زيف الكرامة في خطاب البرهان

بقلم : ابراهيم هباني
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تكون الكلمات بريئة. المكان، والزمان، واللغة، تتحول جميعها إلى رسائل سياسية كاملة. من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في أحد المساجد باعتباره موعظة عابرة، بل بوصفه تعبيرا صريحا عن مأزق السلطة في السودان، وعن عجزها عن مخاطبة الواقع بلغة السياسة.
المشكلة لا تتعلق بالخطاب الديني في ذاته، بل بالتوقيت والمعنى. السودان يعيش منذ اندلاع الحرب في أبريل واحدة من أسوأ موجات النزوح واللجوء في تاريخه الحديث، بعد أن انسحبت القوات المسلحة من مدن وأحياء واسعة، وتركت المدنيين مكشوفين في مواجهة العنف بلا حماية. ملايين تحوّلوا إلى نازحين ولاجئين في الداخل ودول الجوار، من دون خطة، ومن دون سياسة، ومن دون حتى خطاب اعتراف بالمسؤولية.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن الكرامة إشكاليا. الكرامة، بمعناها السياسي، تبدأ بحماية الناس، لا بمطالبتهم بالصبر بعد أن تُركوا وحدهم. وتقوم على وضوح القرار، لا على استدعاء الوعظ لتعويض غياب السياسة. حين يخاطب القائد الأعلى للجيش شعبا بات جزء واسع منه لاجئا، من منبر ديني، فإن الخطاب لا يوحّد بقدر ما يستفز.
ومن تشاد إلى ليبيا، ومن إفريقيا الوسطى إلى جنوب السودان، ومن أوغندا وكينيا إلى إثيوبيا وإريتريا، يمتد شريط لجوء سوداني طويل، لا تحكمه سياسة حماية واضحة بقدر ما تحكمه إجراءات تضييق متزايدة على الإقامة والحركة والعمل. ولم يعد اللاجئ السوداني يواجه فقط قسوة النزوح، بل أيضا حسابات سياسية في دول الاستقبال. ففي مصر، التي شكّلت الوجهة الأكبر للسودانيين، يقال إن تشديد الإجراءات الأخيرة تم بناء على طلب من سلطة الجيش في السودان، وفق تصريحات للباحثة والكاتبة المصرية المتخصصة في الشؤون الإفريقية أماني الطويل، المعروفة بارتباطها بمؤسسات بحثية وإعلامية قريبة من مؤسسة الأهرام، بما تحمله من دلالة تتجاوز الرأي الشخصي إلى المزاج الرسمي العام، ليجد السوداني نفسه محاصرا بين حرب لم يخترها في الداخل، وضيق يتسع عليه في المنفى، بينما يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن الكرامة من مسافة آمنة.
السؤال الغائب عن خطاب البرهان هو السؤال الجوهري: كيف يُطلب الاصطفاف الوطني، فيما الدولة نفسها غابت عند أول اختبار؟ وبأي منطق يُستدعى الناس إلى الصبر، وهم لم يسمعوا حتى الآن رؤية واضحة لنهاية الحرب، ولا خارطة طريق لحماية المدنيين، ولا سياسة مسؤولة تجاه ملايين اللاجئين؟
حين تعجز السلطة عن تقديم إجابات سياسية، تلجأ إلى اللغة الأخلاقية. وحين تضعف شرعيتها، تبحث عن سند رمزي بديل. هذه معادلة معروفة في الدول المأزومة، حيث تتحول الحرب إلى قدر، ويعاد تقديمها بوصفها امتحانا وطنيا أو أخلاقيا، بدل كونها قرارا سياسيا قابلا للمراجعة والمساءلة.
الأكثر لفتا للانتباه أن خطاب السلطة بات ينظر بعين الشك إلى كل من يدعو إلى وقف الحرب. فالدعوة إلى إنهاء القتال، وحماية المدنيين، والعودة إلى مسار سياسي، لم تعد تُستقبل بوصفها موقفا عقلانيا، بل تُدفع أحيانا إلى خانة التشكيك. ما الذي يضر الدولة من أصوات مدنية، في مقدمتها عبد الله حمدوك، تطالب بوقف نزيف بلا أفق، وإنقاذ ما تبقى من الدولة؟
الواقع أن ما يجري لم يعد معركة دولة ضد تمرد، بل صراعا مفتوحا بلا أفق واضح، تتحمل كلفته الفئات الأضعف وحدها. والخلط بين الدين والسياسة في هذه اللحظة لا يضيف للسلطة قوة، بل يكشف فراغها.
الكرامة الحقيقية لا تصنعها الخطب، بل القرارات. قرار بحماية المدنيين، والاعتراف بالأخطاء، والفصل الواضح بين الدين وصراع السلطة. أما الكرامة التي تُستدعى في خطاب يتجاهل واقع النزوح واللجوء، فلا تستعيد للدولة هيبتها، بل تكشف زيفها.
السودان لا يحتاج اليوم إلى منابر أعلى، بل إلى سياسة أوضح. فالدولة التي تعجز عن حماية شعبها، لا تنقذها الخطب، مهما علت نبرتها، أو تغيرت منابرها.





