بناء كتلة مدنية عريضة لأيقاف الحرب.. ضرورة ملحة

الهادي الشواف

*مدخل.. إيقاف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي:*

تمر الأوطان في تاريخها بلحظات فارقة، إما أن تكون جسراً نحو البقاء والازدهار، أو منزلقاً نحو التفتت والضياع، إن الحرب الدائرة اليوم تفرض علينا استحقاقات لا تقبل التأجيل، أولها إيقاف الحرب وثانيها معالجة الاوضاع والآثار الإنسانية الكارثية، وثالثها إستعادة المسار المدني الديمقراطي، على هدى شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، المتجسدة في الحرية والسلام والعدالة، والمدخل الأول لانجاز هذه الاستحقاقات هو بناء كتلة مدنية ديمقراطية عريضة، تتجاوز التمترس خلف الاصطفافات الأيديولوجية والتحالفات الضيقة، وتضع وحدة السودان ومصلحة المواطن والسيادة الوطنية فوق كل اعتبار.

ففي سبيل ذلك يجب أن تتجاوز القوى السياسية الداعية لإيقاف الحرب تركة الماضي، والأطر الايدلوجية والتمايزات الفكرية، وتقديم تنازلات متبادلة، لتمهيد الأرضية المناسبة لتحالف الحد الادني، لأن طبيعة العمل التحالفي المشترك في ظل الحرب والأزمات يختلف بالكلية عن العمل في ظل السلم والتنافس الديمقراطي الحر، ولأن في ظل الحرب تكون الأولوية دائمًا لايقاف العنف ونزيف الدم، وحماية المدنيين وإنقاذ الدولة من الانقسام، وليست لتحقيق مكاسب سياسية أو ايدلوجية ضيقة، فالعمل الجماعي في ظل الحرب فريضة واجبة وضرورة ملحة، والذي يرفضه بصورة غير مباشرة يسهم في إطالة أمد الحرب من غير قصد. 

*الكتلة المدنية العريضة.. ضرورية وملحة:*

لا شك في أن ضرورة الكتلة الوطنية الآن تنبع من التطورات والتعقيدات التي استجدت على المشهد العسكري والسياسي معاً، والتي أثبتت أن التحالفات في ظل مراكزها المتعددة هذه لا تملك القدرة على فرض السلام المستدام أو قيادة التحول المدني، طالمة يعمل كل منها منفرداً دون توحيد أو تنسيق ولو على الحد الادنى، وعليه تأتي الحاجة الملحة والضرورية لتوحيد هذه التحالفات وكل القوى الفاعلة التي تؤمن بايقاف الحرب وإنجاز التحول الديمقراطي، في كتلة مدنية واحدة واسعة تعبر عن كل مكونات الشعب السوداني، بالاضافة إلى توحيد الخطاب المدني لقطع الطريق أمام دعوات الاستقطاب وخطاب الكراهية الذي يغذي الحرب، وتكثيف الضغط الدولي الفعال، فالعالم لا يستجيب للكيانات المشتتة والضعيفة بل للكتلة التاريخية التي تمثل أغلبية الشعب، لضمان وجود بديل مدني جاهز لاستلام زمام الأمور فور توقف المدافع، لسد الفراغ الإداري والسياسي ومنع حدوث فوضى شاملة.

في ذات السياق يأتي إعلان المبادئ السوداني في 12 ديسمبر 2025م بنيروبي وميثاق القاهرة يناير 2026م، وغيرها من لقاءات جمعت القوى السياسية المدنية لذات الغرض، ولكن لم تفلح جميعها في ايجاد كلمة السر التي توحد القوى المدنية، وتفك عقدة التمترس والتخندق والتفتت، صحيح أن تجارب القوى السياسية المشتركة مليئة بالفجوات، وأيضاً التباين ما بين القوى السياسية الداعية لإيقاف الحرب واضح وجلي، ولكن في ظل الأزمات الكبرى تقاس السياسة بمدى القدرة على الفعل، والفعل في مثل الظرف الذي تمر به البلاد لا يترجمه إلا العمل الجماعي المشترك، والتحالفات الواسعة وذات الفعالية العالية.

*أسس بناء الكتلة المدنية الواسعة:*

في ظل هذا الواقع المعقد ومع إستمرار طاحونة الحرب وشلالات الدماء، والفشل حتى لحظة كتابة هذه السطور في إجبار طرفي الحرب على الجلوس للتفاوض، ومع تسارع تدحرج البلاد نحو التفتت والتشظي، بسبب إطالة أمد الحرب واتساع دائرة العنف وسلسلة الانتهاكات الواسعة، يقع العبء على كاهل القوى السياسية الداعية لايقاف الحرب وتحقيق الانتقال المدني الديمقراطي، في ان تتطلع بدورها وتستشعر أهمية وخطورة المرحلة الحالية، والسعي بخطى جادة وحسيسة ومتسارعة لبناء مركز موحد وكتلة مدنية واسعة، ليست بالضرورة أن تبدأ بوحدة فكرية ولا بتوافق كامل، ولا حتى اشتراط التطابق التام في الرؤى السياسية، بل بالإتفاق على برنامج حد أدنى مشترك، وعلى أولويات قصوى على رأسها وقف الحرب، ويجب أن تتجنب هذه الكتلة التطرق للقضايا الخلافية، وفي المقابل ترحل وتأجل كل الصراعات الفكرية والايدولوجية الكبرى لمرحلة ما بعد إيقاف الحرب. 

على أن يحتفظ كل مركز تحالفي مبني على درجة معقولة من الانسجام بشكله الحالي، وان تبني الكتلة الجديدة من تجميع التحالفات الحالية في مركز تنسيقي موحد يمتاز بالمرونة والفاعلية، يقوم على أساس شراكة حقيقية لا الإلحاق أو التبعية لضمان استدامة التوافق، هذا المركز التنسيقي المرن يعطي كل تحالف مساحة مناورة خاصة به، مع التنسيق في قضايا الحد الادني المشتركة في الكتلة المدنية الواسعة، وكما أنه يجب أن ينهض المركز الجديد على هيكل رشيق وعملي، وأن تتميز قضايا أو أهداف الحد الادني بالوضوح والتوافق عليها عبر تقديم تنازلات من كل الاطراف، مع التركيز على توسيع قاعدة المشاركة والقاعدة الجماهيرية عبر العمل من خلال اللجان القاعدية وسط الجماهير والمجتمعات المحلية ومجتمعات اللجوء والنزوح. 

 *مرتكزات بناء الكتلة العريضة.. خارطة طريق مبسطة:*  

لا بد من التوافق على ميثاق مبادئ مختصر وواضح، يركز على القضايا المشتركة فقط التي تمثل الحد الادنى كما ذكرنا آنفاً، مثل العمل على وقف الحرب فوراً عبر إجبار طرفي الحرب للجلوس على طاولة التفاوض للوصول لحل تفاوضي شامل، والحرص والتشديد على حماية المدنيين ورفض الانتهاكات من أي طرف، وكذلك أن لا عودة للحكم العسكري ولا شرعنة للانقلاب أو الاعتراف بالسلطة الموازية، والتأكيد على الانتقال المدني الديمقراطي الذي يقود لانتخابات حرة ونزيهة، وأيضاً وضع وحدة السودان كواجب مقدم ورفض التفكك والتفتت والاصطفاف الجهوي، وفي المقابل بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية، وتنهض على حماية حقوق الإنسان وضمان الحريات الأساسية، هذه خارطة طريق مبسطة ولا يختلف عليها أي شخص حادب على مصلحة البلاد والمواطن، ويمكن أن تكون أساس لبناء كتلة مدنية ديمقراطية واسعة تعبر عن اوسع الجماهير.

وفي هذا الإيطار يجب الاستفادة من التجارب الحالية والسابقة في تطوير برامج وآليات تواكب هذه المرحلة، وتوظف الزخم الذي انتجه الخطاب المناهض للحرب، لرسم ملامح خطاب معبر عن الكتلة المدنية الواسعة ليكون ذات فعالية عالية لمحاصرة خطاب الحرب والكراهية، بالأضافة إلى ذلك يجب الحرص على استيعاب الكفاءات والشخصيات الوطنية المستقلة، ولجان المقاومة والحركات الشبابية والنسوية، ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية، وكل مكونات المجتمعات المحلية الفاعلة، والقوى السياسية خارج التحالفات الحالية لضمان التنوع الجغرافي والنوعي والاجتماعي، مع ابتكار آليات عمل مشترك وإنشاء هياكل تنظيمية مرنة تسمح بالتنسيق الفعال، مع اعتماد آليات ديمقراطية داخلية لاتخاذ القرارات.

*الخلاصة.. إن التاريخ لا يرحم المترددين:*

إن الهدف النهائي لهذه الكتلة الواسعة ليس مجرد إسكات صوت البنادق فحسب، بل يتعدى ذلك إلى وضع حجر الأساس لدولة المؤسسات، عبر تأسيس سلطة مدنية انتقالية تحظى بتوافق عريض، وتعمل على إدارة الفترة الانتقالية بمهنية بعيداً عن المحاصصات والتكتلات الحزبية، وتضع نصب عينيها الإصلاح الأمني والعسكري للوصول إلى جيش وطني واحد ومهني، ينأى بنفسه عن السياسة والنشاط الاقتصادي، وتسعى إلى تحقيق عدالة انتقالية ومصالحة وطنية، تجبر ضرر الضحايا وتسترد الحقوق المسلوبة والمنتهكة، وتضمن محاسبة الجناة وعدم الافلات عن العقاب، كشرط أساسي للسلم والتعايش المجتمعي، ومن ثم التحضير للانتخابات حرة ونزيهة، من خلال العمل على تهيئة المناخ السياسي والبيئة القانونية والدستورية المناسبة، وافساح المجال أمام الشعب ليقول كلمته النهائية في من يحكمه.

خلاصة القول هو إن التاريخ لن يرحم المترددين، وإن بناء الكتلة المدنية الديمقراطية الواسعة ليست ترفا ساسيا، بل هو طوق النجاة الوحيد، وضرورة مرحلة فرضتها تعقيدات المشهد السوداني الحالي، وإن بناء هذه الكتلة العريضة هو الرسالة الأقوى بأن إرادة الحياة لدى الشعوب أقوى من أزيز الرصاص، وفوق كل اختلاف سياسي أو فكري أو خلاف ايدولوجي، وأن ايقاف نزيف الدم السوداني وانجاز التحول المدني الديمقراطي، هو الوعد الذي لا يجوز النكوص عنه مما كان الثمن.

Exit mobile version