أسبوع من الضغط الدولي .. أطراف الحرب أمام اختبار الحقيقة

أفق جديد

لم تعد حرب السودان شأناً داخلياً مؤجَّلاً على طاولات الدبلوماسية، ولا أزمة هامشية تُدار ببيانات الشجب الموسمية. ما يتشكّل، وبصورة غير مسبوقة، هو إجماع دولي نادر يتجاوز التباينات التقليدية، ويتوحّد – على اختلاف المصالح والمرجعيات – حول هدف واحد واضح: وقف الحرب في السودان.

الأسبوع الذي مضى لا يشبه ما سبقه. فالتكثيف، والتزامن، وتعدّد المسارات، كلها عناصر تشير إلى إنتقال المجتمع الدولي من مربع “القلق” إلى مربع الضغط الفعلي. ولم يعد السؤال المطروح هو: هل يريد العالم وقف الحرب؟ بل: من يجرؤ على الوقوف في وجه هذا الإجماع؟

ضغط إقليمي

البداية جاءت من الإقليم، عبر إجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية والإمارات، في لحظة سياسية محمّلة بالدلالات. فهذه العواصم، التي شُكّلت حولها في مراحل سابقة سرديات التباين والاختلاف، تلتقي اليوم على مقاربة واحدة: أولوية وقف الحرب، وفتح الممر الإنساني، ومنع الانهيار الشامل للدولة السودانية.

هذا التقاطع لا يمكن عزله عن إدراك متزايد بأن استمرار الحرب لم يعد يهدد السودان وحده، بل يزعزع استقرار الإقليم بأسره، من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي.

لقاء ثلاثي

في السياق ذاته، جاء اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ليمنح هذا الزخم بعده الاستراتيجي الأوسع.

ووفق معطيات متطابقة، لم تكن حرب السودان بنداً عابراً، بل فقرة أساسية في النقاش، بما يعكس انتقال الملف من خانة “الأزمة المزمنة” إلى خانة “التهديد المشترك” الذي يستدعي تنسيقاً سياسياً مباشراً بين ثِقَلَي الإقليم.

ثقل أوروبي

أوروبياً، تحركت لندن على مستويين متوازيين: دبلوماسي وتشريعي. اجتماع وزيرة الخارجية البريطانية مع ستة من وزراء وسفراء دول إفريقية، المخصص لحرب السودان، لم يكن اجتماع مجاملات، بل نقاشاً صريحاً حول كلفة الصمت ونتائج إطالة أمد الصراع.

الأهم من ذلك، أن البرلمان البريطاني خصص جلسة كاملة للحرب في السودان، ناقش فيها الأوضاع الإنسانية، واستهداف المدنيين، وعرقلة المساعدات. وحين يصل السودان إلى قاعة البرلمان، فإن ذلك يعني أن الملف دخل مرحلة المساءلة السياسية، وهي غالباً البوابة الأولى لإجراءات أكثر صرامة.

عودة واشنطن

التحول الأبرز تمثل في واشنطن. اجتماع الاستجابة الإنسانية لكارثة الحرب في السودان، والذي عُقد بقيادة الولايات المتحدة، مثّل إعلاناً غير مباشر عن عودة أميركية قوية إلى الملف، بعد فترة من التردد والحسابات المعقّدة.

وفي ذروة هذا المشهد، جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليكسر اللغة الدبلوماسية المعتادة، معلناً أن حرب السودان ستكون التاسعة التي ينهيها خلال عام، وأنها سترد في خطابه أمام مجلسي النواب والشيوخ في الرابع والعشرين من فبراير.

إدراج السودان في خطاب رئاسي أمام الكونغرس ليس تفصيلاً عابراً؛ بل رسالة مباشرة بأن الملف بات أولوية سياسية عليا، وأن مرحلة المجاملات قد انتهت.

الموقف الصيني

على الضفة الأخرى، خرجت الصين – بحذرها المعهود – بتصريحات واضحة تدعو إلى وقف الحرب في السودان. ورغم اقتصارها على اللغة الدبلوماسية، إلا أن توقيتها ومعناها السياسي لا يخطئان.

حين تنضم بكين إلى هذا الإجماع، فإنها تفعل ذلك إدراكاً بأن استمرار الحرب يهدد استقرار منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية، وأن الانحياز لوقفها بات الخيار الأقل كلفة، والأكثر انسجاماً مع المزاج الدولي.

قنوات خلفية

في موازاة المسارات العلنية، تحركت القنوات الخلفية. اجتماع مسعد بولس مع الحكومة النرويجية يعكس دخول وسطاء يمتلكون خبرة طويلة في النزاعات المعقدة، ولا يتحركون عادة إلا حين تتوفر نافذة سياسية حقيقية.

النرويج لا تبحث عن الأضواء، بل عن لحظة يمكن فيها تحويل الضغط الدولي إلى مسار تفاوضي قابل للحياة.

اختبار حاسم

كل هذه التحركات تصب في اتجاه واحد: وضع الفريق عبد الفتاح البرهان وقيادة الجيش السوداني أمام اختبار تاريخي. لم يعد ممكناً الاحتماء بخطاب السيادة، ولا التذرع بتعقيدات المشهد، ولا تحميل المسؤولية للآخرين.

العالم – على اختلاف مصالحه – يقول بوضوح: نريد وقف الحرب الآن.

وأي محاولة للالتفاف على هذا المطلب، أو القفز فوقه، لن تُفسَّر إلا بوصفها إعلاناً صريحاً برفض السلام، مع ما يستتبعه ذلك من عزلة وضغوط وكلفة متصاعدة.

مفارقة داخلية

المفارقة القاسية أن هذا الإجماع العالمي يتشكل في وقت ما زالت فيه بعض دوائر القرار داخل السودان تتعامل مع اللحظة بإنكار أو استخفاف. بينما يتحرك العالم “بغضّه وغضيضه” لوقف الحرب، ما زالت لغة المكابرة حاضرة، وكأن معاناة السودانيين تفصيل قابل للتأجيل.

هذه القطيعة بين الداخل والواقع الدولي لا تعكس فقط سوء تقدير سياسي، بل انفصالاً أخلاقياً عن شعب يدفع ثمن الحرب كل يوم.

لحظة فاصلة

ما نشهده ليس ضجيجاً دبلوماسياً عابراً، بل تحولاً في المزاج الدولي. قد لا ينتهي الصراع هذا الأسبوع، لكنه بلا شك دخل مرحلة جديدة، تقل فيها هوامش المناورة، وتتراجع فيها قدرة رافضي السلام على الاختباء خلف الرماد.

السودان اليوم أمام لحظة فاصلة:

إما الانخراط في هذا الإجماع النادر، أو الوقوف في مواجهته…

والتاريخ لا يرحم من يخطئ قراءة لحظته.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى