وئام كمال
يمر السودان، وخصوصًا ما بعد اندلاع حرب 15 أبريل، بحالة استقطاب إقليمي حاد أدى إلى صراعات يمكن أن تزيد أزمته الحالية. ولكن على صعيد آخر، كيف يمكن تحويل حالة الصراع الإقليمي والاستقطاب الحاد إلى استثمار في العلاقات الخارجية السودانية بشكل ينتشل السودان من أزمته ويجعل منها بوابة لتقدم تنموي مبني على سلام واستقرار وتداول سلمي للسلطة، بما يتماشى وشعارات ثورة ديسمبر المجيدة ويحافظ على وحدته؟
ففي الوقت الذي لا يخفى على الناظر فيه العواقب التي يتحملها البلاد نتيجة تدويل حرب السودان، تسطع في التاريخ نماذج لدول استطاعت أن تستثمر العلاقات الخارجية للنهضة والبناء ولتحقيق تنمية دون عداء أو تبعية. والذي لا يمكن أن يتم دون مبادرة السودانيين أنفسهم لتصوراتهم حول صيغة السلام ورؤية التنمية التي تناسبهم، ومن ثم استثمار العلاقات لتحقيقها من منطلق المنافع المتبادلة.
ففي دراسة حول النماذج التي استطاعت الخروج من العزلة والحرب إلى الشراكات المتعددة، تبرز دولة فيتنام ذات الخلفية الحروب المدمرة والعقوبات الدولية الخانقة. الأمر الذي يذكرنا بالتاريخ السوداني القريب والمعاصر ليس فقط في الحرب، وإنما أيضًا في التاريخ العدائي مع الغرب. إلا أنها استطاعت الخروج من أزماتها عبر استخدام التعاون الدولي عبر سياسة الإصلاح والانفتاح (Doi Moi) منذ أواخر الثمانينات، عبر تنويع الشراكات مع الولايات المتحدة والصين واليابان والاتحاد الأوروبي، وفق خطة تضمن عدم التخلي عن القرار الوطني وتجذب الاستثمار في الوقت نفسه، والذي يبدأ بحسن إدارة الخلاف والاختلاف الداخلي على المستوى السياسي والفكري.
بالإضافة إلى نموذج كوريا الجنوبية التي تحولت من دولة معوزة إلى دولة مانحة. دولة كانت من أفقر دول العالم في الخمسينات. استمرت المساعدات الأمريكية في بناء القدرات عوضًا عن ثقافة الاستهلاك، واضعة خططًا لنقل المعرفة والتكنولوجيا. حماية الصناعات الوطنية مرحليًا لتبرز كدولة اقتصاد صناعي متقدم بمؤسسات قوية ومنظمة.
و هنالك أيضًا النموذج الرواندي، وهو النموذج الأشهر بالنسبة للسودانيين… في شراكة مشروطة بالسيادة، ما بعد حروب قبلية وإبادة جماعية وانهيار شامل للدولة، نهضت رواندا التي اعتمدت على المساعدات ولكن وفق أجندة وطنية واضحة (وهذا هو المفتاح). دولة رفضت التمويل المشروط بما يخالف أولوياتها الوطنية، واستثمرت في الحوكمة والصحة والتعليم وتحسين الخدمات العامة لتصبح دولة مستقرة جاذبة للاستثمار والدعم.
هذه النماذج على سبيل الأمثلة لا الحصر تشهد أن استثمار العلاقات الخارجية يمكن أن يصب في مصلحة البلاد وشعوبها في علاقات مصالح متبادلة دون عداء أو تبعية. إلا أن الأمر ليس سهلًا ويتطلب من السودانيين قدرًا كبيرًا من الإرادة والجدية والقيادة في وقت نحتاج فيه بلادنا أحوج ما يكون إلى قائد نموذج ورؤى موحدة تقود إلى خطط مدروسة، يضع فيها السودانيون أمام أعينهم أن أي تعاون لا يبني مؤسسات محلية هو تعاون هش، وأن المشكلة ليست في طلب المساعدة وإنما في غياب الرؤية الوطنية التي توجهها، وأن أي تنمية دون عقد سياسي واجتماعي جامع ستنتج نموًا هشًا قابلًا للانهيار أو الانفجار، وأن تنويع الشركاء يفتح أفقًا جديدًا للبلاد ويحافظ على سيادة لأبنائها، وأن التطور يبدأ من تقدير الموارد الداخلية وحمايتها، وأن كل هذا لا يمكن أن يحدث في زمن الحرب حيث أولوية المواطن وهو المورد الأول والأساسي للتنمية هي النجاة.