المصالحة الوطنية في السودان: ضرورة إنقاذ لا مقايضة على العدالة

بقلم : طارق فرح 

في مسار الحروب الأهلية، تصل الدول إلى لحظة حاسمة تدرك فيها أن استمرار القتال لم يعد خيارًا، وأن كلفة الحرب باتت تفوق أي مكسب سياسي أو عسكري محتمل. عند هذه النقطة، تظهر المصالحة الوطنية ليس كتنازل أخلاقي أو تسوية مع الجريمة، بل كخيار واقعي لوقف النزيف وإنقاذ الدولة والمجتمع من الانهيار. السودان اليوم يقف عند هذه اللحظة الحرجة، حيث تحولت الحرب إلى مأساة مفتوحة يدفع ثمنها المدنيون، وتشكل تهديدًا مباشرًا لوحدة البلاد ومستقبلها.

تُظهر تجارب دول العالم الثالث التي خرجت من حروب أهلية مدمرة أن المصالحة الوطنية لم تكن يومًا اعترافًا بالفاعلين المسلحين أو شرعنة لجرائمهم، بل إطارًا مؤقتًا للتوافق على الحد الأدنى الذي يسمح بوقف القتال وفتح الطريق أمام الحل السياسي. في جنوب أفريقيا، لم تكن المصالحة بعد سقوط نظام الفصل العنصري عفوًا بلا حساب، بل مسارًا لتجنب حرب أهلية شاملة، بالتوازي مع آليات عدالة انتقالية اعترفت بالضحايا وفتحت ملفات الانتهاكات. وفي كولومبيا، لم يكن الاتفاق مع الجماعات المسلحة تكريسًا للتمرد، وإنما خيارًا لإنهاء حرب استنزفت الدولة والمجتمع لعقود، مع ضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والإنصاف.

أما رواندا، التي شهدت واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث، فقد تعاملت مع المصالحة بوصفها ضرورة وجودية لإعادة بناء الدولة والمجتمع، مع الفصل الواضح بين وقف الصراع وإعادة اللحمة الوطنية من جهة، ومسارات المحاسبة القضائية من جهة أخرى. وتجارب أخرى في موزمبيق وسيراليون تؤكد أن إنهاء الحروب لا يتم عبر الانتقام أو الإنكار، بل عبر تسويات عقلانية تُنهي القتال أولًا، ثم تؤسس لعدالة مستدامة.

في السودان، يجب التأكيد بوضوح أن المصالحة الوطنية لا تعني بأي حال من الأحوال الاعتراف السياسي أو الأخلاقي بالقوى التي أجرمت في حق الشعب، ولا تمثل عفوًا مفتوحًا عن الانتهاكات أو الفساد، ولا تُسقط حق الضحايا في العدالة. المصالحة، في معناها الدقيق، هي توافق وطني على الحد الأدنى الذي لا غنى عنه في هذه المرحلة: وقف الحرب فورًا، فتح الممرات الإنسانية، دخول المساعدات دون عوائق، حماية المدنيين، ثم العودة إلى مسار مدني ديمقراطي يعيد بناء الدولة على أسس القانون والمؤسسات.

ومن المهم الاعتراف بأن تخوف أو معارضة بعض الثوريين المؤمنين بثورة ديسمبر لمسار المصالحة الوطنية هو موقف مشروع ومفهوم، في ظل تاريخ طويل من نكوص العهود والتفاف على مطالب التغيير. هذه المخاوف لا تعبّر عن رفض للسلام، بل عن حرص عميق على شعارات الثورة وقيمها. غير أن الواقع الكارثي الذي تعيشه البلاد اليوم، وحجم الدمار الذي يطال المدنيين والدولة معًا، يفرض على الجميع مسؤولية تاريخية استثنائية: التوافق المؤقت لوقف الحرب لا يعني التنازل عن الثورة، بل السعي لحمايتها من الفناء. فالثورة التي لا تنقذ شعبها من الموت اليوم، لن تجد غدًا من يحمل رايتها أو يطالب بعدالتها.

أخطر ما يواجه فكرة المصالحة الوطنية في السودان هو الخلط المتعمد بينها وبين الإفلات من العقاب، أو استخدامها ذريعة لتمديد الحرب وإعادة إنتاج العنف. هذا الخلط لا يخدم سوى دعاة الصراع، ويغلق أي نافذة أمل أمام ملايين السودانيين والسودانيات الذين يدفعون ثمن الحرب يوميًا. فالمصالحة ليست نهاية الصراع السياسي، بل بدايته على أرضية جديدة أقل دموية وأكثر إنسانية.

إن المصالحة الوطنية في السودان ليست نقيضًا للعدالة ولا بديلًا عنها، بل مدخلًا ضروريًا لوقف الحرب وإنقاذ الأرواح، وتهيئة الطريق أمام عملية سياسية مدنية تفتح الباب أمام عدالة حقيقية لا تسقط الجرائم ولا تساوم على الدم. فلا عدالة بلا حياة، ولا دولة بلا سلام، ولا مستقبل للسودان دون توافق وطني يضع حدًا للحرب أولًا، ثم يفتح الطريق لبناء وطن يستحق تضحيات أبنائه وبناته ، وطن يسع الجميع ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى