١٥ أبريل دم ودمار وخسارة الفرص البديلة

وئام كمال 

منذ إندلاع حرب 15 أبريل بالسودان، السودانيون يدفعون تكلفة خسائر هذه الحرب، وصحيح أن هذه الخسائر طالت مئات المباني والبنية التحتية للبلاد، و ألحقت ضرراً غير مسبوق بالاقتصاد السوداني و موارده، علاوة على خسائر الأرواح والضرر النفسي الذي أصاب الشعب، ليس فقط لإندلاع الحرب، و إنما أيضا من الصدمة الناتجة عن توقعاته انتهائها في ظرف أسبوع أو أسبوعين، ليجد السودانيون أنفسهم بين مآسي اللجوء والنزوح والتهجير والبطالة و افتراس تجار الأزمات داخل البلاد وخارجها، وهم يعيشون أكبر كارثة إنسانية في العصر… في حين تصرف على هذه الحرب واستمراريتها ملايين الدولارات، الأمر الذي يجعل حسبة الخسائر تتجاوز نفقات الحرب وأضرارها إلى التنمية البديلة التي كانت يمكن أن تكون…. في الوقت الذي تقدر فيه خسائر القطاع الزراعي بأكثر من 10 مليارات دولار، كيف يمكننا حساب الخسائر مضاف إليها النفقة اليومية للحرب والفرص البديلة التي كانت يمكن أن تعيد مشروع الجزيرة إلى عهده القديم، ولنحسب أيضاً تكلفة هذه الخطوة قبل الحرب، تكلفتها الآن ونضيف الفرق إلى الخسائر… 65 بالمائة من القطاع الزراعي تم تدميره، 75 بالمائة من القطاع الصناعي، والفقر والعوز والمجاعات ونفقات معالجتها مضافة أيضا إلى الخسائر… مشروع الجزيرة خارج العمل، وخسائر كبيرة في إنتاج القمح والذرة والقطن على مستوى البلاد. فمن يحسب الخسارة… أما التراث، وهو ما يحمل من الخسارات ما قد يستحيل تعويضه، دار الوثائق السودانية والتي تضم ثلاثة ملايين وثيقة لحقب مهمة من تاريخ السودان، والتي تعرضت لضرر كبير ليس فقط جراء الحرب والقصف وتبادل النيران، وإنما أيضاً جراء التخريب والسرقة، ولنذكر أن نضيف إليها الآلاف القطع الأثرية من المتحف القومي للخرطوم… أكثر من 20 مليون شخص سوداني يحتاج إلى المساعدة الإنسانية، وأكثر من 18 ألف مدني لقوا حتفهم من بداية هذا الصراع، علاوة على النزوح والعمالة والأطفال خارج التعليم الذي سبق أن عرضنا خسائره في المقال السابق…. تحتاج البلاد إلى مليارات الدولارات لإعادة التعمير والبناء، الأمر الذي يعد الحديث عنه رفاهية قبل توقف الحرب واستقرار البلاد… 

مائة مليون دولار يوميا   نعم يوميا هي تكلفة هذه الحرب بحسب الأمم المتحدة ولنتخيل فقط ما كان يمكن أن تفعله مائة مليون دولار يوميا لدفع عجلة التنمية والإنتاج بالبلاد وكم كان يمكن أن يكون العائد منها ولنضيف خسارات الفرص البديلة والضائعة إلى هذا المبلغ أيضاً وإلى خسارات الحرب 

ولنفكر فقط ماذا لو توقفت منذ عام أو كيف يمكن تعويض هذه المبالغ يوما… الأمر الذي يجعل حسبة الخسارات حسبة أكثر إيلاماً وإيجاعاً ماذا يمكن أن يفعل ٢٠بالمائة فقط من هذا المبلغ قبل الحرب… 

الحرب تستنزف أكثر من 40 بالمائة من ميزانية البلاد لتستمر ولتشرعن الحكومات الحرب في جهتيها، ولتهدد وحدة البلاد وحدودها وأحلام شعبها بدولة الحرية والسلام والعدالة والانتقال المدني الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة… أما المواطن فهو ذلك الشخص الذي يدفع التكلفة من أحلامه، من قوته، من أرواح أحبته، ومن تمزق نسيج بلاده الاجتماعي، من حدودها، ومن استقرار وأمنه، ومستقبل أبناءه، ومن سلامته النفسية، المواطن الذي جعل الجمال طبيعة وطبعاً وتطبعاً في إعتصام القيادة العامة، يراه العالم كله يعلو صوته ليعبر الحدود، وليكتب التاريخ أهازيج وأغاني دعاء وتعامل وهتافات أحلام وأخلاق جداريات وسلام تعايش ومحبة، هو نفسه يطبع الآن مع حرب تجاوزت عامها الثاني، مع القتل والموت والدمار والدم وخطاب الكراهية وتهديد الحلم وهو ما بدأ بمجزرة القيادة العامة نفسها .. السودانيون يعلمون جيداً بكل اختلافاتهم، جميعهم يعلمون أن هذه الحرب سبة وخطيئة، وأن استمرارها هلاك، يريد كل نهايتها لما يرضي حنقه ووجعه، وما (يفش غبينته) في الوقت الذي يتصاعد فيه صوت السلام تدريجياً، يعلو أكثر فأكثر، ويكشف عورات هذه الحرب وخسارتها، وربما يخبرهم بأن حتى الخسائر المحسوبة بالورقة والقلم أكبر مما تبدوا عليه، وتتجاوز ما يمكن كتابته..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى