
لندن – أفق جديد
في وقتٍ تهيمن فيه صور الحرب والدمار على التغطية الإعلامية للسودان، يقدّم معرض فني جديد في العاصمة البريطانية لندن سردية مغايرة، تستعيد الذاكرة الجمالية والثقافية للبلاد، وتعيد الاعتبار للفن السوداني بوصفه مساحة للأمل والاستمرارية والإبداع. المعرض، الذي تحتضنه مؤسسة ألماس للفنون في منطقة ساوثوارك، يحمل عنوان “السودان: سرد فني بصري – معرض الجيل الثاني“، ويُسلّط الضوء على أعمال الجيل الثاني من الفنانين السودانيين الذين برزوا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ويتميّز هذا الجيل باستخدامه المكثف للألوان الزاهية والمفردات البصرية المتفائلة، في تناقضٍ واضح مع الصورة النمطية السائدة عن السودان اليوم. فاللوحات المعروضة لا تستدعي الحرب أو العنف بشكل مباشر، بل تنفتح على مفاهيم الجمال، والهوية، والذاكرة، والقدرة على الصمود، مقدّمةً رؤية فنية ترى في اللون والشكل فعل مقاومة ثقافية في حد ذاته.
وخلال افتتاح المعرض في منتصف يناير، أكدت فرح فونكينيل، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة ألماس للفنون، أن توثيق تاريخ الفن السوداني لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة ملحّة. وحذّرت من أن غياب الكتابة والأرشفة والدراسة الموضوعية للفن السوداني قد يؤدي إلى تهميشه واندثاره، مشيرةً إلى أن المعرض لا يهدف فقط إلى العرض، بل إلى حماية الذاكرة الثقافية السودانية من النسيان.
وتُعد مؤسسة ألماس للفنون منصة رائدة في دعم الفنانين الأفارقة وفناني الشتات الأفريقي، مع تركيز خاص على البحث والنشر والحوار النقدي. وقد أسهمت المؤسسة في إصدار عدد من الكتب المرجعية، من بينها «الفنون البصرية في السودان» للفنان رشيد دياب، و*«السودان يُروى من جديد»*، إلى جانب إصدارات أخرى توثّق الثقافة السودانية بصريًا ومعرفيًا. ويعكس المعرض الحالي هذه الفلسفة، من خلال إطاره التاريخي العميق ومقاربته القيّمة لتجربة الجيل الثاني من الفنانين.
أُقيم المعرض بإشراف القيّمين يافيل مبارك والدكتور فتحي عثمان، اللذين قدّما رؤية فنية واعية بالسياق السياسي والإنساني الراهن في السودان، دون أن تقع في فخ التسييس المباشر. ويعبّر مبارك عن قلقه من تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وهي حرب خلّفت، بحسب تقديرات حتى ديسمبر 2025، نحو 150 ألف قتيل وأكثر من 12 مليون نازح ولاجئ. هذه الخلفية القاتمة، كما يرى، تجعل من تركيز المعرض على الجمال والكرامة الإنسانية فعلًا ذا دلالة مضاعفة.
ويؤكد مبارك أن المعرض يتعمّد الابتعاد عن الأجندات السياسية، مفضّلًا الاحتفاء بجمال السودان وثقافته. ويشير إلى رمزية اللون في الحياة السودانية، حيث تمثّل الملابس الزاهية، خاصة لدى النساء، تعبيرًا يوميًا عن الفرح والحيوية، وهي رمزية تتجلّى بوضوح في الأعمال المعروضة.
ويحتل الفنان السوداني المخضرم رشيد دياب مكانة محورية في المعرض، احتفاءً بمرور خمسين عامًا على مسيرته الفنية. ويُضفي حضور دياب بعدًا تاريخيًا خاصًا، إذ كان قد عرض أعماله لأول مرة في لندن قبل نصف قرن. وتتمحور أعماله حول الأجساد النسائية والزي التقليدي، في تشكيلات تستحضر مفاهيم الهجرة والذاكرة وتعاقب الأجيال، مع تأكيد راسخ على الهوية الثقافية السودانية.
وينتمي رشيد دياب إلى الجيل الثاني من الفنانين الذين ظهروا في مرحلة ما بعد استقلال السودان عام 1956، وهي فترة شهدت تحولات سياسية وثقافية عميقة، ورافقها حراك فكري وفني واسع، من انتفاضة أكتوبر 1964 إلى بروز مدرسة الخرطوم الفنية. غير أن فناني الجيل الثاني، بخلاف أسلافهم، لم ينخرطوا في مدارس أو بيانات فنية محددة، بل اختاروا مسارات فردية تعبّر عن ذواتهم وتجاربهم الخاصة.
ويضم المعرض 33 عملًا فنيًا، تتنوع وسائطها بين الرسم بالأكريليك والزيت، والحبر الأسود، والألوان المائية، والكولاج، والحفر، والخط العربي، ما يعكس تعدد الخلفيات المهنية لهؤلاء الفنانين الذين جمعوا بين الفن والتدريس والتصميم والعمل الثقافي.
ومن بين الأسماء المشاركة، تبرز أعمال حسين غمان الغنية بالسرد البصري، ولوحات بكري بلال التي تمزج بين الشخصيات البشرية والرموز والخطوط، إلى جانب أعمال حسن موسى الخطية المستلهمة من الشعر الصوفي، وأعمال عبد الله محمد الطيب ذات الطابع التأملي، ولوحات محمد العتيبي التي تستكشف الهوية والكرامة الإنسانية.
ويخلص المعرض، في مجمله، إلى رسالة واضحة مفادها أن الفن السوداني، رغم ما مرّ به من ظروف قاسية وحروب ورقابة، لا يزال قادرًا على إنتاج الجمال والمعنى. ومن خلال تقديم هذه التجربة لجمهور لندن، لا يكتفي المعرض بإعادة إحياء فصل مهم من تاريخ الفن السوداني، بل يؤكد أن الصوت الثقافي السوداني ما زال حاضرًا، نابضًا، وقادرًا على تجاوز صور الحرب نحو أفق أوسع من الإبداع والحياة.