
بقلم : د.صلاح عوض
كيف يُعاد إنتاج السؤال الخطأ في لحظة البحث عن هدنة.
في اللحظة التي أعلن فيها مبعوث الولايات المتحدة إلى السودان، مسعد بولس، أن اتفاق هدنة قد بات قريب التنفيذ، لم يتقدم النقاش العام خطوة واحدة نحو سؤال السلام، بل عاد فوراً إلى مربعه الأكثر ضيقاً وفقراً: من نشجع؟ الجيش أم الدعم السريع؟
كأنما الحديث عن وقف إطلاق النار لا يُستقبل بوصفه فرصة لإنقاذ الأرواح، بل بوصفه امتحان ولاء جديد: من الرابح؟ من الخاسر؟ من سيفرض شروطه؟ أما السؤال الغائب مرة بعد مرة، فهو: ماذا عن المدنيين؟ وماذا عن الحرب نفسها بوصفها جريمة لا مباراة؟
هذا الانزلاق ليس عفوياً، ولا وليد انفعال لحظي؛ إنه نتاج خطاب صيغ بعناية منذ الأيام الأولى للحرب، خطاب نجح فيه من أشعل الحرب – رغم هشاشته المنطقية – في فرضه على المجال العام، بتحويل المأساة الوطنية إلى ثنائية قسرية لا تسمح برفض الطرفين، ولا تعترف بموقع ثالث اسمه المجتمع.
في السياقات الطبيعية، يُفترض أن يفتح الحديث عن هدنة نقاشاً حول مضمونها: شروطها، ضماناتها، آليات مراقبتها، وموقع المدنيين فيها. لكن في حربنا يحدث العكس تماماً. كلما اقترب احتمال وقف إطلاق النار، اشتد الخطاب التعبوي، وكأن الهدنة نفسها خطر يجب احتواؤه.
ذلك لأن أي هدنة – حتى وإن كانت مؤقتة – تُسقط السؤال الذي فُرض على الناس عنوة؛ فإذا خفت صوت السلاح، أو توقفت المعارك، ينهار منطق “التشجيع”، ويعود السؤال الحقيقي إلى الواجهة: لماذا اندلعت هذه الحرب؟ ومن صنع شروطها؟ ومن يستفيد من استمرارها؟
هنا تحديداً يتحول سؤال: من نشجع؟ من أداة تعبئة إلى أداة تعطيل. لم يكن الذين أشعلوا الحرب بعيدين عن جذورها، ولا عن بنيتها، ولا عن مآلاتها. لكنهم أدركوا مبكراً أن أفضل وسيلة للهروب من المساءلة ليست الدفاع عن الذات، بل بإغراق المجال في استقطاب حاد.
وبهذه الطريقة غُيّبت الأسئلة الواجبة: عن تفكيك الجيش وتحويله إلى مؤسسة مسيّسة، سؤال عن صناعة المليشيات ورعايتها ثم فقدان السيطرة عليها، لا يُسأل عن دولة أُفرغت من السياسة، فامتلأت بالسلاح.
بدلاً من ذلك يُوجَّه السؤال إلى المواطن، إلى الضحية، إلى اللاجئ: إنت مع من؟
هكذا يُعاد ترتيب الأدوار؛ الفاعل يصبح حكماً، والضحية متهمة، والموقف الأخلاقي يُختزل في اصطفاف عسكري.
صحيح أن هذا الخطاب نجح جزئياً، خاصة في لحظات الخوف والانهيار، لكنه ظل نجاحاً هشاً. فالواقع كان أفدح من أن يُغطّى بثنائية دعائية؛ المدن المدمرة، والبيوت المنهوبة، والنساء اللواتي تعرضن للعنف بشتى ألوانه، واللاجئون الذين عبروا الحدود، لم يكونوا بحاجة إلى من يحدد لهم من يشجعون، بل إلى من يوقف الحرب.
ومع مرور الوقت، بدأت فجوة واسعة تتشكل بين هذا الخطاب والناس، فتحول السؤال نفسه من أداة تعبئة إلى دليل إفلاس سياسي.
أكثر ما أقلق مروّجي الثنائية هو بروز موقف يقول بوضوح: لسنا طرفاً في هذه الحرب، ولا نقبل تحويلنا إلى جمهور في ساحة قتل.
هذا الموقف لم يكن حياداً سلبياً، بل رفضاً سياسياً وأخلاقياً لمنطق الحرب ذاته. رفضاً للاختيار العسكري بين طرفين حملا السلاح ضد المجتمع، واختلفا فقط على من يحتكر الخراب. لكن لأن هذا الموقف يعيد الاعتبار للسياسة، ويطرح سؤال المسؤولية، جرى تشويهه ووسمه باعتباره تواطؤاً أو هروباً، وهو في الحقيقة نقيض ذلك تماماً.
إذن ليس من المصادفة أن يُعاد تدوير سؤال “من نشجع؟” كلما اقترب الحديث عن هدنة. فالسؤال في جوهره ليس بريئاً، بل وسيلة لإبقاء الحرب حيّة في الوعي، حتى حين تتوقف مؤقتاً على الأرض.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس إعادة توزيع مواقع التشجيع، بل إعادة طرح السؤال المؤجَّل:
كيف نوقف الحرب؟ كيف نحمي المدنيين؟ وكيف نمنع إعادة هذه المأساة بأسماء جديدة؟
السؤال الحقيقي ليس: من نشجع؟ بل: كيف نكسر هذه الثنائية، ونستعيد حقنا في السلام، بلا ابتزاز ولا شروط؟