصرٍ ولا إعلان هزيمة، بل في حالة تماهٍ تشبه حال السودان وهو يستدعي رموزه الثقافية في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة وتضيق فيه الإجابات.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن ما يجري يتجاوز فعالية فنية عابرة. انزياح الستار كشف عن لوحة أُعدّت بعناية: طفلة تتقدّم وهي تحمل علم السودان، يتبعها الفنان شرحبيل أحمد بخطى هادئة، ومن خلفه الإعلامي طارق كبلو والمذيعة تسنيم رابح بثوبها الأبيض وطلتها الأبنوسية. لم يكن هذا الدخول مجرد ترتيب بروتوكولي، بل رسالة بصرية مكتملة تقول إن هذا التكريم ليس لشخصٍ عابر، بل لحظة استدعاء وطنٍ كامل إلى الخشبة. إن أخطأتها العين، التقطها القلب.
انطلقت فقرات الاحتفال بتحية العلم، في مشهدٍ بدا فيه الوقوف جماعيًا أقرب إلى طقس وجداني منه إلى إجراء رسمي. ثم توالت كلمات المنصة التي قدّمها طارق كبلو وتسنيم رابح، فاستحضرت سيرة فنانٍ لا يُختصر في لقب “ملك الجاز” وحده، بل يتجاوز ذلك إلى كونه أحد أبرز المجددين الذين وسّعوا أفق الأغنية السودانية دون أن يقتلعوها من جذورها. وكان لافتًا حضور أغنية “الليل الهادي” بوصفها أيقونة فنية تتوارثها الأجيال، ودليلًا على قدرة شرحبيل أحمد على صناعة عملٍ يعيش خارج زمن إنتاجه.
القاعة التي تجاوز عدد الحضور فيها ألف شخص، كانت مشحونة بمحبةٍ صادقة ودفءٍ إنساني نادر. لم يكن الجمهور حاضرًا ليستمع إلى الموسيقى فقط، بل ليؤكد انتماءه إلى ذاكرة جماعية، وإلى سردية ثقافية ما تزال تمثل إحدى آخر مساحات الإجماع الوطني. في التصفيق الطويل، وفي الصمت الذي يتخلله، كان يمكن قراءة حنينٍ كثيف، وشعورٍ بأن هذا التكريم موجّه بقدر ما هو للفنان، إلى فكرة الاستمرار ذاتها.
وفي كلمته، استعاد الفنان شرحبيل أحمد محطات رحلته الإبداعية بهدوءٍ يشي بعمق التجربة. تحدّث عن البدايات في المدرسة، ثم عن كلية الفنون الجميلة، حيث تفاعلت داخله الفنون المختلفة لتخرج في أشكال متعددة من التعبير شملت التشكيل والتمثيل والموسيقى. وأكد أن هذا التعدد لم يكن عبئًا يومًا، بل جزءًا أصيلًا من تكوينه، ومن نظرته إلى الفن بوصفه مساحة حرّة للتجريب والانفتاح، لا قيدًا ولا قالبًا جاهزًا.
الموسيقى تولّت مهمة استكمال ما لم تقله الكلمات. أوركسترا “التبر”، بقيادة د. الفاتح حسين ود. كمال يوسف، قدّمت مقطوعات أعادت الذاكرة إلى محطات مضيئة في تجربة الفنان، من بينها أغنية “قلبي دق” كلمات سعد قسم الله، حيث امتزج الطرب بالحنين في لحظةٍ وجدانية كثيفة، تفاعل معها الجمهور بوصفها جزءًا من سيرته الشخصية لا مجرد عملٍ فني.
وقال نصرالدين شلقامي، رئيس اللجنة العليا لتكريم الفنان شرحبيل أحمد، إن هذا الاحتفاء يأتي تقديرًا لرمزٍ خطّ سطورًا ذهبية في وجدان السودانيين منذ أربعينيات القرن الماضي، وأسهم في تأسيس مدرسة الجاز السودانية في ستينيات القرن العشرين، التي أصبحت جزءًا أصيلًا من الوجدان الوطني. وتوقّف عند إسهاماته المتعددة في المسرح والسينما والتلفزيون، من بينها مسرحية “نبتة حبيبتي” وفيلم “الخرطوم” الوثائقي، وأعمال أخرى رسّخت حضوره كفنان شامل لا يقف عند حدود نوعٍ واحد من الإبداع.
كما أشار شلقامي إلى البعد الإنساني في مسيرة الفنان، ودوره الأسري في دعم حرية الإبداع، بدءًا بزوجته الفنانة زكية، أول امرأة تعزف على الجيتار وتشاركه الفرقة، وهي شاعرة وملحنة وركيزة أساسية في مسيرته، وصولًا إلى تشجيعه لبناته على ارتياد الفنون، في نموذج أسري نادر يرى في الإبداع حقًا لا ترفًا.
وأكد المتحدثون أن هذا التكريم يأتي في وقتٍ يمر فيه السودان بتحديات وجودية وظروف قاسية، ليكون بمثابة رسالة تعافٍ وأمل، مفادها أن الفنون قادرة على تعمير النفوس ومداواة الجراح. ولم يكن اختيار القاهرة مصادفة، فقد ارتبط الفنان شرحبيل أحمد بالفن المصري منذ بواكير تجربته، وظلّ هذا الارتباط حاضرًا في مسيرته الفنية.
وفي مداخلة لافتة، قال المهندس مجدي طه، الرئيس التنفيذي لشركة سوداني، إن شرحبيل أحمد استطاع أن يربط الفن بالعالمية دون أن يفقد هويته، مؤكدًا أن الفن تهذيب وتربية، ومساحة يمكن للسودانيين أن يتوحدوا فيها حول ما يجمعهم لا ما يفرقهم، وأن شخصية “عمك تنقو” ستظل جزءًا أصيلًا من ذاكرة الطفولة السودانية الجمعية.
وشهدت الليلة لحظة وجدانية خاصة حين تغنّى الفنان شرحبيل أحمد برائعة العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ “أهواك”، في أداءٍ جاء بمثابة تحية وفاء للشعب المصري. تفاعل معها الجمهور السوداني والمصري بمحبةٍ صادقة، في مشهدٍ جسّد معنى أن يكون الفن لغة مشتركة قادرة على صناعة الجسور الإنسانية بين الشعوب.
كما شهدت الأمسية مشاركات فنية مميزة، من بينها الفنان النوبي محمد خالد سكوري، الذي قدّم أغنيات من تراث شرحبيل أحمد، معتبرًا أن هذا الاحتفاء رسالة سلام ودعوة صادقة للسلام في السودان، إلى جانب أعمال مستمدة من التراث الصوفي، وأغانٍ مثل “لو تعرف الشوق” و“البهجة في عينيك” كلمات الوليد إبراهيم.
وتوالت الشهادات الفنية من أسماء بارزة، من بينها يوسف الموصلي وصلاح براون وعادل حربي، الذين أجمعوا على أن شرحبيل أحمد ليس فقط “ملك الجاز”، بل سفير إنساني لا يحتاج إلى تأشيرة، وفنان يمتلك أداءً دراميًا عاليًا وحضورًا مسرحيًا فريدًا.
وحملت مشاركة أسرة الفنان بعدًا إنسانيًا مؤثرًا، بحضور أبنائه وأحفاده وبناته، حيث عبّر شريف شرحبيل عن فخره بوالدته، واصفًا إياها بطاقة العطاء والدعم، خاصة للفتيات في الأسرة، فيما عبّر شرحبيل أحمد نفسه عن امتنانه للحضور بكلمات مقتضبة لكنها عميقة: “محبتكم في قلبي هنا”.
وفي ختام الفقرات الفنية، ملأت الأصوات السودانية أجواء المسرح بحبٍ وفخر لفنانهم، في تواصلٍ حيّ بين الأجيال، حيث قدّمت فرقة “أصوات سودانية” بقيادة الدكتور النور حسن لوحة فنية لافتة، شملت أغنية “حرام يا قلبي” بصوت منى مجدي، إلى جانب أداء “اللابس البمبي” من تراث شرحبيل، في مشهدٍ جسّد وفاء الأجيال وعمق الإرث الفني.
واختُتمت فعاليات التكريم بتكريم عدد من الجهات والشخصيات الداعمة، من بينها السفارة السودانية بالقاهرة، وإدارة مسرح الجلاء، و“قاليري ضي”، والمركز الثقافي الفرنسي، ومعهد غوته، إلى جانب تكريم روح الفنان الراحل عبدالقادر سالم، لتُسدل الأمسية ستارها على احتفاءٍ أكد أن الفن السوداني، مهما اشتدت العواصف، يظل حيًا بنبض محبيه، وقادرًا على ترميم الذاكرة وصناعة الأمل.
في تلك الليلة، لم يكن وجع البلد غائبًا، لكنه كان حاضرًا على طريقته الخاصة: صامتًا، مُصغيًا، وأقلّ وحدة… ولو قليلًا.





