
بقلم : أحمد عثمان محمد المبارك
لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل مجرد مواجهة عسكرية بين جنرالين، بل كانت في جوهرها عملية جراحية خبيثة صممتها غرف الحركة الإسلامية المظلمة لاستعادة السيطرة عبر تدمير الحاضنة الشعبية لثورة ديسمبر. لقد أدرك كيزان السوء أن هزيمة الثورة في الشارع مستحيلة، فقرروا نقل المعركة من الميادين إلى العقول، محولين رفاق الدم إلى خصوم الحرب. هذا المخطط لم يبدأ بالرصاص، بل بدأ بسلب الثورة لسانها وهويتها، واستهداف رموزها وقادتها لضمان انهيار الهيكل المدني من الداخل…
1. حرب الشعارات المرتدة من (تسقط بس) إلى (بل بس)
كأول خطوة في هذا الانقلاب النفسي، تم استهداف رمزية ديسمبر من خلال الشعارات، فإذا كان شعار (تسقط بس) قد مثّل قمة الإرادة الشعبية لإنهاء عهد الظلم بسلمية مطلقة، فإن شعار (بل بس) جاء كرد فعل انتقامي ليمثل النقيض القاتل. وقد نجحت الآلة الإعلامية للنظام البائد في تحويل “بس” من أداة للإسقاط السلمي إلى أداة للتصفية الجسدية، مما عكس رغبة دفينة في محو ذاكرة ديسمبر. فهذه الشعارات لم يكن موجهاً ضد المليشيا فحسب، بل كان إعلاناً بنهاية عهد السلمية وبداية عهد تأديب كل من هتف يوماً بتسقط بس..
2. اغتيال الرمزية المدنية:
بعد سلب الشعارات، انتقلت الخديعة إلى قطع الرؤوس السياسية عبر شيطنة القيادة المدنية. وفي مفارقة عجيبة صبّت الماكينة الإعلامية للنظام البائد والذباب الإلكتروني جام غضبها على الدكتور عبدالله حمدوك ورفاقه، لدرجة تجاوزت في حدتها وقسوتها وفسوقها الهجوم على الجنجويد أنفسهم الذين ينتهكون الأعراض ويحتلون البيوت. ووصل الفجور في الخصومة إلى استخدام مؤسسات الدولة لإصدار قرارات بسحب الجنسيات ضد مدنيين عُزل، في محاولة للإيحاء بأن المدنية هي مرادف للعمالة، فتم إقناع قطاع من الثوار بأن العدو ليس من يقتلهم في الشوارع، بل هو السياسي المدني الذي يبحث عن مخرج سلمي، مما جعل الثوار ينشغلون بنقد قيادتهم المدنية وتركها تواجه حملات التشهير بمفردها.
3. غرف صناعة الفتنة والاغتيال المعنوي:
أطلقت الحركة الإسلامية جيوشها الإلكترونية التي لم تكتفِ بتخوين القادة، بل طالت أيقونات الشارع لكسر الروح المعنوية، فحولت منصات التواصل إلى مقصلة طالت رموزاً مثل مها صلاح وغيرها كثيرون، حيث تم استُخدامهم كوقود لحملات الترويج للجيش وما أسموه بحرب الكرامة. وتم تفتيت الكتلة الحية عبر آلاف الحسابات الوهمية، تم الإيحاء بأن أي صوت ينادي بوقف الحرب هو خائن، مما دفع الثوار الصادقين لنهش لحم بعضهم البعض، منفذين بذلك رغبة الجلاد في تدمير رفاق المتاريس بأيدي بعضهم.
4. عودة الوجوه القديمة بعباءة الكرامة.
النتيجة النهائية لهذا الفعل الخبيث كانت النجاح في إقناع العديد من الثوار بأن صوت الرصاص يعلو فوق صوت العدالة. تحت ستار الاستنفار، فتسللت قيادات النظام البائد المطلوبون للعدالة إلى المشهد مرة أخرى كحماة للوطن، بل وأصبحوا يوزعون صكوك الوطنية على الشباب الذين ثاروا ضدهم في 2019.
لقد نجحت الخديعة في جعل الثائر يقبل بعودة الدولة الأمنية القديمة، ظناً منه أنها ستحميه، بينما الحقيقة أنها كانت تستعيد حصونها التي هدمتها ثورة ديسمبر. فهذه الحرب لم تكن كرامة للوطن، بل كانت رد اعتبار لنظام لفظه الشعب، فأراد العودة على أشلاء أحلام الشباب.
ان المعركة اليوم هي معركة استعادة البوصلة، فقد سُرق الهتاف، وخُوّن القادة، وأُسقطت الأيقونات، ليخلو المسرح للجلاد القديم ليرتدي قناع المنقذ ويحتفل بانتصار خديعته على أنقاض وعينا الجمعي.