أفق جديد
لم تأتِ الجولة الأوروبية لتحالف «صمود» بوصفها جولة علاقات عامة، ولا كمحاولة لإظهار حضور خارجي لقوى مدنية تعاني ضعف التأثير في الداخل، بل كتحرك محسوب لإعادة ترتيب موقع المدنيين في معادلة دولية بدأت تتعامل مع الحرب السودانية كأزمة إنسانية طويلة الأمد أكثر منها صراعًا سياسيًا قابلًا للحل. في هذا الإطار، لم يكن حديث د. عبدالله حمدوك إلى راديو دبنقا خطابًا موازياً للجولة أو تبريرًا لها، بل تعبيرًا مكثفًا عن المنطق السياسي الذي تحرك به الوفد، وعن حدود ما يراه التحالف ممكنًا في هذه المرحلة.
الجولة، في جوهرها، لم تكن متساوية الوزن بين عواصمها، ولم تحقق النتائج نفسها في كل محطاتها، وهو ما يجعل قراءتها تتطلب تمييزًا واضحًا بين ما كان استكشافًا، وما كان تثبيتًا، وما تحوّل فعليًا إلى اختراق نسبي.
وزن متفاوت
لم تحمل كل محطات الجولة القيمة السياسية نفسها. بعض اللقاءات جاءت أقرب إلى كسر عزلة أو إعادة تعريف، بينما مثّلت أخرى مساحات اختبار، في حين برزت محطة واحدة تقريبًا بوصفها مركز الثقل الحقيقي للتحرك بأكمله. هذا التفاوت لم يكن صدفة، بل انعكاسًا مباشرًا لموقع كل دولة أوروبية من ملف السودان، ولمدى استعدادها للاستثمار السياسي فيه.
اهتمام محدود
الانفتاح الذي وجده وفد «صمود» في شمال أوروبا، وتحديدًا في النرويج، يمكن وصفه بالاهتمام الهادئ أكثر منه انخراطًا سياسيًا فاعلًا. اللقاء البرلماني، رغم رمزيته، لم يحمل وزنًا تنفيذيًا، لكنه أظهر استعدادًا للإصغاء، وإبقاء السودان حاضرًا في النقاش العام. هذا النوع من التفاعل يتسق مع الدور النرويجي التقليدي في ملفات السلام، حيث تُفضّل أوسلو التموضع الأخلاقي طويل النفس، لا المبادرات السياسية السريعة.
عمليًا، لم تكن هذه المحطة مرشحة لإنتاج أثر مباشر، لكنها أدّت وظيفة مختلفة: تثبيت حضور مدني في مساحة دولية لا تزال تتعامل مع السودان باعتباره ملفًا مفتوحًا لا منتهيًا.
برود محسوب
في المقابل، عكست فرنسا مستوى أعلى من التحفظ. إعادة فتح قناة التواصل مع وزارة الخارجية الفرنسية مثّلت تطورًا شكليًا مهمًا بعد فترة من الفتور، لكنها لم تترجم إلى حماسة سياسية واضحة. الطرح الذي قدّمه الوفد، والمتعلق بوقف الحرب عبر مسار سياسي شامل، ورفض إعادة تدوير الإسلاميين، وضرورة المحاسبة، قوبل بالاستماع أكثر من التفاعل.
هذا البرود لا يمكن عزله عن السياق الفرنسي الأوسع، حيث تنشغل باريس بملفات إفريقية تعتبرها أكثر إلحاحًا، كما تتعامل مع السودان باعتباره ساحة معقدة يصعب الاستثمار السياسي فيها دون شريك دولي أوسع أو مسار تفاوضي واضح. لذلك بدت هذه المحطة أقرب إلى إعادة تقديم منها إلى بناء شراكة.
ساحة تأثير
ضمن السياق الفرنسي نفسه، لعبت اللقاءات مع مراكز التفكير دورًا مختلفًا. هنا، لم يكن الرهان على موقف حكومي مباشر، بل على التأثير في السردية التي تُبنى حول السودان داخل النخب السياسية والإعلامية. النقاشات التي دارت حول فشل المقاربات الجزئية، ومخاطر فصل الإنساني عن السياسي، وحدود إشراك قوى مرتبطة بالنظام السابق، تعكس تقاطعًا معرفيًا أكثر منه توافقًا سياسيًا.
هذه الساحة، بطبيعتها، بطيئة، لكنها مهمة في المدى المتوسط، خاصة في إعادة تعريف الحرب السودانية بعيدًا عن اختزالها في صراع عسكري مغلق.
تصعيد نوعي
التحرك في هولندا مثّل انتقال الجولة من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى أكثر حساسية. اللقاء مع لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الهولندي قدّم السودان كقضية أوروبية تمس ملفات اللجوء والاستقرار وحقوق الإنسان، لا مجرد شأن بعيد.
لكن النقلة الحقيقية كانت في لاهاي، خلال اللقاء مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. هنا، لم يعد الحديث عن الحرب توصيفًا سياسيًا عامًا، بل دخل في إطار مساءلة محددة تتعلق باستخدام أسلحة محرمة دوليًا. هذه الخطوة، بغض النظر عن نتائجها القريبة، تمثل تصعيدًا نوعيًا في خطاب القوى المدنية، ينقلها من خانة الشكوى إلى خانة التوثيق والإجراءات.
في الوقت نفسه، يظل هذا المسار محفوفًا بتعقيدات قانونية وسياسية، وقد يستغرق سنوات دون مخرجات ملموسة، ما يجعله رهانًا طويل الأجل أكثر منه أداة ضغط فورية.
مركز الثقل
على عكس المحطات السابقة، مثّلت ألمانيا النقطة التي التقت فيها الرؤية السياسية مع وزن القرار. اللقاءات البرلمانية أظهرت استعدادًا أكبر للتعامل مع «صمود» بوصفه فاعلًا سياسيًا مدنيًا، لا مجرد جسم معارض أو تحالف احتجاجي. الطروحات المتعلقة بالانتقال المدني، ودعم مبادرة الرباعية، ورفض العودة إلى ترتيبات عسكرية، وجدت مساحة نقاش حقيقية.
كما أن الحوار مع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عكس انتقالًا واضحًا من توصيف الأزمة إلى التفكير في أدوات التعامل معها، وهو مستوى لا تصل إليه عادة معظم التحركات المدنية.
سقف رسمي
بلغت الجولة ذروتها بلقاء الوفد مع وزير الخارجية الألماني يوهان فادافول ووزيرة الدولة سيراب جوله. هذا اللقاء وضع «صمود» في موقع محاور سياسي مع مؤسسة تنفيذية وازنة. المواقف التي أُعلنت، بما في ذلك دعم إنهاء الحرب والتحضير لمؤتمر أوروبي في أبريل، تشير إلى اهتمام سياسي فعلي، وإن ظل هذا الاهتمام حتى الآن في إطار الدعم والتنسيق، لا الالتزامات الملزمة.
قراءة هادئة
عند جمع خيوط الجولة وحديث حمدوك، يمكن القول إن «صمود» نجح في تقديم نفسه كفاعل مدني منظم يحمل رؤية سياسية واضحة نسبيًا، ويجيد مخاطبة الخارج بلغة واقعية غير إنشائية. في المقابل، أظهرت الجولة حدود هذا الحراك، خاصة في ظل غياب مركز مدني موحد داخل السودان، واستمرار تفوق الفاعلين العسكريين على الأرض.
في مقابلته مع راديو دبنقا، قدّم د. عبدالله حمدوك قراءة شاملة للأسباب التي دفعت تحالف «صمود» للتحرك خارجيًا، وللرؤية السياسية التي يحملها التحالف في هذه المرحلة. الحديث جاء بصيغة توصيفية، عكست محاولة لربط الجولة الأوروبية بسياق أوسع يتعلق بمسار الحرب، وأزمة الدولة السودانية، وحدود الدور المدني الممكن.
أوضح حمدوك أن الجولة الأوروبية استهدفت، في الأساس، حشد دعم دولي لوقف الحرب، التي وصفها بأنها أنتجت أكبر مأساة إنسانية في السودان، مشيرًا إلى أن الوفد سعى إلى نقل معاناة النزوح واللجوء مباشرة إلى مراكز القرار وصناعة الرأي في أوروبا، في ظل تراجع الاهتمام السياسي الدولي، وهيمنة المقاربة الإنسانية المجردة على التعامل مع الأزمة.
ثلاث مسارات
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن التحالف طرح ثلاثة مسارات متوازية لوقف الحرب، دون فصل بين الإنساني والسياسي، معتبرًا أن التجارب السابقة أثبتت محدودية أي معالجة لا تدمج المسارين معًا. ولفت إلى أن غياب رؤية مدنية موحدة أضعف حضور القوى المدنية، وهو ما دفع «صمود» إلى الدعوة لتنسيق واسع تحت مظلة واحدة، يتم خلالها الاتفاق على قضايا أساسية قبل الانتقال إلى التنافس السياسي.
فشل الشراكة
وتوقف حمدوك عند تجربة الشراكة المدنية–العسكرية، مؤكدًا أنه كان من المؤمنين بها وروّج لها في مرحلة سابقة، إلا أن التجربة العملية، بحسب قوله، أثبتت فشلها، وأنه لا يرى مجالًا لعودتها مرة أخرى. هذا الموقف قُدِّم باعتباره خلاصة تجربة سياسية، لا مراجعة نظرية، في ظل ما آلت إليه الأوضاع من انقلاب وحرب.
وفي ما يتصل بدور القوى المدنية، أشار إلى أنها، رغم افتقارها للسلاح، تملك وزنًا شعبيًا، معتبرًا أن أي سلام لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة المدنيين، وأن بناء الدولة في السودان يظل مرتبطًا بإنتاج توافق واسع، لا بترتيبات فوقية أو حلول مفروضة.
وحول الانفتاح السياسي، أوضح أن التحالف يتبنى مقاربة تميّز بين القوى السياسية، حيث يشمل الانفتاح المؤتمر الشعبي، ويستثني المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، في ضوء ما يعتبره التحالف مسؤولية مباشرة لهذه القوى عن تقويض المسار الانتقالي وإشعال الصراع.
وتناول حمدوك إعلان نيروبي وميثاق القاهرة بوصفهما خطوتين إلى الأمام وبداية في اتجاه توحيد القوى المدنية، دون أن يقدّمهما كحل نهائي، بل كمسارات تحتاج إلى استكمال وبناء سياسي أوسع. كما أشار إلى أن مبادرة الرباعية تتقاطع مع رؤية «صمود»، لكونها طرحت مبادئ واضحة وخارطة طريق ومواقيت زمنية، ونصّت على انتقال مدني كامل.
وفي حديثه عن الدور الدولي، شدد على أن ترتيب أوضاع السودان لا يمكن أن يتم بمعزل عن الصوت السوداني، معتبرًا أن أي مبادرة إقليمية أو دولية لا تستصحب رؤية السودانيين تفتقر إلى المعنى والجدوى. وفي هذا السياق، أكد أن الحرب اندلعت بأيدٍ سودانية، وأن حلها الأساسي يجب أن يكون عبر المدنيين السودانيين، على أن يقتصر دور الإقليم والمجتمع الدولي على الدعم والمساندة.
أزمة وجودية
ووصف حمدوك الوضع الراهن بأنه أزمة وجودية حقيقية تواجه السودان، داعيًا إلى وضع الخلافات جانبًا، والاتفاق على المشتركات أولًا لإنقاذ البلاد، مع ترك المجال لاحقًا للتنافس السياسي في إطار سلمي. كما أشار إلى أن السودان بلد ذو أغلبية مسلمة، ولا يرى وجود تهديد للإسلام، معتبرًا أن قضايا الدين لا ينبغي توظيفها كأداة صراع، وداعيًا إلى اعتماد “المائدة المستديرة” كإطار لحوار سوداني–سوداني شامل.
وتطرق الحديث إلى الانقسام الحاد داخل المجتمع السوداني، معتبرًا أنه ليس ظاهرة جديدة، لكنه تعمّق بفعل الحرب، وأن جذوره تعود إلى تاريخ طويل من التهميش وسوء إدارة التنوع. واعتبر أن الحرب الحالية تضع السودانيين أمام خيارين واضحين: إما إعادة ترتيب أوضاع البلاد وبناء سودان جديد يقوم على عقد اجتماعي مختلف، أو الاستمرار في مسار الفشل الذي لازم الدولة لأكثر من سبعين عامًا.
قضايا جوهرية
وفي هذا السياق، شدد على أن القضايا الجوهرية، مثل العلاقة بين الدين والدولة، والمواطنة المتساوية، ودور الجيش، والهوية، يجب أن تكون في صلب أي مؤتمر دستوري شامل. وخلص إلى أن الدولة السودانية فشلت في أن تكون متصالحة مع نفسها ومع مواطنيها، وفشلت في إدارة التنوع وبناء أفكار جامعة، وهو ما يجعل الحاجة ملحّة إلى عقد اجتماعي جديد ودستور يشارك الجميع في صياغته، يعالج قضايا الهوية والتنوع وتوزيع الثروة والسلطة، ويؤسس لجيش قومي يرى فيه كل السودانيين أنفسهم.
حديث حمدوك، في هذا السياق، لا يبدو خطابًا تعبويًا ولا محاولة لتلميع شخصي، بل توصيفًا لموقع التحالف في لحظة صعبة: مراجعة سياسية معلنة، سقف طموحات محسوب، وإدراك بأن الدعم الدولي لا يصنع وحده تحولًا ما لم يسبقه فعل داخلي.
عودة السياسية
في المحصلة، لم تغيّر الجولة الأوروبية موازين الحرب، لكنها أعادت إدخال السياسة إلى النقاش الدولي حول السودان، بعد أن كادت تُختزل الأزمة في أرقام النزوح وتقارير الإغاثة. هي خطوة ذات أثر تراكمي، لا نتيجة فورية، تكشف في آن واحد إمكانات الفعل المدني وحدوده.
أما السؤال الحقيقي الذي تتركه الجولة مفتوحًا، فلا يتعلق بما سمعه الأوروبيون من وفد «صمود»، بل بما إذا كانت القوى المدنية قادرة، في مرحلة لاحقة، على تحويل هذا الحضور الخارجي إلى وزن سياسي داخلي، في واقع ما زال السلاح فيه هو الفاعل الأقوى.