التعايش السلمي..ضرورة إنسانية ونموذج ملح للحالة السودانية

حيدر المكاشفي 

مرّ علينا قبل يومين اليوم العالمي للتعايش السلمي الذي يحييه المجتمع الدولي في الثامن والعشرين من يناير من كل عام، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في سياق عالمي يتسم بتزايد النزاعات المسلحة، وتنامي خطاب الكراهية، وتراجع قيم التسامح داخل المجتمعات. ويأتي اعتماد هذا اليوم كتعبير واضح عن إدراك أممي متزايد بأن السلام لا يمكن اختزاله في غياب الحرب أو توقيع الاتفاقيات السياسية، بل يقوم في جوهره على قدرة المجتمعات على إدارة تنوعها، واحترام اختلافاتها، والعيش المشترك على أساس المساواة والكرامة الإنسانية..التعايش السلمي ليس مجرد مفهوم أخلاقي بل ضرورة سياسية كذلك، إذ يمثل التعايش السلمي أحد المفاهيم المحورية في فكر الأمم المتحدة المعاصر، إذ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحفظ السلم والأمن الدوليين، ومنع النزاعات قبل اندلاعها. ويعني التعايش السلمي قبول التنوع الديني والثقافي والعرقي والسياسي داخل المجتمعات، والتعامل مع الخلاف بوصفه حالة طبيعية تُدار بالحوار وسيادة القانون، لا بالعنف أو الإقصاء أو التحريض، وقد جاء إقرار اليوم الدولي للتعايش السلمي إستجابة لحقيقة مفادها أن كثيراً من النزاعات الحديثة لم تعد حروباً بين دول، بل صراعات داخل المجتمعات نفسها، تغذيها خطابات الكراهية، وسياسات التهميش، وانهيار الثقة بين مكونات الدولة الواحدة. ومن هنا، تسعى الأمم المتحدة من خلال هذه المناسبة إلى تعزيز ثقافة السلام، وتوجيه رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن إستقرار الدول يبدأ من تماسك مجتمعاتها. وفي هذا الصدد تولي الأمم المتحدة اهتماماً خاصاً بدور الإعلام والنخب السياسية في ترسيخ أو تقويض التعايش السلمي. فالإعلام، في زمن المنصات الرقمية، بات أداة مؤثرة إما في تهدئة الصراعات أو تأجيجها. ولذلك، فإن هذه المناسبة تشكل دعوة صريحة لوسائل الإعلام وصنّاع الرأي إلى تبني خطاب مسؤول، يبتعد عن الشيطنة والتعميم، ويعزز قيم الحوار واحترام الآخر، خاصة في المجتمعات الخارجة من النزاعات. ومن فرط اهتمام الامم المتحدة بضرورة التعايش السلمي، يجدر التنويه إلى أن منظومة الأمم المتحدة تعتمد أكثر من مناسبة دولية تعالج قضايا السلام والتعايش، من بينها اليوم الدولي للتعايش السلمي، إلى جانب أيام أممية أخرى معنية بثقافة السلام والعيش المشترك. ولا يعكس هذا التعدد أي تناقض في الرؤية، بل يؤكد إدراك المجتمع الدولي لتفاقم مخاطر تفكك المجتمعات وتصاعد خطاب الكراهية في أعقاب النزاعات المسلحة، والحاجة إلى تعزيز قيم التعايش عبر مسارات متوازية ومتراكمة. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في الحالة السودانية، حيث لم تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي وانهيار المؤسسات، بل امتدت لتقويض أسس العيش المشترك وتهلهل النسيج الاجتماعي، بما يجعل من التعايش السلمي ليس شعاراً أخلاقياً أو مناسبة احتفالية، بل شرطاً سياسياً واجتماعياً لا غنى عنه لإنجاح أي مسار للسلام وإعادة بناء الدولة. 

في سودان الحرب المهلكة والمدمرة يصبح التعايش مسألة بقاء، وتبرز أهمية اليوم الدولي للتعايش السلمي بصورة مضاعفة في ظل الحرب المستمرة، التي لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية وتعطيل مؤسسات الدولة، بل أصابت المجتمع في عمقه. فقد أفرزت الحرب خطاباً تعبوياً قائماً على الاستقطاب الجهوي والعرقي، وعمّقت الانقسامات بين مكونات المجتمع، وأضعفت الروابط التي ظلت، رغم هشاشتها، تشكّل أساس العيش المشترك لعقود طويلة. لقد كشفت هذه الحرب هشاشة المشروع الوطني الجامع، وأظهرت إلى أي مدى يمكن للخطاب التحريضي أن يحوّل الخلافات السياسية إلى صراعات مجتمعية تهدد وحدة الدولة نفسها. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن التعايش السلمي ليس ترفاً فكرياً أو مطلباً نخبوياً، بل ضرورة وطنية عاجلة. فالسودان اليوم يحتاج بصفة عاجلة إلى التعايش السلمي بوصفه مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الدولة، لا مجرد نتيجة لاحقة لاتفاق سياسي. فلا يمكن لأي تسوية سياسية أن تصمد في بيئة اجتماعية ممزقة، ولا لأي انتقال مدني أن ينجح في ظل خطاب كراهية يعيد إنتاج أسباب الصراع. ويتطلب ذلك إرادة سياسية واضحة تترجم إلى سياسات عملية، من بينها، مواجهة خطاب الكراهية وتجريمه، خاصة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتبني خطاب رسمي جامع يعترف بالتنوع السوداني ويحميه باعتباره مصدر قوة لا تهديد، ودعم مسارات العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية لمعالجة جراح الحرب، وتمكين المجتمع المدني، والقيادات المحلية، والشباب، من لعب دور محوري في رأب الصدع الاجتماعي..إن اليوم الدولي للتعايش السلمي يضع السودان، كما يضع العالم، أمام سؤال جوهري، كيف يمكن بناء سلام مستدام في مجتمعات أنهكتها الصراعات، وفي الحالة السودانية، تبدو الإجابة واضحة ان لا سلام بلا تعايش، ولا دولة بلا نسيج اجتماعي متماسك. فبقدر ما كانت الحرب أداة للهدم والانقسام، يمكن للتعايش السلمي أن يكون حجر الأساس لإعادة البناء، ليس فقط على مستوى الدولة، بل على مستوى الإنسان السوداني نفسه. ومن هنا، فإن الاستثمار في التعايش السلمي لم يعد خيارا أخلاقيا أو شعارا سياسيا، بل شرطا وجوديا لمستقبل السودان..

 

Exit mobile version