بقلم: جيمس نالتون – Morning Star Online
من على خط التماس في ملعب الاتحاد بمدينة مانشستر، إلى خشبة مسرح قاعة “بالاو سانت جوردي” في برشلونة، عاش بيب غوارديولا أسبوعًا استثنائيًا، تنقّل فيه بين عالم كرة القدم وعالم القضايا الإنسانية.
مدرب مانشستر سيتي كان أحد المشاركين في فعالية “Act X Palestine Concert Manifest” التي أُقيمت في كاتالونيا، مسقط رأسه، بهدف إعلان التضامن مع فلسطين وجمع التبرعات لدعم مشاريع إنسانية على الأرض في قطاع غزة.
وشهدت الفعالية حضورًا فنيًا متنوعًا، بمشاركة موسيقيين محليين، إلى جانب فنانين إسبان معروفين، وفرق موسيقية من فرنسا ومالي وفلسطين، في محاولة لتوسيع دائرة الوعي الدولي بما يجري.
ولم يكن هذا الظهور الأول لغوارديولا في سياق دعم القضية الفلسطينية، إذ سبق له أن استخدم مكانته العامة للتعبير عن موقفه، في خطوة نادرة داخل عالم الرياضة، الذي يفضّل كثير من العاملين فيه، وكذلك في قطاعات أخرى، التزام الصمت حيال القضايا السياسية والإنسانية الشائكة.
مرتديًا ملابس بسيطة وكوفية فلسطينية، بدا غوارديولا أقرب إلى أحد أعضاء الفرق الموسيقية المشاركة، أكثر من كونه مدربًا لأحد أغنى أندية العالم، في مشهد يتناقض تمامًا مع مظهره الرسمي المعتاد، حين ارتدى الأسود بالكامل على خط التماس خلال مباراة مانشستر سيتي أمام غلطة سراي في دوري أبطال أوروبا قبل يوم واحد فقط.
“مساء الخير، السلام عليكم”، هكذا استهل غوارديولا كلمته أمام الحضور.
وقال: “خلال العامين الماضيين، عندما أشاهد صور الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي أو على شاشات التلفزيون، وهم يبكون ويسألون عن أمهاتهم، بينما تكون الأم مدفونة تحت الأنقاض دون أن يعرفوا ذلك بعد، لا أستطيع التوقف عن التساؤل: ماذا يدور في أذهانهم؟”.
وأضاف: “أشعر أننا خذلناهم. أتخيلهم دائمًا يسألون: أين أنتم؟ لماذا لا تأتون لمساعدتنا؟ وحتى الآن، لم نفعل”.
وتابع بنبرة حادة: “ربما لأن من هم في مواقع السلطة جبناء، يرسلون شبابًا أبرياء لقتل أبرياء آخرين. هذا هو فعل الجبناء”.
إن قلة الأصوات العلنية الداعمة لفلسطين داخل أعلى مستويات الرياضة تمنح موقف غوارديولا وزنًا خاصًا، وتتضاعف أهميته بالنظر إلى خلفية مالكي ناديه.
فقد تحدثت تقارير عديدة عن صلات حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة – المالكة لنادي مانشستر سيتي ومجموعة “سيتي لكرة القدم” بحرب السودان، من خلال دعمها لقوات الدعم السريع، فضلًا عن سجلها المثير للجدل في مجال حقوق الإنسان. وخارج ملعب مانشستر سيتي، شهدت المنطقة المحيطة احتجاجات تندد بالتدخل الإماراتي في السودان.
كما أثار ظهور رئيس النادي خلدون المبارك، في مناسبات رسمية إلى جانب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ضمن ما عُرف بـ”مجلس السلام”، انتقادات واسعة من جماهير النادي عبر الإنترنت.
هذه المعطيات دفعت البعض لاتهام غوارديولا بالنفاق، غير أن آخرين يرون أن مواقفه العلنية تزداد أهمية في هذا السياق، لا سيما أنه ذكر السودان صراحة في خطاب ألقاه في يونيو 2025، خلال تسلمه درجة فخرية من جامعة مانشستر.
وقال حينها: “أشعر بقلق عميق تجاه الصور التي نشاهدها مباشرة من السودان وأوكرانيا وفلسطين وغزة”.
وأضاف: “نرى فظائع تُرتكب بحق آلاف العائلات البريئة، بينما نعيش في عالم يقوده أشخاص لا يكترثون بعدم المساواة ولا بضعف الآخرين”.
وتابع: “ما يحدث في غزة مؤلم إلى حد لا يُحتمل. الأمر لا يتعلق بالأيديولوجيا، بل بحب الحياة والاهتمام بالجار، وباتخاذ موقف، ورفض الصمت في اللحظات الحاسمة”.
وقال محذرًا: “قد نعتقد أن مقتل الأطفال بالقنابل، أو موتهم داخل مستشفيات لم تعد مستشفيات، ليس شأننا، لكن احذروا… فالضحايا القادمون سيكونون نحن”.
وفي نوفمبر الماضي، دعا غوارديولا الجماهير للحضور بكثافة إلى مباراة خيرية جمعت بين فلسطين وكتالونيا في برشلونة، قبل أن يعود في خطابه الأخير ليصعّد انتقاداته لقادة العالم.
وكُشف هذا الأسبوع عن تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين في غزة حاجز 70 ألفًا، فيما يقترب عدد الضحايا منذ إعلان “وقف إطلاق النار” من 500.
وقد وفر ما سُمّي بوقف إطلاق النار مخرجًا سياسيًا للعديد من قادة العالم لتجاهل القضية، كما منح الهيئات الرياضية الدولية، مثل الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم، ذريعة للاستمرار وكأن شيئًا لم يكن.
وقبل هذا الإعلان، كانت الضغوط تتزايد على “فيفا” و”يويفا” لاتخاذ مواقف واضحة، لكنها تراجعت الآن تحت ستار التهدئة.
غير أن غوارديولا استغل اللحظة ليذكّر الوسط الرياضي بأن شيئًا لم يتغير فعليًا.
وقال: “علينا أن نتقدم خطوة إلى الأمام”.
وأضاف: “القنابل لا تهدف فقط إلى التدمير، بل إلى فرض الصمت، وإجبارنا على النظر في اتجاه آخر”.
وتابع: “هدفهم أن يمنعونا من التقدم، وهذا ما يجب أن نقاومه. لا ينبغي أن نتجاهل ما يحدث، بل علينا أن ننخرط ونشارك”.
وختم بالقول: “نقف اليوم أمام العالم لنعلن وقوفنا إلى جانب المظلومين، وهم في هذه الحالة فلسطين، ولكن ليس فلسطين وحدها، بل كل القضايا العادلة”.
“هذا موقف من أجل فلسطين، لكنه في جوهره موقف من أجل الإنسانية”.
المصدر :
morningstaronline.co.uk