فشّ الغبينة ونشر الضغينة؟ ورقة المحكمة وطلقة الرحمة

ناهد إدريس
صحافية | ناشطة في حقوق الطفل والمرأة

من الحنكة والمهارات البديهية في عالم الكتابة الصحافية الانتباهُ والوعيُ بقوانين الدول والنشر في تلك الدول، والمواكبةُ الدائمة لها.
منصة فيسبوك، كمنصة نشر حديثة، منحت الجميع حقَّ النشر والكتابة. وفي عالم الحريات وقوانين الصحافة، يُعدّ ذلك فتحًا من الفتوحات، ومنحًا لحقٍّ كامل في التعبير عن الرأي بشجاعة وصراحة، دون خوف من مقصّ الرقابة أو سياسات المؤسسات.
لكن تبقى الصحافة هي الصحافة، لا تتجاوز أنواعها المعروفة بين دفّات الكتب:
الخبر، المقال، التحقيق، التقرير.
فكيف ـ بالله ـ لخبرةٍ تجاوزت الأربعين عامًا أن تسقط في فخّ فشّ الغبينة والحقد الأعمى في قضيةٍ لا ناقة لك فيها ولا جمل، وبعيدة كلّ البعد عن محيطك؟
لكن أراد الله سقوط القناع إلى القاع، وهو سقوطٌ قديم متجدّد… سقوطٌ في مستنقع التدليس والكذب والتبرير.
ولكلّ جوادٍ كبوة… لكن، هل هو جواد؟
الذئب الأزرق في كتاب الصف الرابع تفنّن في سرقة البطيخ حتى قُطع ذَنَبُه، وعندما ضحكت عليه الذئاب حاك لها الحيلة؛ فليلًا حمل القطيع البطيخ، فقطعت ذيول جميع الذئاب.
هو وحده حمل البطيخة كما هي، مغلقة، لم يكلّف نفسه عناء شقّها:
أحمراء مشبعة؟
أم بيضاء نيّة؟
أم خراب؟
إنها شهوة الضغينة والكراهية… شهوةٌ تجعلك كـ حمارٍ يحمل أسفارًا.
وشهوةُ خدمة الأسياد ونشر الأحقاد.
ذات يوم، وقفتُ أمام قاضي المحكمة. قال القاضي إن فلانًا يتهمني بأنني كِلتُ له السَّبَّ والشتم. أجبتُ نفيًا، ثم تساءلت: أين؟ وكيف؟ وما نوع الشتيمة؟
وعندما نطق القاضي بها، نزلت كالصاعقة على كل من في القاعة.
ردد القاضي ألفاظًا كانت أقذر ما يكون. قال إن الشاكي ادّعى أنني قلت عنه إنه:
(بنك الشمال)،
وإنه (مُخنَّث)،
وإنه (حلبي).
وقتها لم يتمالك أحد الحاضرين نفسه ـ وهو سوداني ـ فقال:
«أستغفر الله، كيف لرجلٍ كامل الرجولة، سوداني الجنسية، أن يقف أمام القضاء ليقول هذا عن نفسه؟»
وبعد جلساتٍ طويلة، برّأتنا المحكمة.
وظلت القضية موضع دهشة وسخرية بين الحضور.
ثم قال أحدهم: إن هذا الرجل أراد بكم السوء، لكنه أخرج أسوأ ما في نفسه.
وكل إناءٍ بما فيه ينضح.
بعد إجراءاتٍ معقّدة، استلمتُ أوراق المحكمة، من البلاغ حتى حكم البراءة.


ومعلوم في دولٍ تُعرف باحترام حقوق الإنسان والعدالة والانضباط القانوني، واحترام خصوصية الأفراد، أنه لا يحق لأي عامل أو موظف أو قاضٍ ـ أو أيًّا كان ـ استخراج أوراق المحكمة أو جلسات التداول قبل اكتمال الحكم، إلا لأصحاب القضية.
كما تتحفّظ كثير من المؤسسات الصحافية عن نشر أوراق المحاكم أو القضايا دون إذن أصحابها أو عبر المنصات الرسمية للمحاكم.
إن تهافت بعض الذئاب ومنحهم (مسيلمة) صورةً من حكمٍ غير قطعي، واعتقاد (الكبش) أنها سبقٌ صحافي يهديها كـ الطلقة الأخيرة، لم يكن سوى طلقة رحمة.
رحمةً بتغطيات أخبار السودان، لتتحرر من الزيف والكذب والتدليس الذي تفضحه صفحته على وسائل التواصل، وهي تنشر الموت وتفرح لقتل الأبرياء، متستّرة بثوب الإعلام، وهي براءٌ من قيمه:
قيم نشر السلام، وحقوق الإنسان، والحفاظ على أرواح الأبرياء، لا التحريض والتنكيل بالضعفاء والنازحين والمشرّدين.

Exit mobile version