حقٌّ للناس أن يفرحوا.

حقٌّ بديهي، إنساني، لا يحتاج إلى تبرير ولا إلى إذن.

أن تلمس عجلات طائرةٍ مدنية أرض مطار الخرطوم بعد سنواتٍ من الصمت والظلام، حدثٌ يستدعي الفرح، أو يستحقه على الأقل. وأن تكون تلك الطائرة هي سودانير—الناقل الوطني الذي حمل اسم البلاد وذاكرتها وأحلامها في سماء المنطقة—فذلك سببٌ إضافي لأن يتضاعف الشعور، وأن تتسع الدائرة، وأن تهتز القلوب ولو لوهلة.

الناس لم يفرحوا بالطائرة بوصفها قطعة معدن، بل بوصفها رمزًا.

رمزًا لأن صوت المحركات في سماء الخرطوم، بعد ثلاث سنواتٍ من انطفاء الأنوار، يوحي—ولو خادعًا—بأن الحياة يمكن أن تعود، وأن الحرب ليست قدرًا أبديًا، وأن ليلها مهما طال فمصيره الانجلاء. في بلدٍ أنهكته الأخبار السوداء، وصار فيه الأمل عملة نادرة، يكفي مشهد واحد ليتمسّك به الناس وكأنه حبل نجاة.

لكن، وهنا بيت القصيد، ليس كل من يفرح سواء.

فالفرح الذي يخرج من صدور المكلومين، من قلوب النازحين، من عيون الأطفال التي حفظت أصوات المدافع قبل أصوات الطيور، ليس هو الفرح نفسه حين يصدر من أفواه من أشعلوا هذه المأساة، أو صمتوا عنها، أو استثمروها.

كيف يفرح المسؤولون عن الخراب؟

كيف يبتسم القادة الذين يعرفون—أكثر من غيرهم—حقيقة المشهد، وهم من يقرؤون التقارير اليومية القادمة من كل أقاليم السودان، محمّلة بأعداد القتلى، وأسماء القرى التي مُسحت، وأرقام الضحايا الذين حصدتهم خطوط النار أو طائرات المسيّرات؟

كيف يُسمح لهم بالاحتفال، وهم يعلمون أن هذا المطار نفسه ظل مغلقًا ثلاث سنوات لأن قرار الحرب كان أعلى من صوت العقل، ولأن الحسابات السياسية والعسكرية قُدّمت على حياة الناس ومستقبلهم؟

الفارق الأخلاقي بين فرح الناس وفرح السلطة شاسع.

الناس يفرحون لأنهم يريدون النجاة.

أما من في السلطة، فإن فرحهم—إن حدث—لا يخرج عن كونه محاولة لتبييض صورة، أو صناعة مشهد، أو التقاط لحظة رمزية لتسويق وهم الاستقرار، بينما الواقع، كما يعرفونه جيدًا، يقول شيئًا آخر تمامًا.

فلنكن واضحين:

هبوط طائرة سودانير في مطار الخرطوم لا يعني أن المطار عاد إلى الحياة.

ولا يعني أن السودان عاد إلى خريطة الطيران الآمن.

ولا يعني أن سماء البلاد أصبحت مفتوحة من جديد.

الحقيقة القاسية، التي لا تظهر في الصور الرسمية، أن مطار الخرطوم سيظل—في نظر شركات الطيران العالمية—موقعًا محفوفًا بالمخاطر، وأن سماء السودان باتت حيزًا غير آمن. الدليل ليس في التصريحات، بل في حركة الطيران نفسها:

الرحلات العابرة بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها تغيّر مساراتها، وما إن تقترب من حدود السودان حتى تنحرف شرقًا نحو السعودية، أو غربًا باتجاه تشاد، ثم لا تعود إلى خطها إلا بعد تجاوز المجال الجوي السوداني بالكامل. هذه ليست إشاعة، بل واقع ترصده الخرائط وشاشات الملاحة الجوية.

فما قيمة الاحتفال، إذن، إذا كان المطار معافى شكليًا فقط؟

وما جدوى المشهد، إذا كانت الأرض ما تزال تنزف، والسماء غير آمنة، والطرق بين المدن مقطوعة، والملايين بين نازح ولاجئ؟

الأخطر أن فرح السلطة—إن لم يُواجَه بالنقد—قد يتحول إلى أداة خداع.

خداع للناس، بإيهامهم أن السلام أقرب مما هو عليه فعليًا.

وخداع للعالم، بإرسال إشارات زائفة عن “عودة الاستقرار”، بينما البنادق ما تزال مشرعة، والمسيّرات تحلّق، والقرى تحترق بعيدًا عن عدسات الكاميرات.

وسودانير نفسها، التي نفرح بها اليوم، ليست مجرد شركة طيران.

هي مرآة لقصة هذا البلد مع التدمير المنهجي. دُمّرت حين دُمّرت مؤسسات الدولة، وخُنقت حين فُتحت الأبواب لشركات خاصة أُريد لها أن تكون البديل، لا لخدمة الوطن، بل لملء جيوب قلة نافذة، بينما تُهرّب موارد البلاد من ذهب وحبوب ومحاصيل—بما فيها الكركدي وغيره مما لم يُكتشف بعد—بعيدًا عن أعين الدولة والمجتمع.

لذلك، فإن الفرح بسودانير يجب أن يكون فرحًا نقديًا، لا ساذجًا.

فرحًا يحمل الأمل، نعم، لكنه لا يغفل السؤال الجوهري:

من الذي دمّر؟

ومن الذي أغلق؟

ومن الذي أشعل الحرب التي جعلت هبوط الطائرة حدثًا استثنائيًا بعد أن كان أمرًا يوميًا عاديًا؟

الناس لهم كامل الحق في الفرح، وفي التشبث بالأمل، حتى لو تجسّد في ملامسة عجلات طائرة لأرض المطار. هذا حق لا يُنازعهم فيه أحد.

لكن ليس من حق من قادوا البلاد إلى هذه الهاوية أن يتساووا مع الناس في هذا الفرح، أو أن يتخفّوا خلف دموع المواطنين التواقين للسلام.

الفرق بين الفرحين هو الفرق بين من ينتظر السلام لينجو، ومن يوظّف رموزه ليبقى.

وهنا، تحديدًا، يجب أن نُبقي الأمل حيًا، دون أن نسمح بتزييف الوعي.

أن نُفرّق بين الفرح المشروع، والاحتفال الزائف.

وأن نذكّر، في كل مشهد رمزي، بأن السلام الحقيقي لا تهبط به طائرة واحدة، بل تصنعه قرارات شجاعة، وإرادة سياسية، ووقفٌ فعلي للحرب.

إلى أن يحدث ذلك، سيظل صوت المحركات وعدًا غير مكتمل.

وسيظل الفرح ناقصًا.

لكن الناس، رغم كل شيء، سيواصلون التمسك به—لأن من لا يملك إلا الأمل، لا يستطيع أن يتخلى عنه.

Exit mobile version