
بقلم : إبراهيم هباني
في القضايا الكبرى، لا يكون الخلاف غالباً حول الأهداف، بل حول أدوات بلوغها. وحين يطرح الأستاذ فيصل محمد صالح ملاحظاته على ما أُعلن عن خطة الرباعية الدولية بشأن السودان، فإن النقاش يُقرأ بوصفه إختلاف تقدير مشروعاً، لا خصومة سياسية.
ينطلق طرحه في مقاله المنشور في العدد الأخير من صحيفة ديسمبر من زاوية إجرائية، متسائلاً عن توقيت الإعلان وجدواه قبل عرض الخطة على أطراف النزاع. وهو تساؤل مفهوم في ساحة سودانية خبرت كيف تتحول التصريحات غير المنضبطة إلى أدوات ضغط وإجهاض مبكر للمبادرات.
غير أن هذا التحفظ، على وجاهته، يغفل طبيعة العمل الدبلوماسي في الحروب الممتدة. فالمبادرات نادراً ما تولد مكتملة، وغالباً ما يُستخدم الإعلان أداة لاختبار المواقف ووضع الأطراف أمام مسؤوليات علنية، بدل ترك الملف رهين مداولات مغلقة لا تفضي إلى نتائج.
يصيب المقال حين يضع المدخل الإنساني في الصدارة. فالحديث عن هدنة مؤقتة، وإعادة تموضع عسكري يتيح إيصال المساعدات، وتأمين حركة المدنيين، يمثل الحد الأدنى الممكن في نزاع طغى فيه السلاح على السياسة. لا مسار سياسياً قابلاً للحياة في ظل قتال مفتوح.
كما يلفت الانتباه بدقة إلى عدم اتساق خطاب بعض أطراف الرباعية، وتناقض الرسائل بين المنصات. هذا التباين يربك المشهد ويضعف مصداقية أي خريطة طريق، ويمنح أطراف الصراع هامش مناورة بدل الانخراط الجاد.
وتبلغ الملاحظة أهميتها حين يتناول إستمرار الدعم العسكري لبعض الأطراف بالتوازي مع المشاركة في مسارات السلام. لا معنى للتهدئة بينما تتدفق الإمدادات التي تطيل أمد الحرب وتزيد كلفتها الإنسانية.
في المقابل، فإن تحميل شخص بعينه مسؤولية هذا الارتباك يتجاوز طبيعة صنع القرار. فالمبعوثون يعملون ضمن هوامش ترسمها توازنات إقليمية ودولية معقدة. الإشكال في حدود التفويض وتناقض المصالح، لا في الأشخاص.
أما الدعوة إلى رقابة دولية صارمة ووقف كامل وفوري للدعم العسكري، فهي عادلة أخلاقيا، لكنها سياسيا معقدة التنفيذ. تحتاج إلى آليات تدريجية وضمانات وحوافز، لا قرارات فجائية قد لا تجد طريقها للتطبيق.
الخلاصة أن ملاحظات فيصل تسهم في نقاش ضروري حول منهج إدارة المبادرات الدولية تجاه السودان، لكنها ترفع سقف التوقعات في لحظة تبحث فيها الدبلوماسية عن الممكن لا المثالي. خطة الرباعية ليست نهاية الحرب، لكنها محاولة لفتح نافذة إنسانية في جدار مسدود.
وفي بلد أنهكته الحرب، قد يختلف التقدير وتتوحد المقاصد. وبينهما، يظل الحوار الهادئ شرطا لازماً للخروج من دائرة العنف.