السودان يُباد
حاتم ايوب ابوالحسن
إلى مجلس الأمن،
إلى من يحتكرون حق القرار ويتقنون لعبة غسل الجرائم بالكلمات،
ما يجري في السودان ليس “نزاعًا معقّدًا”، ولا “أزمة متعددة الأبعاد”، ولا فشلًا في التنسيق.
ما يجري جريمة مكتملة الأركان، وأنتم تعلمون ذلك.
مدنيون يُقتلون عمدًا، يُهجَّرون قسرًا، ويُجوَّعون أمام أعينكم، بينما تنشغلون بصياغة بيانات لا تحمي طفلًا ولا توقف رصاصة. المشكلة لم تكن يومًا في نقص المعلومات، بل في غياب الإرادة، وفي فائض النفاق.
السودان اليوم لا يفضح أطرافه المتحاربة فقط، بل يفضحكم أنتم.
يفضح نظامًا دوليًا يدّعي القواعد عندما تكون الضحية ضعيفة، ويتخلى عنها عندما تتقاطع المصالح. ما تسمّونه “النظام الدولي القائم على القواعد” انهار بالكامل في الخرطوم ودارفور وكردفان. أنتم تعرفون من يقتل، وتعرفون من يموّل، وتعرفون من يسلّح، وتعرفون من يعطّل أي قرار جاد، ومع ذلك تواصلون التظاهر بالعجز. هذا ليس فشلًا… هذا تواطؤ.
إلى مجلس الأمن تحديدًا،
كفى كذبًا على العالم. تعطيل القرارات لا علاقة له بالإجراءات ولا بالتوازنات القانونية، بل بصراع نفوذ قذر بين قوى كبرى ترى في السودان ساحة لا شعبًا، وغنيمة لا دولة. الفيتو لم يعد أداة استثنائية، بل سلاحًا يوميًا لحماية القتلة ومن يقفون خلفهم. وحين تُشلّ آليات الحماية عمدًا، لا تعود الأمم المتحدة رهينة للنظام الدولي، بل تتحول إلى واجهة لتجميل الجريمة.
إقليميًا، تُدار الحرب السودانية كصفقة مفتوحة.
وسطاء بلا حياد، مبعوثون بلا أخلاق، ومسارات سياسية مفصولة عمدًا عن أي مساءلة. دول تتحدث عن “الاستقرار” وهي تغذّي الفوضى، وعن “السلام” وهي تستثمر في استمرار الحرب. لا أحد يجرؤ على تسمية المسؤولين، لأن الجميع متورط بدرجات متفاوتة. المدني السوداني خارج الحسابات، خارج الطاولات، وخارج الاهتمام.
أما الأطراف العسكرية السودانية، فقد سقطت عنها منذ زمن أي شرعية وطنية. هذه ليست حرب دولة، بل حرب وكلاء. القرار ليس سودانيًا، والسلاح ليس سودانيًا، والتمويل ليس سودانيًا، والنتيجة بلد يُدمّر نيابة عن الآخرين. أي حديث عن “حل سياسي” دون كسر هذا الارتباط الخارجي هو خداع مكشوف، وإطالة متعمدة لعمر المأساة.
إلى الرأي العام العالمي،
صمتكم ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة. حين تمر صور الجوع والمقابر الجماعية كخبر عابر، يفهم صُنّاع القرار الرسالة جيدًا: لا ضغط، لا تكلفة، لا حساب. ما يحدث في السودان ليس استثناءً، بل نموذجًا جديدًا لعالم يسمح بالإبادة البطيئة طالما أنها بعيدة عن شاشاته الرئيسية.
الأمم المتحدة اليوم أمام لحظة حقيقة لا مهرب منها:
إما أن تتحول إلى أداة حماية فعلية،
أو تعترف رسميًا بأنها فقدت وظيفتها الأخلاقية والسياسية.
لا قيمة لأي عملية سياسية تُبنى فوق جثث المدنيين.
ولا شرعية لأي تسوية تتجاهل الجرائم.
ولا مصداقية لأي مجلس أمن يرى الدم ويسمّيه “قلقًا”.
السودان لا يطلب شفقة، ولا ينتظر معجزة.
السودان يطالب بما يفترض أنه بديهي:
وقف القتل، حماية المدنيين، تسمية الجناة، وربط أي مسار سياسي بالمحاسبة.
وما دون ذلك هو إدارة للإبادة باسم الشرعية الدولية.
مقترح كسر الاحتكار
إذا كانت المؤسسة الدولية مشلولة بسبب تمويل مسيّس وابتزاز تمارسه دول النفوذ، فلا مبرر للصمت. نقترح دولارًا سنويًا واحدًا من كل إنسان على هذا الكوكب، يُوجَّه مباشرة لدعم استقلالية المؤسسة الدولية، وآليات الحماية والمساءلة، بعيدًا عن تحكم الدول المتنفذة.
هذا ليس مقترحًا ماليًا فحسب، بل إعلان تمرّد أخلاقي:
أن يصبح القرار الدولي معبّرًا عن إرادة الشعوب، لا رهينة لمصالح الحكومات.
وإن استمر هذا الصمت، فليُكتب بوضوح في سجل التاريخ:
السودان لم يسقط وحده، بل سقط معه الوهم بأن هذا العالم تحكمه قواعد أو عدالة.
كاتب سوداني