
الزين عثمان
في شهادة تختصر مأساة وطنٍ بأكمله، يقول شاب سوداني قذفت به الحرب بعيداً عن دياره، في حديثه ل «أفق جديد»، معبّراً عن وجع شخصي صار وجع ملايين:
«ثلاث سنوات من الحرب وضعتنا أمام حقيقة أن السودان كان هو أغلى ممتلكاتنا. ثلاث سنوات ونحن نفتقد وطناً سلبته منا الحرب التي أشعلتها رغبة البعض في التحكم في مصيرنا. ثلاث سنوات والمنفى يدفع بنا نحو منفى آخر، وكل بلدان العالم تضيق بنا قبل أن نضيق بها نحن».
هذا الشاب هو واحد من ثمانية ملايين سوداني اضطروا لمغادرة بلادهم عقب اشتعال حرب أبريل، لتتحول صفاتهم في الأوراق الثبوتية إلى «لاجئين» مقيمين بصفة رسمية، أو هاربين تقطعت بهم السبل، وفي كل الأحوال فاقدين لصفة كونهم «أولاد وبنات بلد»، بل آخرين مجبرين على الانصياع لـ*«كيف»* أهل وسياسات البلاد التي تستضيفهم.
مجبرين ومغلوبين على أمرهم، يغادرون في موسم الهجرة إلى الشمال، ويهبطوا «مصر» الجارة التي لم تضيق بهم، لكنهم «معلقين» على مشجب ورقة ممهورة بتوقيع مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين وحاصلين على أرقام كونهم «لاجئين». فقد عزّ عليهم أن يمنح الجميع تأشيرة الدخول، والوقت ليس للجدال حول اتفاقية الحريات الأربع، مع التأكيد على حق الدولة المصرية في التعامل مع القادمين إليها وفقاً لما يحفظ أمنها القومي.
الشوارع المصرية لم تعد تكتظ بالسودانيين كما اعتادت في الفترة الأخيرة، حيث انتشرت الأنباء عن حملات لضبط السودانيين ضمن آخرين من جنسيات عربية أفريقية قذفت بهم الحروب في بلادهم إلى مصر المحروسة.
وتداول السودانيون المقيمون في مصر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر لحظات توقيف الشرطة للسودانيين في مناطق مختلفة واصبحت هذه الفديوهات مثار جدل حول صحتها من عدمها وكذلك هل هي حديثة أم قديمة وإلى غيرها من النقاشات التي لا تنتهي وصولا إلى من السبب فيما ال اليه حال السودانيين.
وفي هذا السياق، أثارت تغريدة كشفت من خلالها الباحثة في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والخبيرة في الشؤون الإفريقية، أماني الطويل، أن تقديراتها تشير إلى وجود طلب من الحكومة السودانية موجّه إلى السلطات المصرية لتشديد الإجراءات الأمنية بحق السودانيين المقيمين في مصر، بما يشمل التوقيف والترحيل.
وتابعت الطويل أن أطرافاً مختلفة، بينها جهات إعلامية وحسابات إلكترونية، تسهم في تضخيم صورة الإجراءات المصرية، رغم أن بعض التحركات الأمنية تستند إلى أسباب قانونية.
وأضافت أن هذا الوضع قد ينعكس سلباً على الصورة الإيجابية التي اكتسبتها مصر لدى قطاعات واسعة من السودانيين منذ اندلاع الحرب. وقالت إن مستوى الأمن الإنساني في السودان، خصوصاً في الخرطوم، ما يزال متدنياً، لافتة إلى شهادات ممن عادوا إلى البلاد تفيد بتعرض بعضهم لمخاطر أدت إلى وفيات. واعتبرت أن أي تضييق على السودانيين في مصر ستكون كلفته على حساب العلاقات الممتدة بين الشعبين، وأضافت أن استمرار الضغط الأمني قد يمنح أطرافاً معادية لمصر والسودان فرصة لاستغلال الوضع، داعية إلى تجنب ما وصفتها بخسارة الأثر الإيجابي المتراكم خلال فترة استضافة اللاجئين.
وسرعان ما طرح السؤال حول دور الحكومة وسفارتها في متابعة ما يجري للمواطنين، ما دفع بالسفير عماد عدوي لعقد مؤتمر صحفي نفى من خلاله أي توجيهات حكومية للجانب المصري بترحيل السودانيين، وحدد من خلال المؤتمر الصحفي عدد الموقوفين في السجون المصرية بحوالي 400 سوداني.
لاحقاً، أصدرت الداخلية المصرية ما يفيد بأن الكرت «الأصفر» يكفي حامله معضلة «الترحيل والإبعاد من الدولة»، وأن المقصود بالحملات هم «المجرمين».
بعيداً عن المواقف المتباينة من النهج المصري في التعاطي مع السودانيين على أرضها، فإن المشهد الأخير ومترتباته يعيد تعريف «الكرامة»، ويكشف النقاب عن الحرب؛ الحرب التي دفعت الناس لمغادرة بيوتهم، هي نفسها الحرب التي تجبر الآلاف للبقاء خلف الشقق الضيقة، لأن الخروج منها في الوقت الراهن قد يكلفهم «ترحيلاً»، للمفارقة أن نقطته الأخيرة هي «الوطن».
ربط الكثيرون بما يجري في القاهرة بشكل كبير بما يحدث في الخرطوم، التي تحاول جاهدة استعادة نبض حياتها، وهو النبض الذي تحاول سلطة الأمر الواقع توظيفه بغية منحها رئة جديدة للتنفس، ومن ثم التحكم في مصير الناس وحكمهم.
وهو ما يمكن ملاحظته من خلال التصريحات الأخيرة لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان وهو يطالب المواطنين بالعودة، وهو أمر كان قد سبقه إليه كامل إدريس الذي دعا الخرطوميين لقضاء رمضان في السودان، وهم العارفون بأن رمضان أحلى في السودان، لكن ما يمنعهم من الوصول إليه مرّ الحرب وتداعياتها.
في الخرطوم، لم يكتفِ البرهان بدعوة الناس للعودة، بل أرسل تهديداته للقوى المدنية مشدداً بأن السودان سيضيق بكم حال قررتم العودة إليه، وذلك عقب مطالبات من «صمود» بالتحقيق في استخدام أسلحة كيمائية في النزاع المشتعل، النزاع الذي لم تكن قضية اللاجئين سوى جزء منه ومن تداعياته.