دولة 56 (المستقلة) .. سبعين سنة في انتظار (البركة)..!؟

 

شمس الدين ضوالبيت

أصبح بعضنا يتحرج من استخدام مصطلح دولة 56، ومن الحديث عن العودة إلى منصة التأسيس. السبب معروف. بالنسبة للبعض، فهذه هي اليوم مصطلحات الدعم السريع والحركات المسلحة، ومن يستخدمها فهو –بالنسبة لهؤلاء البعض- إما منهم أو داعم لهم.. كثيرون من هؤلاء يتجاهلون أن تاريخ هذه المصطلحات لم يبدأ بحرب أبريل أو ما قبلها من حروب أهلية.. فهذه في الأصل هي مصطلحات وتعابير الفكر السياسي والمجتمع المدني السوداني في تناوله لقضايا الدولة والسياسة منذ أمد، ووجودها في الحوار السوداني العام سابق لنشأة الدعم السريع وقبل تأسيس الحركات المسلحة.. ما حدث هو أن الدعم السريع أوالحركات المسلحة ربما (تبنت)، أو (استخدمت) هذه المفاهيم في خطابها السياسي.. حدث ذلك من قبل حتى مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (الأم)، عندما تبنت شعار (السودان الجديد). لأن تعبير السودان الجديد كان أسم صحيفة سودانية تأسست عام 1944 (قبل عام من ميلاد د. جون قرنق)، لكي (تعالج .. وتصور حالة البلد الناشئ في طور الانتقال)، كما قال مؤسسها أحمد يوسف هاشم في عددها الأول. 

موقفي، أن مجتمع الفكر السياسي والمجتمع المدني يجب ألا يتخلى عن مفردات خطابه لأن جهات أخرى صارت تستخدمها.. بل الواجب هو التمسك بها وبمعانيها المدنية، ومنع (حزبنتها)، أو (تسطيح) معانيها، أو إساءة استخدامها كأسلحة في الصراع الحزبي، أو كأدوات لتصنيف الناس والتنمر عليهم، أو لتحويل اللغة إلى معول لتقسيم السودانيين، بدلاً من أن تكون جسوراً للتواصل بينهم ..

السبب الثاني للحرج أن بعضاً آخر منا يرى في انتقاد دولة 56، انتقاداً لآبائنا المؤسسين، الذين رفعوا علم الاستقلال أو شعار “السودان للسودانيين”، باعتبار أن دولة 56 هي الدولة التي أسسها هؤلاء الآباء.. في الحقيقة أن هؤلاء الآباء هم جزء من حركة التحرر الوطني التي شملت كل المستعمرات في القرن العشرين، وقد انصب جهدهم على إخراج المستعمر من بلدانهم، ظهر ذلك في شعارهم (تحرير لا تعمير)، وهو ما أنجزوه بنجاح.. أما الاستقلال والتعمير فموضوع آخر تحكمت فيه، في حالات كثيرة، عوامل أكبر منهم، كما أن الموضوع يشمل مسئولية من جاءوا بعدهم للحكم والسلطة .. 

لذلك فالحديث عن دولة 56 في هذا السياق هو حول مسار الدولة بعد إخراج المستعمر ورفع علم الاستقلال، وما تحقق من ذلك الاستقلال ومن التعمير أو لم يتحقق، ولماذا.. هو تجاوب مع الحديث المتكرر الناقد لدولة ما بعد الاستعمار، ومع المطالبات بإعادة هيكلة الدولة، والعودة لمنصة التأسيس، بعد سبعين سنة.. لماذا إعادة الهيكلة؟ ومالها منصة التأسيس؟ ما الخطأ فيها..!؟  

ضرورة مساءلة هذه المسارات فأمر ماثل أمامنا اليوم، ليس فقط بسبب تعثر الاستقلال، ولكن أيضاً بسبب الانهيار الشامل للدولة ذاتها. لا يجوز أن يقف احترامنا لآبائنا المؤسسين وجهدهم في إخراج المستعمر حاجزا بيننا وبين نقد المسارات والمآلات التي انتهت إليها الدولة التي تأسست على أيديهم.. على العكس، فالواجب الوطني والاعتراف بجهدهم، يفرض على كل منا أن يتساءل: ما الذي حدث؟ وكيف؟ ومتى حدث؟، حتى تحولت تلك الآمال العريضة في الكرامة والعدالة ودولة لشعبها خادمة مطيعة لا قامعة، أوان رفع علم البلاد- كيف تحولت لتقضي هذه الدولة كل عمرها السبعيني المستقل تحارب نفسها بلا استراحة، وتقاتل شعبها بلا رحمة أو هوادة..لتنتهي كل تلك الآمال العريضة، أمام أعيننا، حطاما وركاما كبيرا..!؟

فما الذي حدث ليحوًل آمال النهضة والتعمير التي تغمر قلوب الناس في لحظات الانعتاق والتحرير إلى دمار، ما الذي انتهى بها في حالة السودان إلى جحيم السعير الذي نعيشه اليوم بعد 70 سنة من تلك اللحظة في تاريخنا ..!؟

سابدأ متابعتي لمسارات ومآلات دولة 56، بعد عام من رفع علم الاستقلال، في ذلك اليوم من أيام شهر فبراير 1957، حين نظر مجلس النواب في بند “طبيعة الدولة” في المسودة المقدمة من لجنة الدستور الدائم المشكلة من المجلس.. نقرأ في محضر تلك الجلسة، كما نقله لنا الأستاذ يوسف محمد علي في كتابه (السودان والوحدة الوطنية الغائبة)، وقد أشرتُ له في كتابات سابقة، أن الأستاذ أحمد خير المحامي اقترح أن يكون البند الأول في الدستور حول طبيعة الدولة، على النحو الآتي:

(السودان جمهورية برلمانية موحدة) .. 

نهض عضو البرلمان السيد ميرغني النصري وأقترح إضافة كلمة (إسلامية) لهذا البند ليكون: (السودان جمهورية إسلامية موحدة)، وأيده العضو عمر البخيت العوض ممثل الهيئات الإسلامية .. 

لكن بعد ذلك مباشرة قام محتجاً العضو ستانسلاوس بياساما عن كتلة جنوب السودان، وقال “أؤكد لكم أنكم لو أجزتم هذا التعديل فسوف أشعر أنا الأفريقي الأصيل صاحب هذا الوطن بأنني غريب في بلدي..؟ أنا أقترح أن يكون البند (السودان جمهورية ديمقراطية فيدرالية)”..

كان كل واحد من تلك المقتراحات الثلاثة يعبر عن قاعدة اجتماعية وسياسية سودانية ..   

فمن جهة هناك تطلع جماهير السودانيين في القطاع الحديث نسبياً بوسط وشمال السودان للديمقراطية .. هذا هو المقترح الأول، وفي هذه القطاع الحديث كانت هناك أيضاً دعوات للاشتراكية ..

من جهة ثانية هناك قوى الدعوة للدولة الإسلامية، وكانت حجتها أن الإسلام هو دين الأغلبية، وفي رأيهم، أن من الطبيعي أن تحتكم الأغلبية لدينها ..

 المجموعة الثالثة هي قوى الهامش السوداني العريض وأشواقها للفيدرالية والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة.

نعلم أن ذلك الدستور الدائم لم يرى النور أبداً ..لأن السودانيين لم يستطيعوا التوافق والتوفيق بين هذه القوى الاجتماعية السياسية الثلاث، حتى في الحد الأدنى، وإلى يومنا هذا. مثل السودان في هذه الحالة استثناء نادراً: مخالفاً لمجتمعات أخرى عدة كانت خارجة لتوها من الاستعمار وبإشكالات وقواعد اجتماعية سياسية شبيهة، ولكنها وجدت في غالبيتها، عند استقلالها أو بعد حين، سبلاً للتوافق والتوفيق، على الأقل على الحد الأدنى المقبول بينها .. 

كل ما حدث في جلسة مناقشة مسودة الدستور تلك أنها أصبحت اللحظة التي جرى فيها تحرير عناصر الصراع الدائر الآن في بلادنا، حين دُشن غياب التوافق السياسي والدستوري بين المواقف المختلفة على أنه المنصة التي تأسست عليها دولة 56. وكان ذلك يعني أن الأمر الواقع وقتها، بانحيازاته الاقتصادية التنموية والاجتماعية التي أوجدها الاستعمار البريطاني المصري لخدمة مصالحه، ومن قبله الاستعمار التركي المصري بجرثومتي الهوية اللتين حقن بهما الجسد السياسي السوداني: السلفية الدينية وإرث الاسترقاق، هذا الواقع القديم المختل الشائه، بقوانينه ومؤسساته ودستوره المؤقت، أصبح هو المسرح الذي على خشبته وبين شخوصه دارت أحداث السبعين سنة اللاحقة.. 

سينتقل السؤال بعد هذه النتيجة الأولى، ليصبح: كيف عصف غياب التوافق الدستوري أو تلك المنصة التأسيسية المختلة آخر الأمر بالدولة، كما هو حادث الآن..!؟ كيف تبدت مجريات الصراع، وما تفاصيلها..؟ كيف دارت (المدافعة) السياسية غير المنظورة..؟ ماذا كان وقودها الدافع..؟ وما هي تجلياتها..!!؟

اول ما عناه غياب التوافق والتوفيق بين مجموعات المتساكنين السودانيين الثلاث كان هو غياب القبول –ناهيك عن الاحترام- المتبادل بين هؤلاء المتساكنين. وبذلك تأسست الدولة المستقلة وتقدمت بها الأيام ومواطنيها لا يعترفون ببعضهم البعض، بل لا يعرفونهم..!

وإذا كان قد حدث اندماج، ولو بعد فترة ليست بالقصيرة، اختصر عناصر الصراع المذكورة إلى أثنين بدلاً من ثلاثة.. وذلك عندما انضاف مقترح الدولة الديمقراطية الفيدرالية الذي قدمه ستانسلاوس بياساما إلى مقترح أحمد خير بالجمهورية البرلمانية، كما حدث على نحو ما في أتفاقية أديس أبابا 1972 واتفاقية السلام الشامل 2005، بوصفهما غير متعارضان، بل يكملان بعضهما البعض في إطار الديمقراطية القائمة على المشاركة والتعددية- فقد ظل الصراع التأسيسي المخفي، غير محدد الأطراف، المنخفض الشدة أحيانا، مرتفعها أحياناً، بين توجه (تقليدي ثم عالم) يدعم (جمهورية إسلامية موحدة) ضد آخر يدعم (جمهورية ديمقراطية فيدرالية)، دائراً في السودان –ولا يزال- طوال سبعين عاماً هي عمر السودان منذ خروج المستعمر..

نعلم من محضر تلك الجلسة الأولى التي شكلت منصة التأسيس المختلة لدولة 56، الحجج التي اعتمد عليها كل فريق في دعواه: السيد ميرغني النصري برر لمقترح الدولة الإسلامية بأن غالب السودانيين مسلمين، ومن حق الأغلبية أن تحكم .. هذا بينما قام اعتراض ممثل كتلة الجنوب على أن (في البلد مواطنيين أصليين لكنهم غير مسلمين)، وأن الدولة الإسلامية لا تستوعب تنوع المجتمع السوداني، وأن الفيدرالية هي التي تناسب ذلك التنوع. 

السيد عمر البخيت العوض، ممثل الهيئات الإسلامية الذي أيد مقترح الجمهورية الإسلامية قدم حجة إضافية لدعم مقترح النصري، قال إن رفض المقترح بحجة أن غير المسلمين لا يرتضونه، هو تضحية برأي (الأغلبية المطلقة)، وهي مسلمة، من أجل غير المسلمين، وهم أقلية. وأضاف نحن نريد حكما إسلاميا، ثم قرأ بصوت عال الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}..  

يمكننا بهذه التصريحات والدفوعات عن المقترحين، استقراء الدوافع والمنطلقات السياسية والعقدية النفسيىة خلف كل واحد منهما: في حالة المطالبة بالديمقراطية والفيدرالية فقد كان ذلك هو التيار الحقوقي العالمي الذي عبر عنه الفكر السياسي الحديث، عندما نص في المادة الأولى من ميثاق حقوق الإنسان على أن (جميع الناس يولدون أحراراً متساوون في الكرامة والحقوق وقد وهبوا ضميرا)، وتسند هذا التيار الحقوقي الدوافع والتطلعات الطبيعية لدى كل نفس بشرية للعدالة والمساواة، او يمكن القول بالمصطلح القرآني إنها {فطرة الله التي فطر الناس عليها}.    

وقد صار معروفاً اليوم أن مكونات المجتمعات المتنوعة لديها تطلع كامن وقوي لرؤية نفسها مشاركة وممثلة في الفضاء العام لبلدانها، في السلطة والثروة والهوية .. وهو ما تعبر عنه قيم المشاركة والعدالة والمساواة المضمنة في الفيدرالية.. 

أما الدوافع النفسية والقناعات العميقة خلف الدعوة للجمهورية الإسلامية، فلقد رأينا أن ممثل الهيئات الإسلامية عندما ثنى مقترح الدولة الإسلامية، هتف بالآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. هذه الدعوة للحكم بما أنزل الله ترتبط عند أهل السنة والجماعة، وهي الجماعة المذهبية التي انتمى إليها مقدموا المقترح، وينتمي إليها السلفيون عامة، بمن فيهم الإخوان المسلمون- ترتبط بـ(إيمان متوارث) بأن الخير العميم الوفير يتنزل على الأمة إذا أقامت (شرع الله) .. وتستند هذه الدوافع على الفهم الظاهري المباشر للآية 96 من سورة الأعراف {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ..}. وأيضاً آية سورة المائدة {ولو أنهم أقاموا التواراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ..} ..

يتشكل وعي الأفراد الذين ينتظرون هذه البركات من (إيمان تقليدي) ومعتقد عميق بأن الخير والبركة، والتي هي في حالة بلداننا: التنمية والخروج من دائرة الفقر والتخلف والتبعية الحضارية والسياسية .. إلى التقدم والنهضة والازدهار- أن هذه البركات (تتنزل) على العباد والبلاد بمجرد إقامة شعائر وتطبيق أحكام معينة، غض النظر عن صلتها بالواقع أو بالأهداف المنتظرة. أي أن هذه البركة، في هذا الاعتقاد التقليدي لا تتعلق بالعمل والتخطيط وربط الأمور بأسبابها، وتوسل الطرائق والدروب العلمية السليمة للوصول إليها.. 

حول هذا (الوعد الأسطوري) تشكل (المخيال الديني)، كما أسماه محمد أركون، مغلفاً بالقداسة، مشحوناً بالعواطف والإشواق إلى أمجاد ماض تليد، مرسخة أحداثه وأشخاصه بعمق في مخيلة المسلمين، يملأ شعور المسلم وإحساسه، ويقدم له غايات دنيوية وأخروية ساحرة تلهب حماسه وتشعل آماله وتهيج مشاعره الدينية.. وعلى استغلال هذا (المخيال الديني)، استندت دعوات الحركات السلفية لإقامة شرع الله وبناء الجمهوريات الإسلامية، في كثير من الأحيان دون تفاصيل إضافية..   

كانت هذه الدوافع الخام غير المعرًفة محركاً خفياً للفعل السياسي في السودان، وذلك في غياب الدستور الدائم والقيادة الوطنية الرشيدة: أي ما يُعرف عادة بـ(السياسة)، التي تعطي موجهات قيمية ومعايير سلوكية وأطر سياسية واعية لإدارة الشأن العام. في الواقع تعرض مفهوم السياسة ذاته للابتذال، فجرى التعامل معه على أنه المقدرة على الوصول إلى السلطة، بأي أسلوب، والاحتفاظ بها والاستمتاع بوجاهاتها وبالثروات التي تنفتح أبوابها بها، وليس على أنها (علم بناء الدول والمجتمعات)، مثل ما هي عليه في حقيقتها ..

صحيح كان هناك مؤتمر الخريجين، والأحزاب التي خرجت منه، وأحزاب جديدة بتأثيرات العالم أو الإقليم، وحركات مسلحة، ونقابات وإتحادات .. لكن لم يكن الفعل السياسي السوداني العام يتحرك وفق مشروع وطني جامع أو وبرامج مدروسة مقصودة تصب في مشروع ما، وإنما كان الفاعلون السياسيون والاجتماعيون (يرتجلون) السياسة، يتعاملون بالفعل ورد الفعل، وبحكم العادة والمصالح الحزبية والفردية و(الاجتهاد الشخصي)؛ كانت الطائفة والقبيلة والإثنيات والجهويات تشارك الاحزاب والمجتمع المدني في تقاذف كرة السلطة وإدارة الدولة، بل كانت هي الأقوي والأشد سيطرة أحياناً كثيرا..

وهكذا بينما كان شعب عظيم وعريق أضاف بإبائه إلى مجالات الفقه الإسلامي (دار الصلح)، عندما عجز الفاتحون العرب عن إضافته ل(دار الفتح)؛ وأختار بنفسه من الإسلام المذهب الصوفي الذي يناسب تنوعه؛ وطرد المستعمرين حين كانت معظم الشعوب مثله ترزح تحتهم؛ واستقل بأول دولة وطنية موحدة في أفريقيا جنوب الصحراء في القرن التاسع عشر؛ وسبق الشعوب بعدد من الثورات المدنية السلمية الديمقراطية قبل أن تصبح شائعة؛ شعب أكسبته نضالاته وتضحياته وأصالته وتنوعه صفات إنسانية عظيمة- بينما ظل الشعب السوداني يقدم في كل ثورة النفيس والنموذج والقدوة، متطلعا للانعتاق والتقدم والتنمية، كانت السياسة والمجتمع السياسي يقف عاجزا كل مرة، عن تحويل تلك التضحيات إلى وقود أو روافع للنهضة ..      

شابه الوضع، بعد خروج المستعمر، عربة تركها صاحبها بعد أن أهلكها بالاستعمال طويلاً، ليقودها عامل كان معه، لكنه لم يتعلم قيادة السيارات ولا يعرف اتجاهات المدينة وما حولها .. أو كملعب كرة به لاعبون في مباراة لا يوجد فيها حكم للمباراة، ولا تخضع لقوانين أو قواعد معروفة.. يحاول كل لاعب فيها إحراز أهداف في شباك لخصوم متوهمين، يمكنهم من جانبهم استخدام كل الوسائل لعرقلة المهاجمين، بما في ذلك تغيير مكان الشباك وحجمها عندما يقترب منها غيرهم ..!

كان ذلك هو الوضع الذي تركه غياب المشروع الوطني المحفوظ في دستور دائم متوافق عليه يعطي الدولة نظما وقيماً وموجهات تحكم تحركها وتحدد أهدافها.. 

في وسط هذه (المعمعة) كان التيار الحقوقي السوداني، أولاً، بدوافع (الفطرة)، ولاحقاً بجهود برامجية خاصة من جانب الحركة الشعبية، من جانب، والتيار الديني الإسلامي، بدوافع (البركة) عامة، ثم بدءاً من سنة 87، بتخطيط حديث ومكثف، من الجانب الآخر- كانا هما الأكثر نشاطاً والأكبر أثراً في ما حدث للمجتمع والدولة في السبعين سنة منذ 56.

ويمكن التوثيق للسجال أو التضاد بين هذين التيارين، بإشعال تيار الديمقراطية الفيدرالية، سنة 1955، حرباً في الجنوب بقيادة حركة أنيانيا، كانت في كثير من مسبباتها احتجاجاً ناتجاً عن تعامل شماليين بإرث الرق القادم من مرحلة التركية السابقة، كما ذكرت لجنة التحقيق في أحداث توريت.. فجاءت الدعوة للدولة الإسلامية، سنة 1957، في البرلمان الأول، التي رفضها من البرلمان.

لكن الانقلاب العسكري الأول (1958 – 1964)، فرض بالقوة برنامجاً للأسلمة والتعريب على جنوب السودان غير المسلم.. ليس لأن عسكريي النظام كانوا إسلاميين، ولكن ظناً منهم أن تلك الإجراءات هي الحل لمشكلة الحرب في جنوب السودان، وذلك انطلاقاً من السردية الرسمية التي كانت سائدة حينها، عن أن السودان بلد عربي مسلم به (جيوب غير مسلمة)، تجب أسلمتها وتعريبها لتتنزل الوحدة والسلام.. معروف أن الذي حدث هو أن الحرب الأهلية مع الجنوب صارت أكثر حدة واستعاراً بسبب إجراءات ذلك النظام..!

رد التيار الحقوقي على مفاقمة الحكم العسكري للحرب في الجنوب بإسقاط ثورة اكتوبر 1964، لنظام نوفمبر بقيادة الجنرال إبراهيم عبود، وكانت الشرارة ندوة في جامعة الخرطوم حول الجنوب .. وثم بعقد مؤتمر المائدة المستديرة لحل مشكلة الجنوب، والخروج بتوصيات لجنة الإثني عشر الداعمة لحقوق جنوب السودان..

فجاء التحرك التالي للتيار الديني في الفترة الديمقراطية بعد اكتوبر 1964، بفعلين: حل الحزب الشيوعي، الذي سيطر على الحكومة الأولى بعد اكتوبر تحت مظلة جبهة الهيئات، بحجة أنه (يروج للإلحاد وعدم الاعتقاد في الأديان السماوية)، وكذلك شروع لجنة الدستور بالجمعية التأسيسية في وضع دستور إسلامي.

كان رد اليسار على تحركات اليمين الديني في فترة اكتوبر تنظيم انقلاب مايو وإنهاء الفترة. كما تبنى نظام مايو، في بيان 9 يونيو، مقررات لجنة الإثني عشر لحل مشكلة الجنوب، واعترف بالخصوصية الثقافية لجنوب السودان، وانتقل هذا الاعتراف لاتفاقية أديس أبابا 1972، التي أوقفت الحرب في الجنوب وأعطت السودان سلاماً نسبيا لمدة عشر سنوات ..

عاد التيار الديني مع المصالحة عام 1977، ودفع نظام مايو لإلغاء أتفاقية أديس أبابا، ولتنصيب جعفر نميري نفسه إماماً للمسلمين، فأدخل جعفر نميري، لأول مرة أحكام العقوبات الشرعية (الحدود) في القانون الجنائي السوداني، ما عُرف بقوانين سبتمبر 1983، وأعدم الأستاذ محمود محمد طه على أساسها، يناير 1985..

كان الرد هو إسقاط الشعب السوداني نميري ونظام مايو في أبريل 1985، مطالباً بالديمقراطية. 

قبل الانتفاضة، وبعد نقض نظام مايو لاتفاقية أديس أبابا وإعلان الشريعة 1983، نشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان رافعة شعار (السودان الجديد)، الفيدرالي الديمقراطي؛ وانخرطت التنظيمات الحزبية والنقابية بعد أبريل 85’ في حوارات مكثفة مع الحركة الشعبية بحثا عن صيغة دستورية سليمة لإدارة التنوع وتحقيق المواطنة المتساوية؛ ثم جاء التوصل سنة 1988، إلى اتفاق الميرغني- قرنق، الذي رتب لوقف الحرب في الجنوب، وذلك عبر مؤتمر دستوري للاتفاق على نظام حكم يضمن حقوق شعوب السودان.

وإتفاق الميرغني – قرنق هذا، هو الإتفاق الذي استبقت مؤتمره الدستوري بالانقلاب الجبهة الإسلامية القومية –الفصيل العالم للمنظومة السلفية ولمعكسر البركة- وكان أول ما فعلته الجبهة بعد الانقلاب إدماج قوانين الشريعة في القانون والدستور والمؤسسات، وإعلان دولة دينية كاملة، ولكي تبقى في الحكم لمدة ثلاثين سنة .. 

أثناء هذه الفترة دفع نظام الإنقاذ الديني جنوب السودان للانفصال، حتى “يخلص الأمر لتقويم المجتمع المسلم دون خلاف في أصل الملة”، بتعبير الدكتور حسن الترابي، أو ليصل التيار الديني بالدولة السودانية إلى نسبة ال98% التي ظل البعض يتباهى بها بعد انفصال الجنوب..

لم يقطع حكم الدولة الدينية إلا خروج الشعب السوداني عليها في ثورة غير مسبوقة هي ثورة ديسمبر 2018، ولكن لفترة قصيرة لم تستمر إلا عامين، لتعود الدولة الدينية مرة أخرى بانقلاب 2021، وبحرب أبريل 2023 الجارية، لتستقطع من سنوات الاستقلال السبعين حتى اليوم، 35 سنة في الحكم، أي نصفها كاملا..!

بهذا التسلسل التاريخي المختصر لما بعد رفع علم الاستقلال ربما تكون قد وضحت عشوائية واضطراب الفعل السياسي، و(ارتجاليته) الناتجة عن افتقار الدولة السودانية لضوابط دستورية وسياسية بل وأخلاقية لتنظيم العمل العام، وذلك فيما عدا تلك التجاذبات والديناميات المحكومة بالدوافع الدينية والطبيعية الكامنة، بداية، والمنظمة لاحقاً، التي أوردنا مجرياتها، والتي أنصبت في مجملها، وبحكم الحاضنة الاجتماعية المسلمة القابلة، إضافة إلى البذور السلفية التي بذرتها التركية السابقة في الدولة ورعتها من بعدها المصالح الاستعمارية البريطانية، وتماهي الحركات الدينية مع هذه المصالح- انصبت هذه التجاذبات في صالح المعسكر الديني وإقامة شرع الله، بصورته السلفية، بدافع أن ذلك، كما ذكرنا، سيؤدي تلقائيا إلى تنزل بركات السماء ..!  

لمن أراد نموذجا إضافياً للسياسة الارتجالية وتجاذبات التيارين داخلها، فهناك حالة حل الحزب الشيوعي السوداني عام 1965..

تبدأ (الحكاية)، بأن طالباً في كلية التربية بجامعة الخرطوم، قال في ندوة يوم 8 نوفمبر 1965، إنه شيوعي، وتعرض في تلك الندوة للسيدة عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم.. تلقف الحادثة، بعد عدة أيام، أحد قادة جبهة الميثاق الإسلامي مفرداً، ورأى فيها فرصة للتخلص من الحزب الشيوعي السوداني، باعتباره الغريم الرئيسي لجبهته. نجح الرجل في كسب وزير الداخلية آنذاك لجانبه، وفي إقناع عدد من الطلاب وعدد من أعضاء حزبه وأحزاب أخرى بالخروج في تظاهرات هاجمت دور الحزب الشيوعي وطالبت بحله. 

يوم 15 نوفمبر تقدم زعيم جبهة الميثاق بمقترح لطرد أعضاء الحزب المنتخبين من الجمعية التأسيسية، فوافقت الجمعية التأسيسية على المقترح وطردت النواب.. لكن بعد ذلك القراراتضح أن المادة 5 من الدستور، لا تسمح بذلك، بل تنص على أن (لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات). 

فكان أن قُدم للجمعية بتاريخ 22 نوفمبر، أي بعد اسبوع من طرد النواب، مقترحا بتعديل المادة 5 (لطرد النواب بأثر رجعي) على النحو التالي (على أنه لا يجوز لأي شخص أن يروَج أو يسعى لترويج الشيوعية سواء كانت محلية أو دولية أو يروج أو يسعى لترويج الإلحاد أو عدم الاعتقاد في الأديان السماوية..)، وكان ذلك أول نص ديني يدخل الدستور، بعد حوالي 10 سنوات من رفع العلم..

أجيز التعديل يوم 8 ديسمبر بالأغلبية، لم يعارضه إلا نائب واحد (كمال الدين عباس)، الذي قال “إن هذا التعديل بطرد النواب، إنما هو طعنة نجلاء للنظام الديمقراطي .. الدساتير لم تقم لحماية الأغلبية من الأقلية، وإنما قامت وتقوم لحماية الأقلية من تغول الأغلبية”..! وذلك رداً على زعيم جبهة الميثاق، الدكتور حسن الترابي الذي كان يرى أن ليس للحقوق الأساسية في الدستور أي خاصية تميزها في التعديل على غيرها، ويمكن تعديلها بنصاب عادي، وأنه “لو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور، لكان فصل الحريات هو أضعفها لأنه يخضع للتشريع”..!

رد الاستاذ محمود محمد طه على الدكتور الترابي بأن المادة 5، مادة الحريات “غير قابلة للتعديل، لأنها جرثومة الدستور، التي يكون عليها التفريع .. إنها الدستور. فإذا عدلت تعديلاً يمكَن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي، فقد تقوض الدستور تقوضاً تاماً، ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي..” 

رفع النواب المبعدون قضية دستورية لدي المحكمة العليا ضد تعديل الدستور..

بل عاد إثنان من أعلى قيادات الحزب الشيوعي (أحمد سليمان وعبد الخالق محجوب)، منتخبين كمستقلين إلى البرلمان، الذي طُرد منه زملاؤهم، أحدهما من دائرة رئيس مجلس السيادة ..! 

حكمت المحكمة العليا بعدم دستورية التعديلات التي بموجبها جرى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه.. 

فجاء الرد من رئيس الوزراء حينها، السيدالصادق المهدي بأن (الحكومة غير ملزمة بأن تأخذ بالحكم القضائي الخاص بالقضية الدستورية، لأنه حكم تقريري).

فاستقال رئيس القضاء أحتجاجاً على تغول الدولة على استقلال القضاء..!

شرعت الجمعية التأسيسية في وضع دستور إسلامي..

فنظم اليسار في مواجهة تلك الإجراءات انقلاباً عسكرياً على الجمعية التأسيسية والفترة الديمقراطية ..

عاد رئيس القضاء المستقيل، سنة 1969، على ظهر دبابة مع نظام مايو، رئيساً للوزراء..!

مثلت حالة حل الحزب الشيوعي السوداني نموذجاً مصغرا للحالة السياسة السودانية في سياقها العام طوال السبعين عاما منذ رفع العلم: العشوائية والارتجال وبالتالي اضطراب الفعل السياسي، الناتجة عن افتقاره لضوابط دستورية وسياسية، بل وأخلاقية ملزمة لتنظيم العمل العام.. داخل ذلك الارتجال والعشوائية تواصلت الديناميات المدعومة بوعي الآن من جبهة الميثاق الإسلامي، فاسهمت (بتحريم الترويج للشيوعية والإلحاد وعدم الإيمان بالأديان السماوية)، في دعم خطوات تهيئة الأوضاع اللازمة، أو إزالة العقبات المعرقلة -في اعتقاد هذا التيار-  لتنزل بركات السماء ..

يتضح من عدد السنوات التي قضتها الحركة الإسلامية بمسمياتها المختلفة في الحكم، وما تمكنت من فعله في السودان، أن التيار الديني، أو ما أسميناه هنا معسكر البركة، قد سجل، وبرغم مقاومة قوية من عناصر عديدة للتيار الديمقراطي الفيدرالي- قد سجل تفوقاً كبيراً قارب السيطرة على الوضع في السودان، خاصة في ظل قيادة حركة الأخوان المسلمين في نسختها العالمة، منذ عام 1977، لهذا التيار.. 

في المقابل كانت النتائج كارثية على الدولة والمجتمع السوداني من كافة الجوانب، كما هو ماثل أمام أعيننا في حالة الحرب الحالية هذه الأيام، المتناسلة من حروب سابقة شاركت الدولة كل أعياد ميلادها تقريباً ..

فبحكم طبيعة عمل التيار الديني والمرامي النهائية التي يسعى إليها، والتي كررنا أنها إقامة شرع الله، بصورته السلفية، لتهيئة أوضاع تؤدي لتنزل (البركات)، بحسب اعتقاد هذه الجماعة.. أن هذا الإيمان يفصل الأهداف عن وسائلها، والنتائج عن مسبباتها، وفاءاً للعقيدة الجبرية السلفية، كما فصلها أبو حامد الغزالي في مسائله الفلسفية في كتابه (تهافت الفلاسفة) .. 

ومعلوم، بما في ذلك لدى الحركة الإسلامية، أن الخير الذي ينتظره السودانيون، و لأجله تعددت ثوراتهم، إنما هو الانعتاق من ربقة الفقر وتحقيق التقدم والتنمية والازدهار والنهضة، لكن التيار الديني لا يتخذ وسائلا وسياسات تؤدئ مباشرة إلى هذه الأهداف، أي أنه لا يتخذ العمل والتخطيط ولا يعتمد البرامج والاستراتيجيات العلمية للوصول للأهداف المذكورة، وإنما يتوسل طرقاً غير مباشرة، هي تطبيق أحكام الشريعة التي تنزلت لمجتمع مختلف وفي زمن سابق بقرون كثيرة، باعتبار أن تطبيق هذه الحكام هو (الإيمان والتقوى) المذكورة في الآية 96 من سورة الأعراف، (وما أنزل إليهم من ربهم..) المذكورة في الآية 66 من سورة المائدة، اللتين أشرنا إليهما على أنهما أساس هذا المعتقد الديني للجماعات السلفية ..

المفارقة الكبرى كانت أن الحركة الإسلامية كأكبر تجمع للمتعلمين السودانيين، وبعضويتها المليئة بكفاءات علمية رفيعة في كافة جوانب التخصصات العلمية والإنسانية، والمتميزة في أساليب العمل الملتزم المنظم القائم على التخطيط الاستراتيجي- كانت المفارقة الكبرى أنها ركزت استخدام هذه الكفاءات العلمية الحديثة ومهارات التخطيط الاستراتيجي، ليس في وضع برامج وسياسات مباشرة لتحقيق التنمية والتقدم والنهضة للمجتمع السوداني، وهو ما لكانت أنجزته بجدارة، وإنما استخدمت كل تلك الكفاءات العلمية في تأصيل وتمكين نفسها في السلطة، من أجل إقامة أحكام الشريعة السلفية، وتحقيق تلك الأهداف بصورة غير مباشرة..!

آخر الأمر، كانت النتيجة الكارثية التي انتهت إليها الأمور وليدة ديناميات رباعية الأبعاد. فمن جانب، وكما رأينا في نقاشات لجنة الدستور، وقف التوجه الديني السلفي عائقاً قوياً معرقلاً للتوافق على مشروع وطني مشترك يلبي تطلعات السودانيين جميعاً في المشاركة والهوية.. ومن جانب ثان، قاد الاعتقاد الإيماني الخام إلى استقالة السياسة وموتها: فتُركت إشكالات الدولة والمجتمع المعاصر في السودان دون معالجات، وتركز الاهتمام على مشكلات متوهمة لم تكن قائمة أو ليست بتلك الأولوية، حجاب النساء مثلاً. فتفاقمت وتراكمت المشكلات الحقيقية وانفجرت حروباً ونزاعات لم تتوقف .. 

ثالث هذه الأبعاد، أن أحكام الشريعة السلفية، المفروضة بقوة مؤسسات الدولة، وبحكم طبيعتها المفارقة لطبيعة ووظائف الدولة الوطنية الحديثة قد أوجدت معها مشاكل جديدة مرتبطة بها، بآليات (الاستدعاء)، وهي أن منظومة القوانين المطبقة تستدعي معها مناخاتها الاجتماعية الأصلية، أو جوانب منها .. على سبيل المثال استعادت القبلية قوتها بعد أن كانت بدأت في الانحسار نوعا ما في السودان..  

هذا إضافة إلى أن انتشار الاعتقاد التقليدي المغلف بالقداسة وسط المجتمعات المسلمة، وقابليته للإستغلال من الجماعات المنظمة، قد أوجد منظومة مصالح واسعة، استخدمته للوصول إلى السلطة والتمسك بها.. وتبذل كل ما في وسعها للإبقاء عليه وإعادة انتاجه، على حساب المجتمعات نفسها، والمجتمع السوداني هو النموذج الأبرز هنا.

وبذلك تكالب الضغث على الإبالة ليفضيا إلى الانهيار الشامل الماثل في السودان اليوم..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى