واشنطن ،أديس أبابا ،سويسرا والخرطوم تترنح

فبراير .. 3 إجتماعات بشأن السودان والرابع صفر كبير

أفق جديد

في فبراير، لا تبدو الحرب في السودان كمعركة تبحث عن نهاية، بل كأنها مسرح واسع لإعادة توزيع الأدوار فوق أنقاض لم تبرد بعد. حراك كثيف، اجتماعات متلاحقة، وتصريحات تملأ الفضاء، لكن تحت هذا الضجيج يسود إحساس ثقيل بأن ما يجري ليس بحثًا عن مخرج، بل محاولة يائسة لترتيب الخراب وتأجيل الانهيار. الخارج يتحرك، والداخل يتفكك، وبينهما بلد يُدار كما لو أنه مرحلة انتقالية بلا أفق.

ثلاث محطات ترسم ملامح هذا المشهد خلال الشهر الجاري: في العاشر من فبراير يستضيف الإتحاد الأفريقي اجتماعًا لوزراء الخارجية لمناقشة القضية السودانية، وفي واشنطن يلتئم إجتماع لسفراء دول الرباعية الدولية، مع ترجيحات بانضمام قطر والكويت، في محاولة لحشد دعم مالي للأوضاع الإنسانية المتدهورة، بينما تحتضن سويسرا في النصف الثاني من الشهر اجتماع اللجنة التنسيقية المصغرة لمبادرة «نيون». وعلى الضفة الأخرى، يتحرك الداخل بقلق مماثل، حيث تنشغل القوى السياسية المتحالفة مع الجيش بصياغة تصورات لتشكيل مجلس تشريعي، تمهيدًا لعرضها على القائد العام للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح البرهان، في اجتماع ثانٍ مرتقب بالخرطوم الأسبوع المقبل.

لكن كل هذا الحراك يجري فوق أرضية متهالكة. فالمشهد السياسي الداخلي بدا مؤخرًا كأنه لقطة أخيرة في فيلم طويل من التآكل البطيء. الكتلة التي وُلدت لعرقلة الحكومة الانتقالية وإجهاض التحول المدني الديمقراطي، وتماسكت بالضرورة لا بالقناعة، باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة. التشاكس صار لغتها اليومية، والخلاف تحول من عارض عابر إلى سِمة ملازمة، حتى لم يعد أحد يتذكر لماذا اجتمعوا أصلًا. قيادي في الحزب الكبير، وعضو مؤثر داخل ما يُعرف بالكتلة الديمقراطية، لخّص المشهد ببرود العارف بنهايات الأشياء: كل هذه التكتلات لم تعد مجدية.

وجاء اجتماع الأسبوع الماضي في بورتسودان ليضع حدًا لأي التباس متبقٍ. لم يكن لقاءً للتفاوض، بل أقرب إلى إعلان وفاة سياسي. جلس القائد العام أمام المجتمعين بلا مواربة، بلا مجاملات، ولا حاجة للزخرفة. كانت كلماته قصيرة، حادة، ومباشرة: «كلٌّ يأتينا للمجلس التشريعي فردًا». جملة واحدة كانت كافية لتفكيك ما تبقى من أوهام التحالف، وإسقاط فكرة الكتل من أساسها.

خرجوا من القاعة أفرادًا قبل أن يغادروها فعليًا. لا بيانات ختامية، لا صور جماعية، ولا شعارات جامعة. كان ذلك المسمار الأخير في نعش التحالفات التي ساندت ما سُمِّي بـ«معركة الكرامة». ومنذ تلك اللحظة، صار واضحًا أن قواعد اللعبة تغيّرت: لا مظلات سياسية، لا كتل تفاوض باسم جماعات، فقط أفراد وكيانات يتقدمون وحدهم… أو يختفون في الظل، بينما يستمر الحراك الدولي في الدوران حول مشهد داخلي يتفكك بصمت.

اجتماع التوبيخ

ويقول مصدر رفيع داخل الكتلة الديمقراطية لـ«أفق جديد» إن اجتماع بورتسودان سبقتْه وتلته خلافات واسعة، مؤكدًا أن اللقاء لم يكن قاصرًا على الكتلة وحدها، بل شاركت فيه قوى أخرى من بينها رئيس تحالف الحراك الوطني د. التجاني السيسي، ورئيس الجبهة الثورية السودانية محمد سيد أحمد سر الختم. وأضاف القيادي، الذي فضّل حجب اسمه، أن الاجتماع لم يكن مريحًا، لا للمجتمعين ولا لقائد الجيش، لافتًا إلى أن الدعوة في بدايتها كانت مخصصة للكتلة الديمقراطية قبل أن يتم توسيعها لتشمل قوى من خارجها.

وبحسب المصدر، وجّه البرهان خلال كلمته لومًا وتقريعًا حادين للقوى المدنية، وحمّلها مسؤولية ما آلت إليه البلاد من تمزق وخراب، وقال مخاطبًا المجتمعين: «إنتو وجماعتكم ديك» في إشارة إلى مجموعة «صمود»، «بخلافاتكم مزقتم البلد ووديتوها للحاصل اليوم». وأضاف أن القائد العام اتهم المدنيين بأنهم «لا شغل لهم غير القيل والقال».

وخلاصة الاجتماع، وفق المصدر نفسه، أن على القوى السياسية أن تتوحد على رؤية واحدة وتدخل في حوار سوداني–سوداني، تمهيدًا للقاء مرتقب في الخرطوم الأسبوع المقبل بمشاركة أوسع للقوى التي ساندت الجيش في الحرب، أو ما وصفه المصدر بـ«دعم الشرعية». غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع من الانقسام العميق؛ إذ نفى القيادي داخل الكتلة الديمقراطية نفيًا قاطعًا أن تكون تلك القوى قد اجتمعت أو ستجتمع لتوحيد موقفها، قائلًا: «لم نجتمع ولن نجتمع».

وأوضح المصدر أن كل كتلة، سواء داخل الكتلة الديمقراطية أو خارجها، ستقدم تصورها الخاص بشأن تشكيل المجلس التشريعي. ولفت إلى أن المجلس، بحسب الوثيقة الدستورية، يتكون من 300 عضو، يُخصص 25% منها – أي 75 مقعدًا – للحركات الموقعة على اتفاق جوبا، بينما توزع المقاعد الـ225 المتبقية على الأحزاب السياسية والمكونات المجتمعية، بما في ذلك معاشو القوات المسلحة، والشباب، والنساء، والمثقفون، والفنانون. ورفض المصدر فكرة المساواة بين الأحزاب، معتبرًا أن هناك قوى ذات ثقل تاريخي لا يمكن وضعها على قدم المساواة مع كيانات صغيرة.

في المقابل، يتعارض هذا الحديث مع ما نقله مصدر مقرب من دوائر صنع القرار لـ«أفق جديد»، إذ أكد أن المجلس التشريعي لن يرى النور في القريب العاجل، مضيفًا بلهجة قاطعة: «خذها مني… ما في مجلس تشريعي ح يقوم قريب». واعتبر المصدر أن حديث القائد العام كان واضحًا في دعوته القوى السياسية إلى الاتفاق على رؤية وطنية شاملة تجنب البلاد صراعات الماضي، لا إلى التفاهم على تقاسم مقاعد المجلس. ورأى أن تفسير هذا الحديث باعتباره تفويضًا لتشكيل المجلس خطأ فادح.

وبين الروايتين، يظل المؤكد أن توزيع مقاعد المجلس – إن تم – لن يقوم على أساس الكتل السياسية، باستثناء مجموعة اتفاق جوبا، بينما ستُوزع بقية المقاعد على الأحزاب بشكل منفرد، وهو ما يعني عمليًا تفكيك ما تبقى من هذه التحالفات. وهكذا، يستمر الحراك الدولي في الدوران، بينما يتآكل الداخل بهدوء، في مشهد لا يشبه بدايات التحول… بقدر ما يشبه فصوله الأخيرة.

مقعد السودان

ويكتمل هذا المشهد المتشابك بإعلان مجلس السلم والأمن الأفريقي، الذي تتولى جمهورية مصر رئاسته الحالية، عن انه سيتلقى في العاشر من فبراير إحاطتين على المستوى الوزاري حول الأوضاع في كلٍ من السودان والصومال. وستُستهل الجلسة بإحاطة مخصصة للسودان، تسبقها مشاورات غير رسمية يُتوقع أن يشارك فيها وزير خارجية السودان، وفقًا للبرنامج على موقع الاتحاد الأفريقي. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب الجلسة رقم (1319) للمجلس، المنعقدة في ديسمبر 2025، والتي جرى خلالها الاتفاق على عقد اجتماع وزاري بشأن السودان على هامش الدورة العادية التاسعة والثلاثين لقمة الاتحاد الأفريقي.

وخلال تلك الجلسة، رحّب المجلس بتشكيل «الخماسية» بوصفها أحدث صيغة في جهود السلام بالسودان، وهي آلية تجمع الاتحاد الأفريقي، والإيغاد، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، بهدف إرساء عملية سياسية ومدنية للسلام تحت قيادة أفريقية. وإدراكًا لظهور بنية لصنع السلام تقوم فعليًا على مسارين متوازيين — أحدهما يركز على وقف إطلاق النار أو الهدنة الإنسانية، والآخر يتناول المسار السياسي والمدني — دعا المجلس أعضاء الخماسية والرباعية إلى العمل بشكل أوثق لضمان قدر أكبر من التناغم في جهود الوساطة. وفي هذا السياق، طبقا لوثيقة البرنامج المنشورة على موقع المنظمة الافريقية يُنتظر أن تتضمن الإحاطة المقبلة تحديثًا بشأن الاجتماع التشاوري للخماسية الذي استضافته مصر منتصف يناير، وما أفضى إليه من نتائج.

غير أن هذا الحراك الإقليمي والدولي، بكل ما يحمله من صيغ وآليات، يتقاطع مع واقع داخلي يتفكك بوتيرة أسرع. فبينما يناقش مجلس السلم والأمن إعادة معايرة انخراط الاتحاد الأفريقي، ومتابعة قراراته السابقة، بما في ذلك إنشاء فريق عمل مشترك لتنسيق الجهود الإنسانية، وتلقي أحدث المستجدات الأمنية، واستكشاف سبل تعزيز التنسيق بين مبادرات الوساطة المختلفة، تبدو الخريطة السياسية في الداخل وكأنها تُفرغ من مضمونها الجماعي. الاجتماع الأخير في بورتسودان، الذي حسم مصير الكتل والتحالفات بعبارة واحدة: «كلٌّ يأتينا للمجلس التشريعي فردًا»، كان التعبير الأوضح عن هذا التحول.

ولن يكون مفاجئًا، في هذا السياق، أن يُثار داخل أروقة المجلس الأفريقي موضوع رفع تعليق عضوية السودان، لا سيما إذا ما طرحه ممثل السودان خلال المشاورات غير الرسمية. لكن المفارقة تبقى قائمة: بينما يسعى الخارج إلى إعادة ترتيب مسارات السلام وصيغه، تتبدد في الداخل فكرة العمل الجماعي نفسها، ليغدو المشهد محكومًا بأفراد يتقدمون وحدهم، في لحظة يبدو فيها السودان حاضرًا على طاولات الوساطة… وغائبًا عن فكرة الإجماع.

الحفر بالابرة

وفي هذا السياق، تستضيف واشنطن غدًا الثلاثاء، الثالث من فبراير، فعالية خاصة بـ«صندوق السودان الإنساني» في معهد دونالد ج. ترامب للسلام، بدعوة من المستشار الأول للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وبمشاركة وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية أليسون هوكر.

ومن المقرر أن تشهد الفعالية إعلان تعهدات مالية ومساهمات إنسانية من الولايات المتحدة وعدد من الدول، تعقبها جلسة نقاش ومؤتمر صحفي يشارك فيه بولس إلى جانب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة، توم فليتشر. وتبدأ الفعالية عند الساعة العاشرة صباحًا بكلمات افتتاحية وإعلانات الدعم المالي، في خطوة تعكس تركيز الحراك الدولي الراهن على البعد الإنساني للأزمة، في وقت يتعثر فيه أي مسار سياسي جاد لإنهاء الحرب. ويقول الخبير الأمني بشير يوسف إن واشنطن «تحفر بالإبرة» في مسعاها لتحقيق اختراق في ملف السلام السوداني، معتبرًا أن اجتماعات الثلاثاء تمثل «الجزرة» التي قد تعقبها «العصا» في مواجهة الأطراف الرافضة. غير أنه كشف، في حديثه لـ«أفق جديد»، عن اتساع الهوة داخل مكونات الرباعية الدولية بشأن مقاربات الحل، مستشهدًا بتصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية حول الاتصال الهاتفي بين الوزير بدر عبد العاطي ونظيره السعودي فيصل بن فرحان، والتي صنّفت فيها مصر – وللمرة الأولى – قوات الدعم السريع باعتبارها «مليشيا متمردة».

ويرى يوسف أن هذا الموقف تبنّى بصورة كاملة رؤية الجيش السوداني، التي تشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن لإقرار هدنة إنسانية، وهي رؤية يرفضها الدعم السريع جملةً وتفصيلًا، محذرًا من أن مآلات هذا الاتصال قد تُضعف فرص التوصل إلى هدنة إنسانية قبل حلول شهر رمضان.

في المقابل، عبّر دبلوماسي غربي تحدّث لـ«أفق جديد» عن تفاؤل كبير بإقرار هدنة إنسانية قبل رمضان، مؤكدًا أن النقاشات بشأنها «شارفت على نهاياتها». وعضدت هذا التفاؤل النبرة الإيجابية التي تحدث بها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك خلال الندوة التي نظمها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» في العاصمة البريطانية لندن، حيث قال إن مبادرة «الرباعية» – التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات – تتوافق مع رؤية التحالف بشأن الانتقال المدني الكامل والإصلاح الأمني، موضحًا أنها وضعت مبادئ واضحة وخارطة طريق ومواقيت زمنية، وتمثل إطارًا مناسبًا لدفع العملية السياسية.

مسار «نيون»

وبالتوازي مع ذلك، وزعت منظمة بروميديشن دعوات لاجتماع أعضاء اللجنة التنسيقية المصغرة لمسار «نيون» في سويسرا خلال النصف الثاني من فبراير الجاري، لمناقشة مخرجات الورش التي نُظمت بدعم من المنظمة. وبحسب معلومات «أفق جديد»، تضم اللجنة شخصيات بارزة، من بينها رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، ووزيرة الخارجية السابقة مريم المهدي، ورئيس الجبهة الشعبية المتحدة خالد شاويش، إضافة إلى القيادي في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول.

غير أن مسار «نيون» نفسه لم يسلم من التصدعات؛ إذ أثار تنظيم «بروميديشن» ورشتين وُصفتا بمحاولات لإعادة توحيد الإسلاميين جدلًا واسعًا، ما دفع الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي إلى إعلان تعليق مشاركتها في المسار، احتجاجًا على تنظيم اجتماعات للمؤتمر الوطني وقوى إسلامية في ماليزيا.

هكذا، يتضح أن الحراك الدولي – مهما بدا نشطًا ومكثفًا – يتحرك فوق أرض سياسية داخلية متصدعة، تتنازعها رؤى متعارضة، ومسارات متوازية لا تلتقي. تفاؤل الخارج يقابله تفكك الداخل، ومبادرات تُصاغ بعناية تصطدم بواقع سياسي يتآكل بصمت. وبين «جزرة» الضغوط الدولية و«عصا» الوقائع الميدانية، يظل السؤال معلقًا: هل ينجح هذا الحراك في فتح كوة حقيقية نحو السلام، أم أنه مجرد فصل جديد في إدارة أزمة طويلة، تُعاد فيها هندسة الخراب بدلًا من إنهائه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى