خطاب مختلف 

 

لم تُقابل أوروبا زيارة وفد «صمود» برئاسة د. عبد الله حمدوك بوصفها محطة بروتوكولية عابرة في روزنامة مزدحمة، بل تعاملت معها كحدث سياسي ثقيل الوزن، فرض نفسه بقوة اللحظة وصرامة الوقائع. لقد أنصتت أوروبا لا بدافع المجاملة، ولا من باب الفضول، بل لأنها وجدت نفسها أمام خطاب مختلف في زمن اختلطت فيه الأصوات، وبهتت فيه المعاني، وتحوّلت فيه الحرب في السودان من أزمة محلية إلى اختبار دولي للفشل الأخلاقي والسياسي معًا.

أوروبا، التي راقبت المشهد السوداني وهو ينزلق من ثورة واعدة إلى انقلاب، ومن انقلاب إلى حرب شاملة، تدرك اليوم أن ما يجري لم يعد نزاعًا يمكن احتواؤه بالبيانات، ولا كارثة إنسانية يمكن إدارتها عبر الجسور الجوية وحدها. إنّها حرب تفكك دولة، وتُعيد تشكيل الإقليم، وتفتح أبوابًا واسعة أمام الفوضى المنظمة، والهجرة القسرية، واقتصاد العنف العابر للحدود. في هذا السياق، يصبح الإصغاء إلى أي مشروع سياسي جاد لا ترفًا دبلوماسيًا، بل ضرورة تمليها الحسابات الباردة قبل الاعتبارات القيمية.

ما جعل هذه الزيارة مختلفة، وما منحها هذا القدر من الاهتمام، هو أنها لم تأتِ من موقع التوسل ولا من خطاب الاستجداء، بل من موقع المواجهة السياسية الصريحة. وفد «صمود» لم يحمل إلى أوروبا ملفًا إنسانيًا فحسب، بل حمل اتهامًا واضحًا للحرب بوصفها جريمة سياسية مكتملة الأركان، وحمّل المسؤولية لمن أشعلها ويغذيها ويستثمر فيها. هذا الخطاب، الذي يرفض تمييع الأسباب والاكتفاء بعلاج الأعراض، لامس جوهر السؤال الأوروبي: كيف نوقف حربًا لا تريد أطرافها التوقف، ولا ترى في السلام سوى خسارة؟

لقد تعبت أوروبا من التعامل مع وكلاء العنف وهم يطلبون الشرعية تحت لافتة “الواقع”. تعبت من الاستماع إلى تبريرات السلاح، ومن إدارة أزمات لا نهاية لها. في وفد «صمود» وجدت خطابًا يقول بوضوح إن الواقع ليس قدرًا، وإن موازين القوة لا تمنح حقًا سياسيًا، وإن أي تسوية تُبنى على شرعنة الحرب إنما تؤجل انفجارها التالي. هذه اللغة، القاسية في صدقها، أعادت الاعتبار لفكرة السياسة نفسها في زمن جرى فيه إفراغها من معناها.

ثم إن حضور عبد الله حمدوك على رأس الوفد لم يكن حضور اسم، بل حضور ذاكرة سياسية. أوروبا تعرف الرجل لا من شاشات الدعاية، بل من طاولات العمل الثقيلة، من نقاشات الاقتصاد المنهك، ومن محاولات إعادة السودان إلى العالم بعد عقود من العزلة. تعرف أنه لا يتحدث بلغة الشعارات، ولا يوزع الوعود الرخيصة، بل يزن كلماته بميزان الممكن دون أن يفرّط في المبدئي. ولهذا، فإن الاستماع إليه لم يكن استدعاءً للماضي، بل اختبارًا لإمكانية استعادة مسار قُطع بالقوة.

كما أن أوروبا، وهي تراقب انسداد الأفق العسكري، تدرك أن كل يوم إضافي للحرب يعني مزيدًا من التفكك، ومزيدًا من اللاعبين غير المنضبطين، ومزيدًا من الكلفة التي ستُدفع لاحقًا أضعافًا. لذلك بدا لها الاستثمار في خطاب مدني منظم، حتى وإن كان طريقه شاقًا وطويلًا، أقل خطورة من الرهان على الفوضى أو الحياد السلبي. لم تستقبل أوروبا «صمود» لأنها تملك وهم الحل السريع، بل لأنها تفتش عن شريك يقول الحقيقة كاملة، لا نصفها.

الزيارة كشفت كذلك أن أوروبا لم تعد راغبة في لعب دور المتفرج القَلِق. ثمة وعي متزايد بأن ترك السودان ينزلق بلا مشروع سياسي بديل يعني فتح فراغ لن يبقى فارغًا طويلًا. هذا الفراغ ستملؤه قوى لا تؤمن بالدولة، ولا تعترف بالحدود، ولا ترى في الإنسان سوى وقود. في هذا المعنى، كان الإصغاء لوفد «صمود» محاولة لالتقاط خيط سياسي قبل أن ينقطع تمامًا.

إن ما قابلت به أوروبا هذه الزيارة هو تعبير عن لحظة إدراك، لا عن موقف نهائي. إدراك بأن الحرب في السودان لا يمكن اختزالها في صراع جنرالين، ولا في معركة نفوذ إقليمي، بل هي انهيار شامل لعقد الدولة، لا يمكن ترميمه إلا بمشروع مدني واضح، طويل النفس، صلب في مبادئه، وواقعي في أدواته. وفد «صمود» لم يقدّم وصفة جاهزة، لكنه أعاد طرح السؤال الصحيح في المكان الصحيح.

لهذا أنصتت أوروبا. لا لأن الحل وُضع على الطاولة، بل لأن الصمت بات مكلفًا، ولأن هذا الصوت، وسط ضجيج البنادق، ذكّرها بأن السياسة لم تمت بعد، وأن السودان، رغم هذا الركام الهائل، ما يزال قادرًا على أن يُخاطَب بوصفه دولة ممكنة، لا ساحة حرب مفتوحة بلا أفق.

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى