على حافة الأفق … 

مساءلة الموروثات الثقافية السودانية

د. صلاح عوض

الحرب الراهنة لم تكن الأولى في السودان ولكنها الأكثر شمولاً وسبقتها سلسلة متواصلة من الحروب و النزاعات المسلحة، وفي تناول التحليلات المتكررة لهذه الحالة الملتهبة دوما يكون التركيز على العوامل السياسية و الاقتصادية، مثل فشل بناء الدولة الوطنية، أو التهميش التنموي، أو الصراع على السلطة و الموارد. غير ان هذا التركيز على أهميته، ظل يغفل بعداً حاسماً يتمثل في العامل الثقافي بوصفه حاضنة رمزية و سلوكية للعنف.

وهنا نحاول الاسهام لإزالة هذه ” الغفلة “عبر مساءلة الموروثات الثقافية السودانية ليس بوصفها تراثاً ثابتاً بل باعتبارها منظومة ديناميكية أعيد توظيفها سياسياً و عسكرياً، وأسهمت في تطبيع الحرب و اضفاء شرعية اجتماعية عليها.

و بدءا نشير الي ” الثقافة” بوصفها منظومة من القيم و الرموز و المعاني التي توجه السلوك الاجتماعي، ومنها لا يفهم العنف فقط كفعل مادي، بل كمنتج ثقافي تسبقه عمليات تبرير رمزي و أخلاقي.

وعند استدعاء أدوات التحليل النقدي للأدبيات التاريخية و السياسية السودانية مقرونة بالخطاب الشعبي، السياسي و الديني المرتبط بالحرب، يمكن لنا ان نصل الي المحددات ادناه:

العصبية القبلية و الولاءات الأولية، رغم التعدد الأثني و الثقافي إلا ان هذا التعدد لم يصهر في إطار وطني جامع، و بدلاً عن ذلك إستمرت القبلية كوحدة ولاء أساسية تقدم فيها رابطة الدم و الجهة علي رابطة المواطنة.

في الثقافة السودانية التقليدية، تعد ” النصرة ” قيمة أخلاقية عليا لكنها كثيراً ما انفصلت عن معيار العدالة، لتصبح نصرة مطلقة للجماعة. في سياق الحرب، تحولت هذه القيمة الي أداة تعبئة حيث جرى تصوير الصراع بوصفه دفاعاً عن الشرف و الوجود ، لا نزاعاً سياسياً قابلاً للحل.

الموروث الشفهي وتمجيد العنف، يلعب الموروث الشفهي – من شعر وغناء وسير شعبية- دوراً مركزياً في تشكيل الوعي الجمعي. وعلى الرغم من دوره في حفظ الذاكرة، إلا انه غالباً ما يربط البطولة بالقوة الجسدية والغلبة، يمجد الثأر بوصفه إستعادة للكرامة و يرسخ صورة المحارب كرمز للرجولة المكتملة.

وفي الحرب الراهنة اعيد توظيف هذه الرموز في الأغاني الحماسية و الشعارات القتالية ما اسهم في تطبيع العنف و اضفاء بعد احتفالي عليه.

ثقافة السلاح والحرب بوصفها نمط عيش، في أقاليم عاشت حروباً طويلة مثل دارفور و جبال النوبة،  وفيها تشكلت ثقافة تري السلاح جزءا من الحياة اليومية مع الزمن، لم تعد الحرب إستثناءا،  بل مصدر دخل،  وسيلة صعود اجتماعي و أداة تفاوض مع الدولة.

إنتقال هذه الثقافة الي المركز خلال الحرب الدائرة اليوم كشف ان ” مدنية ” المدن السودانية كانت هشة قائمة علي غياب العنف لا علي تجاوزه ثقافياً.

الذكورية السياسية و احتقار التسوية، حيث اتسمت الثقافة السياسية السودانية بطابع ذكوري واضح، حيث تربط القيادة بالحسم و القوة، بينما تصور التسوية و التفاوض كعلامات ضعف و هذا التصور أفضي لتهميش الأدوار المدنية و خاصة النسوية و عزز حضور العسكر بوصفهم ” حماة الوطن ” و جعل الحرب لغة سياسية مقبولة.

الذاكرة الجماعية المثقوبة و غياب المساءلة،  لم يشهد السودان عمليات جادة للعدالة الانتقالية أو مراجعة نقدية لتاريخه الحربي، ونتيجة لذلك لم تدان الجرائم وصفها جرائم أخلاقية، لم تتحول الذاكرة الي أداة تعلم و منها استمرت الحرب كخيار سياسي مشروع.

الدين كموروث تعبوي، وهنا نقول ان المشكلة لا تكمن في الدين ذاته بل في توظيفه الثقافي حيث جري اختزال القيم الدينية في الطاعة و الاصطفاف و تبرير العنف باسم الضرورة او الفتنة و منها تغييب قيم العدالة و الحرمة الإنسانية.

نخلص الى أن الحرب في السودان ليست فقط فشلاً سياسياً، بل اخفاقاً ثقافياً عميقاً. فالموروثات التي لم تراجع نقدياً تحولت إلى موارد رمزية لتبرير العنف، و عليه فان بناء السلام يقتضي مشروعاً ثقافياً الأفق.

وأيضا يجئ السؤال هل يمكن تأسيس ثقافة علي نقيض الثقافة المنتجة للحرب؟

تأسيس الثقافات لن يكون فعلاً تلقائياً ولا أخلاقياً مجرداً، بل مشروع تاريخي طويل يتطلب صراعاً ثقافياً منظماً باعتبار ان الثقافة لا تلغي بقرار ولا تستبدل بخطاب و عظي.

لكنها تفكك ويعاد تركيبها عبر نزع الشرعية عن أنماط رمزية بعينها (تمجيد العنف)، و إعادة تعريف القيم المركزية ( الرجولة، البطولة، الشرف، القوة مع إنتاج روايات و حكي بديل قابل للتداول الشعبي مع تأكيد ان الثقافة لا تسقط بل تهزم رمزيا و يكون ذلك عبر آليات مجربة  وفاعلة، و يكون منها المناهج التعليمية و التربوية، الميديا، الأغنية و  السيرة الذاتية للضحايا لا المحاربين. 

وتكون مرتكزات هذه الاليات، نزع البطولة باعتبارها حماية الحياة و قول الحقيقة، و تفكيك العصبية لصالح المواطنة ليس عبر انكار القبيلة بل عبر ارتباطها بالعنف و تحويلها الي رابطة اجتماعية لا سياسية -عسكرية.

وكذلك يمكن إضافة اليات اخرى فعل الحوارات المجتمعية المحلية، و سن قوانين تجرم العنف الجماعي.

الرجولة و القيادة التي بالضرورة انتقال فهمهم من السيطرة إلى المسئولية، من القسوة إلى الرعاية حتي الغلبة إلى القدرة على الحل بالتالي يمكن لنا تفكيك صورة القائد  المنقذ .واستعادة الذاكرة بوصفها عدالة، ولا سلام دون ذاكرة كاملة، و ذلك بتسمية الجرائم، الاعتراف بالضحايا، تحميل المسؤولية الأخلاقية، و ذلك عبر لجان الحقيقة، متاحف ذاكرة، شهادات علنية مع توثيق شعبي إضافة للرسمي. وتحرير الدين من وظيفته التعبوية وذلك بإعادة الدين الي مركزه القيمي لا موقعه السياسي التعبوي،  ويكون ذلك عبر إصلاح الخطاب الديني،  تدريب الائمة،  بالتالي يتحالف الدين مع حقوق الانسان لا مع السلاح.

بالطبع هنالك سؤال يأتي بعد هذا التشريح الموجز، وهو من يقود هذا التحول،  قطعا ليس الدولة وحدها و ليس النخبة الثقافية فقط، بل هو واجب تحالف اجتماعي واسع علي رأسه المبدعون و المعلمون، النساء و الشباب و الصحفيون مع مبادرات قاعدية لان التحول الثقافي لا يدار من فوق بل يراكم في الأسفل.

هذّ الأنتباهة حول مساءلة الموروثات الثقافية جاءت بعد تعقب وفحص نقدي للتجربة الرواندية التي هزمت عقلية الإبادة الجماعية التي حصدت أرواح مليون مواطن في خلال مائة يوم، فهل لنا ان نفكر بعمق نحو سودان بلا حرب و لكن بذاكرة الحرب العلنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى