حكاية من بيئتي

(22)

آبري بالفاكس

كل الصناديق الكرتونية كانت قد سافرت إلى حيث يقيم الأبناء والبنات إلا هذه، والتي رغم إحكام لف الرقائق إلا أن الرائحة الحريفة لـ(الآبري) تجد طريقها إلى أنف (الحاجة سكينة)، فتسأل. ودائماً تكون الإجابة أنهم لم يعثروا على مسافر إلى اتلك الدولة الخليجية. وفي أحد الصباحات جلس ابنيها جوارها يتحدثان عن نجاح عملية إرسال الوثائق إلى المغترب بالبحرين، لكنهم لم يتلقوا منه الرد. وكان ذلك قبل أكثر من أربعة عقود، حين كان يصعب التواصل بين البلدان. وانبرت الحاجة متسائلة..

ــ ما قلتوا ما لقيتوا زول مسافر.

ــ يا والدة الورق رسلناهو بالفاكس.

وشرحوا لها الأمر أن ابتكار الفاكس يسهل عملية إرسال الوثائق..

ــ يعني نخت الورق ورقة ورقة بي جاي تصل بي هناك.

ــ مالو؟.. شيلوا الكرتونة دي ورسلو لي أخوكم نصيبو (طرقة طرقة).

و(الطرقة) هي القرص الواحد من الكسرة أو الآبري بعد فرد العجينة على (الدوكة) أو الصاج، بواسطة (القرقريبة)، حتى تنضج متحوّلة إلى قرص شبه جاف. ويجفّف الآبري، ويلف على شكل (ملازم) الورق في المطابع، كما شبهها شاعرنا الراحل (محجوب شريف)، وهو من قام بترسيخ مفهوم (القرقريبة) ضمن تلك الأغنية التي تمجد عمل المرأة السودانية، وقد منحتها مجموعة عقد الجلاد جواز المرور إلى أذهان الأجيال.

كم من حروف قاموس الحنين والمحبة أزاحتها عن التداول المفردات الدخيلة، وكم من عادات التواصل مزقتها حياة الشتات والفٌرقة. وكم من تراثنا الجميل الذي دفن تحت أنقاض حوائط الحال المايل؟

منذ عشرات السنوات كان الآبري يستخدم زاداً للمسافرين، نسبة لمكوناته الغذائية عالية القيمة، وقدرته الكبيرة على إطفاء الظمأ، بجانب احتوائه على مادة منعشة ومنشطة للقلب. كما أنه خفيف الوزن، قابل للتخزين في شتى الظروف. فهو كما يقول ساخر المدينة “الآبري مشروب يطفئ الظمأ وتبتل به العروق، وتسيل به مشاعر الناس جداول، وهو قريب النسب من المريسة”. وهو يعني أنه يقوم مقام (المريسة) في الإشباع والإرواء. وهناك تأكيد أن عملية المرس أي الدلك والتليين في حال الآبري يعقبها (الكوجين والعواسة) العمليتان القادرتان على طرد الكحول من المزيج المتخمر. ويحظى مشروب (الحلو مر) بمكانة بارزة لدى السودانيين، إذ لا تخلو منه موائدهم الرمضانية منه. وهو يعمل على إراحة المعدة واسترخاء الجسم. مما يجعله مفضلاً على كثير من أنواع العصائر والمشروبات. ولعل هذا أحد أسباب حرص الحاجة سكينة على إرسال الكراتين إلى (الحِبَّان) كما تقول، لأن رمضان شهر محبة ومحاننة لا تكتمل إلا بتناول الآبري. مثلها مثل جميع الحاجات الساكنات الأفئدة (يرحم الله من رحلت) ويربط على قلوب الباقيات بيننا، إذ لم يعد الحال كما عرفن وعايشن.

يقول أستاذ العلوم بجامعة الخرطوم البروفيسور محمد عبد الله الريح أن “الحلو مر يعكس جانباً من حضارات السودان القديم، التي تعتبر من أوائل الحضارات التي أنتجت الغذاء المجفف، وتشير عبقرية صناعته إلى الإستفادة من خصائص مرحلة الإنبات لحظة التحول إلى سكريات، ليتم تجفيف الذرة النابتة على تلك الوضعية، وطحنها قبل إكتمال نموها”. وقد اعتمد السودانيون على الأغذية المجفّفة، ومن بينها الـ(حلو مر) عند قطع المسافات الطويلة في رحلات التجارة والصيد والحج. ويوكد البروفيسور (ود الريح) أن ” قدرة المشروب على إطفاء الظمأ تعود إلى بطء عملية إمتصاصه من قبل الجهاز الهضمي، كما أنه يتمتع بإنتاج قدر أقل من الفضلات مقارنة بغيره من المشروبات”.

هناك اختلاف تاريخي حول اكتشاف (الحلو مر)، فالبعض يذكر أن تاريخه يعود إلى ما قبل الميلاد، وأن عمره يفوق الثلاث ألف وثلاثمائة عام، بينما الأغلبية من السودانيين ينسبون المشروب التراثي إلى سيدة سودانية من بربر تدعى (آمنة عبد الرازق فحل)، كان لها جوال من الذرة غمرته مياه الأمطار، ولم تكتشف السيدة هذا البلل إلا بعد أن نمت فيه (الزريعة)، فطحنتها ووجدت لها طعماً حلو المذاق، فأضافت له البهارات وصنعت من الخليط مشروباً مميزاً. 

وأياً كان مصدره فهو المشروب الشعبي الأول الذي يتناوله السودانيون على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ويتفق الجميع على عشقه. وهو الذي يجمع بين النقيضين (حلو مُر)، وفيه يتوافر ما لا يتوافر في مشروب آخر. وتعارف عليه أهل الشمال هكذا (آبرى).. ويعتقد البعض أن مصدر الإسم من اللغة النوبية، على زعم أن (آب) تعني الماء، و(ري) وتنطق كأنها (ريه) وتعني الإرواء، أي أنه المشروب الذي يزيل العطش ويروي. والشاهد أن استخدامه يزيد في رمضان، بل يكاد يكون حكراً للشهر الفضيل، حتى أصبح سيداً للمائدة الرمضانية للسودانيين في كل مكان. وتنشغل الأسر بإعداده عبر طقوس غنية بالمعارف والحرفية العالية في الممارسة، مثلما تنشغل بعدها بضرورة توصيله إلى المهاجرين أينما كانوا. 

هل تركت الحرب مساحة في النفوس لممارسة تلك الطقوس؟

من المعروف لدى عامة السودانيين أن الآبري يصنع بطريقة واحدة تبدأ بعملية إنبات الذرة، ويفضلون (الفيتريتة) التي تسبغه بلونها، وتمنحه مقداراً أكبر من القيمة الغذائية. حيث تنقع الكمية المراد تزريعها في الماء لمدة يوم أو يزيد، ثم تنشر على قطعة خيش، وترش بالماء لأيام، حتى تنبّت ويخرج منها الزرع. وتسمى هذه العملية محليا بـ”التزريع”. والمنتج هو (زرّيعة). ثم تأتي عملية فضل البذور النابتة من الزرع الأخضر الذي يقص (يحش)، ويرمى، بينما تُجفّف الذرة النابتة تحت الشمس، ثم تطحن، من ثم تطبخ على النار حتى تصبح “مديدة” وتسمى العملية بـ(الكوجين)، وتضاف إليها البهارات ومقادير محددة من التوابل (حبة البركة، والحلبة، والحبهان، والغرنجال، والجنزبيل، والكمون الأخضر، والكزبرة)، بجانب الكركدي، والعرديب، والمحريب، والبلح. وعلى الصاج (الدوكة) تصنع اللفائف، وتجفّف وترسل أو تعبأ للتخزين ريثما يهل رمضان. 

ويصنع (الآبري الأبيض) من الذرة البيضاء المقشورة، ويضاف إليه دقيق النشا وأنواع من التوابل، أهمها الحلبة والجنزبيل والحبة السوداء والحبهان. وتصنع العجينة من الدقيق ناصع البياض. ثم يُعاس على نار هادئة، وبطريقة تحتاج إلى خبرة عالية. وتمتاز طبقات (الآبري الأبيض) برقتها البالغة – حد الشفافية – وخفتها. ويتداول البعض حكاية البنت التي طارت (عبارتها) حين قدموا لها المشروب، فشهقت متعجبة ممن يقدّم للضيوف (عصير توشيز) أي مناديل ورق. ذلك نسبة للشبه الشديد بين رقائق الآبري الأبيض، وقطع مناديل الورق.

نجد البعض يفصل المسميين (الآبري والحلو مر) باعتبار أن لكل مسمى شكل منتوجه، بينما يرى الكثيرون أن الاسم الغالب هو (الآبري)، وأنه نوعان (حلو مر، وآبري أبيض). وفيما يعود إسم (الحلو مر) إلى الطعم الخليط بين الحلاوة وشيء من المرارة الناتجة عن المكونات وطريقة الصنع، يوصف الصنف الآخر وفق لونه. وتذكر رقائق الآبري الأبيض بـ(الفطير أو الرُقاق). وكلاهما النوعين يمزجان ويتم تناولهما دون أن تصفى. إذ يضاف للآبري الأبيض الماء والسكر. ويضاف الحليب لـ(الرقاق)، فيما ينقّع (الحلو مر) في الماء لساعات‘ قبل أن يصفّى ويضاف إليه السكر. 

قبل شهر أو أكثر تبدأ طقوس إعداد الآبري في معظم البيوت السودانية، سوى تلك الأسر التي تتلقاه جاهزاً. ولأن عمليات إعداد (الآبري) تتطلب الكثير من حطب الوقود، فهل ستجد الأسر السودانية (الباقية على العهد) ما يكفيها من حطب؟ والجماعة ما يتركوا شجرة واقفة، لا في غابة، لا في حديقة نباتية. بل حتى أشجار الشوارع، وأشجار البيوت تعرضت لهجمة شرسة في ظل الحرب. ويقال أن بعض عمليات القطع ممهنجة بالدرجة التي يرشح منها ما يفيد (القصد)، والعمل وفق مخطط مدروس. والسوشيال ميديا لا تسكت عن الإخبار، وقول ما هو وراء الأخبار.

وإن كان الفاكس في يقين (الحاجة سكينة) يصلح لأن يكون قناة توصيل لـ(الآبري)، فهل تخرج علينا في قادم السنوات (حاجة سوسو) لتؤكد إمكانية إستخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة و توصيل (الآبري)؟

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

Exit mobile version