من تنظيم عقائدي إلى شبكة مصالح مسلحة  ( 1)

الحركة الإسلامية تاريخ طويل من الخيانات ونقض العهود

أفق جديد

الخيانة، كلمة ظلّت لسنوات تُتداول همسًا داخل دوائر الحركة الإسلامية، قبل أن تخرج إلى العلن فجأة، وبصوت عالٍ، عقب سقوط نظام عمر حسن البشير في أبريل/نيسان 2019. لم تكن الكلمة جديدة على قاموس التنظيم، لكنها في تلك اللحظة تحوّلت من توصيف أخلاقي عابر إلى أداة تفسير سياسي، بل إلى محاولة لإعادة كتابة نهاية حكم استمر ثلاثين عامًا. داخل الحركة الإسلامية، انقسمت الرواية سريعًا إلى معسكرين. الأول رأى أن السقوط كان نتيجة حتمية لتراكم الأخطاء، ولحكم طويل استنزف الدولة والمجتمع، وتآكل من داخله بفعل الفساد والعزلة والتصلب. أما المعسكر الثاني، فتمسّك بتفسير آخر: النظام لم يكن ليسقط لولا خيانة وقعت في اللحظة الحاسمة، خيانة من داخل الدائرة الضيقة، ومن داخل الأجهزة التي طالما اعتُبرت درع النظام وسيفه. لم يبقِ هذا الانقسام في حدود النقاشات المغلقة. شُكّلت لجان تحقيق داخل الحركة الإسلامية، بعضها – بحسب ما أفادت القيادية في الحركة الأستاذة سناء حمد العوض – جلس إلى أعضاء اللجنة الأمنية وقيادة القوات المسلحة، في سابقة تعكس حجم الصدمة وعمق الشكوك. لجان أخرى تولّت التحقيق مع شخصيات بعينها، في محاولة لتحديد من خان، ومتى، ولماذا.

كلمات ثلاث

خارج هذه الدوائر، كانت الرواية تتشكل أيضًا، ولكن بلغة أكثر برودة، وأقل انفعالًا. ففي الرابع من مايو/أيار 2019، أي بعد أقل من شهر على سقوط النظام، نقلت صحيفة اليوم السعودية عن مصادر عسكرية لم تسمها أن الرئيس المخلوع لم يكن قد استوعب بعد ما جرى. الرجل الذي صمد ثلاثين عامًا في وجه الحصار الخارجي والضغوط الداخلية، ظل – بحسب تلك المصادر – يردد داخل محبسه في سجن كوبر ثلاث كلمات فقط: «المؤامرة… الخيانة… الغدر». بعد ذلك بأسابيع، جاءت رواية أكثر تفصيلًا. وكالة رويترز نشرت في يوليو من العام نفسه تقريرًا موسعًا عن الساعات الأخيرة لعمر البشير في الحكم، تقريرًا لم يكتفِ بسرد الوقائع، بل حاول تفكيك المشهد الذي انهار فيه النظام من الداخل، بسرعة بدت لافتة حتى لمن خبروا تاريخ الانقلابات في السودان. وفقًا لشهادات ومقابلات أجرتها الوكالة مع عدد من الشخصيات المقربة من البشير، فإن سقوطه لم يكن مفاجئًا بالكامل. العزلة كانت تتعمق، والتحالفات الإقليمية كانت تتآكل، وإحدى الدول الحليفة – بحسب تلك الشهادات – تخلت عنه في اللحظة الحرجة. لكن ما منح السقوط طابعه الدرامي هو ما جرى في مساء العاشر من أبريل.

مساء  في القصر

في تلك الليلة، زار صلاح قوش، رئيس جهاز الأمن والمخابرات آنذاك، الرئيس عمر البشير في القصر الجمهوري. كان الشارع يغلي، والاعتصام أمام وزارة الدفاع قد دخل مرحلة غير مسبوقة، لكن قوش – بحسب أربعة مصادر حضر أحدها اللقاء – طمأن الرئيس بأن الاحتجاجات لا تشكل خطرًا حقيقيًا، وأن الاعتصام سيتم احتواؤه أو سحقه. اطمأن البشير. دخل غرفته، وخلد إلى النوم. بعد أربع ساعات فقط، استيقظ ليجد عالمه قد تغيّر بالكامل. حراس القصر الذين اعتاد رؤيتهم اختفوا، وحلّ محلهم جنود من الجيش النظامي. في تلك اللحظة، أدرك – بحسب رواية أحد المقربين منه – أن الرجل الذي طمأنه قبل ساعات قد خانه. أحد أفراد الدائرة الضيقة التي كانت لا تزال قريبة من البشير في تلك الساعات الأخيرة قال لـرويترز إن الرئيس ذهب لأداء الصلاة، وعندما أتمّها كان ضباط الجيش في انتظاره. لم يكن ثمة نقاش طويل. أُبلغ بأن اللجنة الأمنية العليا، التي تضم وزير الدفاع وقادة الجيش والمخابرات والشرطة، قررت عزله بعد أن خلصت إلى أنه فقد السيطرة على البلاد. نُقل البشير إلى سجن كوبر، السجن نفسه الذي شهد خلال سنوات حكمه زجّ الآلاف من خصومه السياسيين، ولا يزال فيه حتى اليوم. هكذا، وبسلاسة تكاد تكون صادمة، انتهى حكم رجل واجه تمردات مسلحة، ونجا من محاولات انقلاب، وتحدى العقوبات الأمريكية، وتفادى القبض عليه رغم مذكرة المحكمة الجنائية الدولية التي اتهمته بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور. رويترز، التي أجرت مقابلات مع أكثر من عشرة مصادر مطلعة اطلاعًا مباشرًا على ما جرى، رسمت صورة لرئيس بارع في إدارة التوازنات، يتلاعب بخصومات الإسلاميين والعسكريين، لكنه في النهاية وجد نفسه معزولًا في إقليم يتغير بسرعة، وبلا شبكة أمان حقيقية عندما حانت لحظة الاختبار. في تلك الساعات، لم يكن السقوط مجرد نتيجة ضغط الشارع، ولا مجرد انقلاب تقليدي. كان، في نظر كثيرين داخل الحركة الإسلامية وخارجها، لحظة انكشاف كبرى: انكشاف هشاشة الولاءات، وحدود السيطرة، والمعنى الحقيقي لكلمة ظلّت تطارد التنظيم طويلًا قبل أن تتحول إلى تفسير شامل لكل ما حدث — الخيانة.

الخيانة الكبرى

في قراءة تاريخية أوسع لمفهوم «الخيانة» داخل الحركة الإسلامية السودانية، يضع الكاتب والصحافي أشرف عبد العزيز هذا المصطلح في سياقه الهيكلي، بوصفه جزءًا أصيلًا من الصراع الداخلي، لا توصيفًا طارئًا ارتبط فقط بسقوط نظام عمر البشير. ويقول عبد العزيز لـ«أفق جديد» إن الخيانة «من أكثر الألفاظ التي عرفتها الحركة الإسلامية في إطار الصراع الداخلي منذ ستينيات القرن الماضي»، مشيرًا إلى أن بروز الدكتور حسن الترابي في المشهد السياسي عقب ثورة أكتوبر 1964 شكّل لحظة مفصلية في إعادة تعريف مسار الحركة الإسلامية السودانية، وعلاقتها بالتنظيم الأم للإخوان المسلمين في مصر. بحسب عبد العزيز، فإن ظهور الترابي ارتبط بإدراك مبكر لخصوصية التحديات السياسية والاجتماعية التي يواجهها السودان، وهي خصوصية رأى أنها تفرض على القيادة الإسلامية السودانية مقاربة مختلفة، لا تستنسخ التجربة المصرية ولا تكتفي بالتماهي مع التنظيم الدولي. وكان واضحًا لدى الترابي، كما يقول عبد العزيز، أنه إذا أراد الاستجابة للتحدي الماثل أمامه، فلا مفر من أن تحسن القيادة الإسلامية تقدير ظرفها السياسي والاجتماعي. من هذا المنطلق، قرر الترابي الخروج الكامل عن التنظيم الدولي للإخوان، استنادًا إلى ما سماه «خصوصية كل بلد»، وطرح رؤيته المعروفة بـ«التنسيق المتطور» بوصفها بديلًا لـ«البيعة المباشرة»، وذلك في أطروحة متكاملة صدرت في كتيب حمل عنوان «الأصول الفكرية والعملية لوحدة العمل الإسلامي». غير أن هذا التحول، كما يوضح عبد العزيز، قوبل باتهامات واسعة بالخيانة من قبل قطاعات من الإخوان، وتطور الخلاف إلى انقسام تنظيمي خرج على إثره جعفر إدريس وآخرون من الحركة. ويضيف أن الهجوم على الترابي لم يتوقف حتى بعد المصالحة مع نظام جعفر نميري، إذ انقسم الإخوان إلى جناحين: جناح أكبر بقيادة الترابي، وآخر بقيادة الصادق عبد الله عبد الماجد، الذي لم يقطع صلته بالتنظيم المصري. في تلك المرحلة، تحولت «الخيانة» من توصيف أخلاقي إلى أداة سياسية لإدارة الصراع داخل الحركة. ويشير عبد العزيز إلى أن الترابي نفسه ذاق مرارة هذا الوصف بأقسى صوره في العام 1999. فالترابي، كما يقول، هو من نصب الضابط عمر حسن البشير رئيسًا، وربما راوده حلم الاحتفاظ بدور المرشد على غرار التجربة الإيرانية. لكن البشير تمرّد، وكانت تلك – في نظر الترابي – أكبر خيانة، لأن كثيرًا من الإسلاميين اختاروا السلطة على حساب الحركة الإسلامية، وأنشأوا تنظيمات موازية، ما أدى إلى خسارة الترابي لأول مرة لمعركة سياسية كبرى. وينقل عبد العزيز عن الترابي توصيفه لأزمة الخيانة بأنها ناتجة عن «الثقة الزائدة»، حيث قال: «جئنا بهم وما كنا نظن يفتنوا بالسلطة بهذه الطريقة». ومنذ ذلك الحين، يضيف عبد العزيز، ظلت الثقة المطلقة وغياب المحاسبة والمساءلة عاملين أساسيين في كل الخيانات والانقسامات التي عرفتها الحركة الإسلامية لاحقًا. وفي هذا السياق، يرى أن الاتهامات المتداولة بحق مسؤول في فيلق «البراء بن مالك»، في حال صحت، لا تنفصل عن هذا الإرث، حيث يقود الشعور بالتفوق والاعتقاد بالحصانة إلى السقوط في الفتنة.

صراع النفوذ

هذا التأطير التاريخي والفكري يلتقي، من زاوية تحليلية موازية، مع قراءة الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية صلاح حسن جمعة، الذي يُعيد تفشّي ما يُوصف بظاهرة «الخيانة» داخل أوساط الإسلاميين، في المقام الأول، إلى الصراع على النفوذ والسلطة. ويقول جمعة لـ«أفق جديد» إن الحركة الإسلامية، منذ نشأتها، قامت على تحالفات واسعة جمعت بين تيارات فكرية مختلفة وشخصيات ذات طموحات سياسية متباينة. هذا التنوع، الذي منحها قوة في بعض المراحل، خلق في الوقت ذاته بيئة قابلة للانقسام عند أول اختبار حقيقي للسلطة. وبحسب جمعة، فإن وصول الإسلاميين إلى الحكم في عام 1989 مثّل نقطة تحول مفصلية، حيث تحولت الحركة من تنظيم عقائدي إلى منظومة دولة، ومع توسع السلطة برزت تناقضات حادة بين القيادات حول من يملك القرار، وكيف تُدار الموارد، ومن يحدد اتجاه المشروع السياسي. هذه التناقضات بلغت ذروتها في مفاصلة عام 1999 بين جناحي البشير والترابي، والتي شكلت لحظة كاشفة لهشاشة الوحدة التنظيمية أكثر مما كانت سببًا مباشرًا للانقسام. ويشير الخبير إلى أن تلك المرحلة شهدت زرع الأجهزة الأمنية داخل البنية التنظيمية، وعلى رأسها ما عُرف بالأمن الشعبي، الذي أُسس في الأصل لاختراق خصوم الحركة السياسيين. لكن، ومع خلو الساحة من الخصوم، جرى استخدام هذه الأدوات نفسها داخل الحركة، حيث بدأ الإسلاميون يستخدمون الأجهزة التي أنشأوها ضد بعضهم البعض. ويضيف جمعة أن الخلافات داخل الحركة لم تكن صراع نفوذ فقط، بل شملت اختلافًا عميقًا في الرؤى حول إدارة الدولة. فبينما رأى بعض الإسلاميين ضرورة الانفتاح السياسي وتوسيع المشاركة، تمسك آخرون بالنهج الأمني-العسكري بوصفه الضامن لاستمرار المشروع. هذا التباين خلق شعورًا متبادلًا بالخيانة، حيث اتهم كل طرف الآخر بالتخلي عن الأهداف التي جاء بها المشروع، سواء عبر التشدد أو التفريط. ولا يمكن، في نظر جمعة، تجاهل العامل الشخصي، المتمثل في الطموح والتنافس وتضارب المصالح. فالحركات السياسية التي تبقى في السلطة لفترات طويلة تتعرض عادة لتآكل داخلي، حيث تتغلب الحسابات الفردية على المبادئ المشتركة، وتصبح الثقة بديلاً عن المحاسبة. ويخلص الخبير إلى أن ما يُوصف بالخيانة بين الإسلاميين هو نتاج تفاعل معقد بين السلطة والأيديولوجيا والمصالح، ويعكس تحديًا هيكليًا يواجه أي حركة سياسية حين تنتقل من مرحلة الدعوة إلى ممارسة الحكم. ويستحضر في هذا السياق المقولة الشهيرة: «اذهب إلى القصر رئيسًا واذهب إلى السجن حبيسًا»، مشيرًا إلى أن جناح البشير خان شيخهم الترابي في الفترة التي اتفقوا فيها على وجوده في السجن، حيث طال بقاؤه أكثر مما كان متفقًا عليه، وحين خرج وجد أن الخيانة قد دبّت في المشروع الذي اتفقوا عليه. وبهذا المعنى، يرى جمعة أن الخيانة في تجربة الإسلاميين ليست حدثًا طارئًا، بل ظاهرة متجذرة في بنية المشروع منذ نشأته، تظهر كلما تداخلت السلطة مع التنظيم، وغابت المحاسبة لصالح الثقة المطلقة، وهو الإرث نفسه الذي يعود اليوم إلى الواجهة في سياق حرب معقدة، حيث لم تعد نتائج الصراع الداخلي محصورة داخل التنظيم، بل امتدت إلى المجال العام واقتصاد الحرب نفسه.

إطار جامع

تشكل إفادتا الكاتب والصحافي أشرف عبد العزيز، والخبير في الجماعات الإسلامية صلاح حسن جمعة، معًا إطارًا تفسيريًا متكاملاً لفهم الكيفية التي تشكّل بها مفهوم «الخيانة» داخل التجربة الإسلامية السودانية، ليس بوصفه توصيفًا أخلاقيًا عابرًا، بل كظاهرة مرتبطة ببنية التنظيم نفسه، وبانتقاله من فضاء الدعوة إلى ممارسة السلطة، ثم إلى التورط في إدارة الدولة والحرب. ففي هذا الإطار، تبدو الخيانة نتاجًا لتراكمات طويلة من الصراع على النفوذ، والثقة غير المنضبطة، وغياب المحاسبة، وتداخل التنظيم مع أجهزة الدولة والأمن. انطلاقًا من هذا الفهم، لا يمكن التعامل مع الوقائع الراهنة بمعزل عن هذا الإرث التاريخي والتنظيمي. فحين تظهر اتهامات تتعلق بتورط عناصر قيادية داخل تشكيلات ذات خلفية إسلامية في ممارسات تتناقض جذريًا مع الخطاب المعلن، فإن السؤال لا ينحصر في الفعل ذاته، بقدر ما يمتد إلى البيئة التي جعلت وقوعه ممكنًا. وهي بيئة تشكلت عبر عقود من إدارة الصراع الداخلي بالأدوات نفسها التي استُخدمت ضد الخصوم، قبل أن تُعاد توجيهها إلى الداخل، ثم تنعكس اليوم داخل سياق حرب مفتوحة. في هذا السياق التاريخي والتحليلي، لا تبدو واقعة توقيف مسؤول التدريب والساعد الأيمن لقائد قوات «البراء بن مالك»، المتهم بتهريب ذخيرة لصالح قوات الدعم السريع، حادثة منفصلة عن السياق العام لتجربة الإسلاميين بقدر ما تظهر كامتداد عملي لنمط قديم. فحين تُقرأ الواقعة على ضوء ما طرحه كل من أشرف عبد العزيز وصلاح حسن جمعة، فإنها تعكس انتقال ظاهرة «الخيانة» من كونها صراعًا تنظيميًا داخليًا على النفوذ والمرجعية، إلى سلوكيات ملموسة داخل بيئة الحرب نفسها. فالخصائص التي ميّزت التجربة الإسلامية تاريخيًا — الثقة الزائدة، غياب المحاسبة، تداخل التنظيم مع الدولة، واستخدام الأدوات الأمنية خارج الأطر المؤسسية — هي ذاتها التي تخلق بيئة قابلة لاختراق المعسكرات، وتحويل السلاح من أداة قتال إلى سلعة، والانزلاق من خطاب التعبئة الأيديولوجية إلى منطق اقتصاد الحرب. وفي هذه البيئة، لا تعود المفارقة بين القتال وتهريب الذخيرة مفارقة أخلاقية بقدر ما تصبح نتيجة منطقية لبنية لم تُحسم فيها أسئلة الولاء والمساءلة منذ البدايات. وبذلك، فإن واقعة «البراء بن مالك» لا يمكن قراءتها فقط بوصفها خرقًا أمنيًا قيد التحقيق، بل كمؤشر على تحوّل أعمق في مسار الصراع داخل التيار الإسلامي نفسه، حيث انتقلت الخلافات من مراكز القرار والتنظيم إلى ساحات القتال، وأصبحت نتائجها تمسّ الأمن العسكري مباشرة. وهو ما يضع المؤسسة العسكرية، والرأي العام، أمام سؤال لم يعد مؤجلاً: هل ما يجري حالات فردية معزولة، أم أعراض متأخرة لبنية ظلّت تُنتج أزماتها وتعيد تدويرها حتى داخل الحرب؟.

رواية الهدف

بحسب ما أوردته صحيفة الهدف، الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، وهي رواية لم تتبنّها جهات رسمية حتى الآن، فإن واقعة توقيف مسؤول في «لواء البراء بن مالك» سبقتها تفاصيل ميدانية أوسع مما أُعلن. ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تسمّها أن استخبارات منطقة مروي العسكرية ألقت القبض على المدعو (م.إ)، المسؤول عن دائرة التدريب والعمليات باللواء في الولاية الشمالية، أثناء ما وصفته بعملية تسليم مباشرة. ووفقًا لما ورد في التقرير، فإن الشحنة المضبوطة لا تتعلق بسلاح مهرب بالمعنى التقليدي، بل بذخيرة مصنّعة خصيصًا بمواصفات فنية تتطابق مع تلك المستخدمة حصريًا لدى القوات المسلحة، وتخرج – بحسب الصحيفة – من مقرات ومخازن الدولة الرسمية. وهو ما يثير، في حال صحته، تساؤلات إضافية حول مسارات خروج هذه الذخيرة، والجهات التي تمتلك القدرة على الوصول إليها وإعادة تدويرها خارج الأطر المعتمدة. وتضيف الهدف أن آلية التهريب، وفق ما وصفته مصادرها، تعتمد على تفريغ الذخيرة من صناديقها الأصلية، وإعادة تعبئتها داخل «شوالات» بهدف استيعاب أكبر كمية ممكنة، وتسهيل تمويهها داخل عربات من نوع «بوكس»، قبل نقلها إلى وجهات متعددة، من بينها مناطق تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع. وتشير الصحيفة إلى أن هذه الممارسات تتم، بحسب توصيفها، بواسطة «ضعاف نفوس» داخل المنظومة، مستفيدين من ضعف الرقابة أو تواطؤ محتمل داخل سلاسل الإمداد. وبحسب التفاصيل الميدانية التي أوردتها الصحيفة، فإن القوة الأمنية باغتت المتهمين أثناء ما وُصف بأنه إجراء «تسليم معتاد» عقب الانتهاء من تفريغ الصناديق. وخلال العملية، تفاجأت القوة – وفق الرواية – بوجود القيادي في كتيبة البراء بن مالك، (م.إ)، وهو يشرف بنفسه على عملية النقل والتسليم، لصالح المدعو (ب)، الذي أشارت إليه الصحيفة بوصفه الطرف المستلم للشحنة.

تفسير الثقة

في تعليقه على هذه الوقائع، يقدّم الكاتب والصحافي أشرف عبد العزيز تفسيرًا هيكليًا يساعد على فهم الكيفية التي تصبح بها مثل هذه الاختراقات ممكنة. ويقول عبد العزيز إن «المشكلة الرئيسية تكمن في أن التربية داخل الحركة الإسلامية قامت، منذ وقت مبكر، على الثقة بوصفها قيمة تنظيمية عليا»، مشيرًا إلى أن هذه الثقة «اتسع مداها بصورة أكبر بعد أن تحولت الحركة إلى دولة». وبحسب عبد العزيز، فإن هذا التحول أفضى إلى وضعٍ بات فيه «البدريون من الإسلاميين» خارج دوائر الشك أو المساءلة، فلم يعودوا يُنظر إليهم بوصفهم مظانّ خطر أو اختراق، وهو ما خلق بيئة مغلقة على الرقابة، وفتح الباب أمام انزلاق بعضهم إلى ما وصفه بـ«مستنقع الخيانة». وفي هذا الإطار، يضع عبد العزيز ما أوردته صحيفة الهدف في سياق أوسع، لا بوصفه رواية حزبية معزولة، بل كاختبار عملي لفكرة «الثقة غير المنضبطة» حين تنتقل من المجال التنظيمي إلى إدارة السلاح والحرب. فوجود قيادي، يتمتع بمكانة أيديولوجية وتنظيمية، في موقع إشراف مباشر على عمليات تتعلق بالذخيرة – كما ورد في تقرير الصحيفة – يعيد طرح السؤال حول حدود الرقابة داخل التشكيلات ذات الخلفية الإسلامية، وحول ما إذا كانت الثقة التنظيمية قد تحولت، في سياق الحرب، إلى ثغرة أمنية. ولا يفترض هذا الربط، بحسب عبد العزيز، ثبوت كل التفاصيل المنسوبة في تقرير الهدف، بقدر ما يسلّط الضوء على البنية التي تجعل مثل هذه الوقائع قابلة للتصديق في الوعي العام. فحين تُرفع الثقة إلى مرتبة أعلى من المحاسبة، وتُغلق دوائر الاشتباه داخل التنظيم، يصبح السلاح – حتى وهو يخرج من مخازن الدولة – جزءًا من شبكة علاقات لا تخضع للفحص الكافي، وهو ما يضاعف كلفة أي اختراق محتمل في زمن الحرب.

مصطلح الزراعة

وفي سياق تفسير بعض المصطلحات المتداولة في أوساط التنظيمات السياسية والعسكرية، يبرز مصطلح «الزراعة» بوصفه أحد المفاهيم التي يُستدعى شرحها عند الحديث عن الاختراقات أو الأنشطة غير المعلنة. غير أن الكاتب والصحافي أشرف عبد العزيز يستبعد وجود علاقة مباشرة بين ما يُعرف بـ«الزراعة» والوقائع المنسوبة في تقرير صحيفة الهدف. ويقول عبد العزيز إن «موضوع الزراعة، في جوهره، يرتبط بالحماية الحزبية أكثر من ارتباطه بعمليات تهريب السلاح»، موضحًا أن هذا النمط من النشاط «لا يقتصر على الحركة الإسلامية وحدها، بل مارسته تنظيمات سياسية أخرى في سياقات مختلفة، وبالآليات نفسها تقريبًا». ووفق هذا الفهم، فإن «الزراعة» تُستخدم عادةً كوسيلة لاختراق الخصوم أو تحصين التنظيمات، لا كغطاء مباشر لاقتصاد الحرب أو شبكات السلاح. ويضيف عبد العزيز أن إقحام مفهوم «الزراعة» في مثل هذه القضايا قد يؤدي إلى تشويش التحليل، خصوصًا إذا جرى استخدامه لتفسير وقائع تتعلق بإدارة الذخيرة والسلاح داخل بيئة عسكرية. ففي تقديره، فإن ما يُثار في واقعة «البراء بن مالك» – إن صحت تفاصيله – أقرب إلى نتائج هيكلية تتعلق بالثقة الزائدة وغياب المساءلة داخل التشكيلات ذات الخلفية الأيديولوجية، لا إلى عمليات اختراق تقليدية تُدار عبر «الزراعة» بمعناها التنظيمي المعروف. وبهذا المعنى، يميّز عبد العزيز بين نمطين مختلفين: الأول، مرتبط بالممارسة الحزبية والأمنية في سياق الصراع السياسي، والثاني، يتصل باقتصاد الحرب وإدارة السلاح. الخلط بينهما، كما يرى، لا يساعد على تفكيك الوقائع، بل قد يحجب الأسئلة الأساسية المتعلقة بسلاسل الإمداد، وآليات الرقابة، وحدود المسؤولية داخل المعسكرات.

خيانة مؤسسة

وفي هذا السياق، تبرز العلاقة الملتبسة والمشتبكة بين جهاز الأمن والمخابرات السوداني ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) بوصفها أحد أكثر الملفات دلالة على طبيعة اشتغال الدولة الأمنية في السودان. فقد كشفت تقارير صحافية، من بينها ما أوردته صحيفة الصيحة، عن مضمون تصريحات أدلى بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في حوار أجرته معه قناة العربية وبُثّ في الثاني عشر من الشهر الجاري، أشار فيها إلى تعاون مباشر بين الوكالة الأميركية وجهاز الأمن والمخابرات السوداني في ما يتعلق بمكافحة ما وصفه بالمنظمات الإرهابية.

 

وبحسب ما نُقل عن المسؤول الأميركي، فإن هذا التعاون شمل لقاءات مباشرة جمعته بمدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني آنذاك، محمد عطا فضل المولى، دون الإفصاح عن توقيتها أو مكانها، مع إبداء ارتياح واضح للدور الذي يلعبه السودان في هذا الملف، والتأكيد على وجود «رغبة مشتركة» في حماية المواطنين في كلا البلدين. وجاء ذكر السودان، في هذا الحوار، ضمن إجابة أوسع تناول فيها مدير الـCIA شبكة العلاقات المعقدة بين أجهزة الاستخبارات العاملة في الإقليم، مؤكدًا أن الوكالة الأميركية تتعاون مع طيف واسع من الشركاء الإقليميين، وأن هذا التعاون، في نظره، ضرورة تفرضها مواجهة الجماعات المسلحة العابرة للحدود.

دلالة هذه التصريحات لا تتوقف عند مضمونها الأمني، بل تتجاوز ذلك إلى رمزيتها السياسية. فهي تمثل، في نظر مراقبين، لحظة «سقوط نقاب» عن علاقة ظلت لسنوات طويلة تُدار في الظل، وتُقدَّم للرأي العام الداخلي بغير صورتها الحقيقية. فبينما ظل الخطاب الرسمي للحركة الإسلامية وأنصارها مشدودًا إلى مفردات السرية والتكتم ورفض «الهيمنة الغربية»، كانت الأجهزة الأمنية، في المقابل، تدير شبكة علاقات عملية مع قوى استخباراتية دولية، وفق منطق المصلحة وتبادل المنافع.

.ففي تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست في أغسطس 2010، أُشير إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية واصلت تقديم التدريب والمعدات لجهاز الأمن والمخابرات السوداني، رغم إدراج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورغم سجل الحكومة السودانية في مجال حقوق الإنسان، والحرب في دارفور، وملاحقة رأس النظام أمام المحكمة الجنائية الدولية. ونقل التقرير عن مسؤول استخباراتي أميركي عمل سابقًا في الخرطوم أن هذا التعاون يعود بجذوره إلى تسعينيات القرن الماضي، وظل محاطًا بسرية بالغة، حتى داخل السفارة الأميركية نفسها.

وبحسب المصدر نفسه، لم تنقطع هذه الصلات حتى في الفترات التي أُغلقت فيها السفارة الأميركية، حيث نُظّمت أنشطة التدريب والتنسيق خارج السودان. وبلغ هذا المسار ذروته، وفق ما أوردته الصحيفة، بزيارة مدير جهاز الأمن والمخابرات آنذاك، صلاح عبد الله، إلى مقر  المخابرات الامريكية في لانغلي وهي واقعة غذّت، في حينها، الانطباع بأن الجهاز الأمني السوداني لم يكن ينظر إلى نفسه بوصفه ذراعًا تنفيذية فحسب، بل كجهة مؤهلة لإدارة الحكم ذاته.

في هذا السياق، لا تعود الخيانة مجرد ممارسة ظرفية أو تكتيكًا فرضته ضرورات السياسة، بل تتحول إلى فعل مؤسسي مكتمل الأركان. فحين يُبنى التنظيم، في قراراته الكبرى، على نقض الخطاب الذي يعلنه، وعلى إدارة علاقات تناقض سرديته التعبوية، فإن الخيانة لا تكون انحرافًا عن القاعدة، بل جزءًا من القاعدة نفسها. التنظيم الذي يمارس الخيانة بوصفها أداة حكم، لا يمكنه إلا أن يُنتج أفرادًا يتشربون هذا المنطق، ويتعاملون معه باعتباره سلوكًا طبيعيًا لا يستوجب المساءلة.

بهذا المعنى، لا يصح فصل الخيانة الفردية عن الخيانة المؤسسية. فحين يُدار التعاون مع خصم مُعلن في الغرف المغلقة، بينما يُشحن القواعد بخطاب المواجهة والوعيد، فإن الرسالة التي تُغرس داخل التنظيم واضحة: الولاء ليس للقيم المعلنة، بل للقرار المتغير، والحق ليس في المبدأ، بل في من يملك سلطة تعريفه. في مثل هذه البيئة، لا يُكافأ الثبات، بل المرونة، ولا يُدان التناقض، بل يُعاد تسويغه كلما تغيّرت المصلحة.

ومن هنا، يصبح اتهام بعض الأفراد بالخيانة في لحظات لاحقة نوعًا من إزاحة المسؤولية عن البنية التي صنعتهم. فالتنظيم الذي سلّم حلفاؤه  بعد 11 سبتمبر، وفتح قنوات تعاون استخباراتي مع الولايات المتحدة في ذروة خطابه المعادي لها، هو ذاته الذي لا يملك، منطقيًا، أن يدّعي الطهرانية الأخلاقية حين تتكرر الممارسة داخل صفوفه. الخيانة، في هذه الحالة، ليست خروجًا على التنظيم، بل تعبيرًا صريحًا عن منطقة العميق

وعليه، فإن السؤال لم يعد: من خان؟

بل: كيف تحوّلت الخيانة إلى لغة عمل داخل مؤسسة كاملة؟

وحين تبلغ الأمور هذا الحد، لا يعود مستغربًا أن تنتقل الخيانة من مستوى الخطاب والعلاقات الدولية، إلى مستوى السلاح والذخيرة وساحات الحرب نفسها، بوصفها الامتحان الأخير لتنظيمٍ تشكّل واشتغل طويلًا خارج منطق الاتساق والمساءلة.

Exit mobile version