
أفق جديد
في مؤتمرٍ صحفي عُقد يوم الخميس 31 يوليو 2008، أعلنت الحركة الإسلامية عن ترتيبات انعقاد مؤتمرها العام في الفترة من 7 إلى 9 أغسطس من العام نفسه. بدا الإعلان، في ظاهره، تمرينًا تنظيميًا رشيدًا، يُحاكي تقاليد العمل المؤسسي والديمقراطي: حديثٌ عن مؤتمرات قاعدية، وانتخابات داخلية، وحضور واسع من الداخل والخارج. غير أن ما كُشف في ذلك المؤتمر لم يكن احتفالًا بالديمقراطية، بل كان—في جوهره—إعلانًا صريحًا عن واحدة من أكبر الخيانات في تاريخ التنظيم، إن لم تكن أخطرها حتى ذلك الحين.
قال الأستاذ حسن عثمان رزق إن الحركة أكملت مؤتمراتها القاعدية، وإنها عقدت 9100 مؤتمرًا، ولم يتبقَّ سوى 100 مؤتمر فقط، على أن يُصعَّد من هذه القواعد 4000 مندوب لحضور المؤتمر العام، يشاركهم 1000 ضيف من داخل السودان وخارجه. لغةٌ منضبطة، أرقامٌ ضخمة، وسردٌ يوحي بحيوية تنظيمية استثنائية. في الظاهر، كل شيء يبدو مرتبًا، محسوبًا، ومدروسًا بعناية.
ومن حيث الشكل، لا يمكن إنكار أن عقد مؤتمر عام بصورة دورية، بعد هذا العدد الهائل من المؤتمرات القاعدية، يبدو سلوكًا حضاريًا، بل متقدمًا قياسًا بواقع التنظيمات السياسية في البلاد. أن تجتمع الحركة في قاعة واحدة، على صعيد واحد، لانتخاب قيادتها—وليس لمحاسبتها—قد يبدو، للوهلة الأولى، دليلًا على حيوية داخلية واستقرار تنظيمي.
لكن المشكلة لم تكن في الشكل. كانت في الرقم.
فبالحساب البسيط، إذا افترضنا—تحفظًا—أن كل مؤتمر قاعدي حضره خمسون عضوًا فقط، فإن ذلك يعني أن العضوية النشطة المتحركة للحركة الإسلامية تفوق 460 ألف عضو. أي ما يقارب نصف مليون عضو. رقم لا يثير الدهشة فحسب، بل يفتح الباب على مصراعيه لسؤال خطير: أين كانت هذه الكتلة البشرية؟ ومتى، وكيف، وبأي آليات، شاركت فعلًا في صناعة القرار؟ أم أن الأرقام هنا لم تكن أداة توصيف، بل أداة تزوير سياسي منظم؟
في تلك اللحظة، لم يكن المؤتمر العام مجرد فعالية تنظيمية، بل تحوّل إلى وثيقة اتهام صامتة. فإما أن الحركة تمتلك بالفعل هذا العدد الهائل من العضوية النشطة، وفي هذه الحالة تكون قد احتكرت المجال العام، وابتلعت الدولة والمجتمع دون تفويض شعبي حقيقي، أو أن الأرقام كانت مضخّمة، مُفبركة، ومُستخدمة لإضفاء شرعية زائفة على قيادة معلومة سلفًا، لا تُنتخب بقدر ما تُعاد إنتاجها.
هنا، تحديدًا، تتجلى الخيانة في أوضح صورها: خيانة القواعد باسم القواعد، وخيانة التنظيم للتنظيم، وخيانة السياسة باسم التنظيم. مؤتمرٌ قُدِّم بوصفه تتويجًا للعمل القاعدي، بينما كان في حقيقته آلية إحكام سيطرة، وإغلاق دائرة القرار، ومنح القيادة القائمة صكّ براءة مسبق، لا عبر المحاسبة، بل عبر الأرقام.
ذلك المؤتمر لم يكن حدثًا عابرًا في تاريخ الحركة الإسلامية، بل كان علامة فارقة في مسارها: اللحظة التي اكتمل فيها الانفصال بين الخطاب والممارسة، بين القواعد والقيادة، بين التنظيم بوصفه فكرة، والتنظيم بوصفه أداة سلطة. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الخيانة فعلًا مستترًا، بل ممارسة معلنة، تُدار بالأرقام، وتُبرَّر بالإجراءات، وتُقدَّم في مؤتمرات صحفية، على أنها قمة الانضباط التنظيمي.
ذلك المؤتمر كان أكبر خيانة حتى ذلك التاريخ. وربما لم يكن الأخيرة.
رافقت الخيانة التنظيم منذ لحظة ميلاده الأولى. لم تأتِ لاحقًا بوصفها انحرافًا طارئًا، بل كانت كامنة في البنية منذ التكوين. فالعودة إلى أربعينات القرن الماضي تكشف أن الجماعة، في نشأتها الأولى بالسودان، لم تكن أكثر من مجموعة صغيرة متناثرة، أغلبها من طلاب الجامعات، وقلة من العمال، وأقل منهم من المزارعين. تنظيم محدود العدد، واسع الطموح، وسريع التصدّع.
في تلك المرحلة المبكرة، نشط أول مراقب عام للجماعة في السودان، الشيخ علي طالب الله، المولود بمدينة القطينة بوسط السودان. وقد جرى تجنيده للجماعة عبر محمد عاشور، مسؤول الصيانة بالري المصري في الخرطوم. ومنذ ذلك الحين، انخرط علي طالب الله في تأسيس النواة الأولى للتنظيم، يجوب مدن وأقاليم السودان شرقًا وغربًا، مبشّرًا بالفكرة الجديدة، داعيًا الناس من المساجد، ومن البيوت، وحتى من الأسواق، للانضمام إليها.
شكّل علي طالب الله ما عُرف آنذاك بـ«الأُسرة»، واستطاع، بخطابته المفوّهة وشخصيته الكاريزمية، وبحكم عضويته في اللجنة الستينية لمؤتمر الخريجين، أن يضع اللبنة الأولى لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان. وبايعته المجموعة الصغيرة مراقبًا عامًا للتنظيم. غير أن الخلاف سرعان ما دبّ في هذه النواة المحدودة، في وقت لم تكن فيه الجماعة قد اشتدّ عودها بعد.
يقول أبو المكارم، نجل الشيخ علي طالب الله، في حوار أجرته معه صحيفة الصيحة في أغسطس 2015، إن هؤلاء هم من بدأوا تكوين جماعة الإخوان المسلمين في السودان، وإنهم شرعوا في إنشاء «شُعَب» و«أُسر» في الأقاليم الشمالية التسعة المعروفة آنذاك. وقد انضمت مجموعات كبيرة في تلك الفترة إلى الجماعة، كان أغلب أفرادها من الخريجين الذين ربطتهم علاقات سابقة بالشيخ علي طالب الله خلال عمله في مؤتمر الخريجين.
ويضيف أبو المكارم أن الشيخ علي طالب الله كان رئيس تحرير جريدة المؤتمر، وكانت له شبكة من المندوبين في الأقاليم الشمالية التسعة، وهو ما سهّل عملية انتشار الجماعة في الأقاليم. كما كان الأزهري على علم بما يقوم به الشيخ علي طالب الله، بل كان يعاونه، باعتبار أن النشاط يُنظر إليه حينها بوصفه عملًا إسلاميًا. وكان العمل يتم في إطار من السرية، مع بدء الاتصال بالجهات النشطة، وعلى رأسها كلية غردون الجامعية، في وقت كان فيه إخوان مصريون يزورون السودان بصورة منتظمة.
أولى الخيانات
في تلك الأثناء، بدأ الإنجليز يشعرون بأن حركة الإخوان المسلمين أخذت في الاتساع، وأن الدعوة في المساجد تنامت ونشطت. فاتصلوا بالشيخ علي طالب الله، وحذّروه من الاستمرار في التواصل مع محمد عاشور، وأبلغوه بنيّتهم نقل الأخير، مطالبين الجماعة بالتهدئة.
وعندما علم الشيخ علي طالب الله من محمد عاشور بأنه سيتحرك يوم الجمعة من محطة السكة الحديد بالخرطوم، قام بإخطار الإخوان المسلمين، فتجمعوا في المحطة يوم سفر محمد عاشور وهتفوا ضد الإنجليز. وخلال المظاهرة، هدّد الشيخ علي طالب الله علنًا بأنهم مستعدون لمقاتلة الإنجليز. تعاملت السلطات مع الأمر بجدية بالغة، وقامت باعتقاله فورًا.
بعد الاعتقال، فتش الإنجليز منزل الشيخ علي طالب الله، وعثروا على مسدس داخل حقيبته. حُكم عليه أولًا بأربعة أشهر سجنًا، ثم أُعيدت محاكمته في قضية المسدس، ليُستكمل الحكم إلى عام كامل.
ويمضي أبو المكارم في سرده قائلًا: عندما سمع الشيخ حسن البنا باعتقال الشيخ علي طالب الله وبحادثة محمد عاشور، أرسل مناديب مصريين إلى السودان لمساندته. كما أصدر قرارًا باعتبار الشيخ علي طالب الله مراقبًا عامًا للإخوان المسلمين في السودان. وهكذا، خرج علي طالب الله من السجن ليجد نفسه مراقبًا عامًا بقرار صادر من مؤسس الجماعة ومرشدها الأول.
غير أن الخلافات داخل التنظيم لم تهدأ. فقد كان الشيخ علي طالب الله يركّز على أن تكون حركة الإخوان المسلمين حركة جماهيرية، لا حركة صفوية مغلقة، معتمدًا أسلوب التربية أساسًا للعمل. وهنا بدأ الخلاف بينه وبين بعض الإخوان، الذين دفعوا باتجاه العمل السياسي المباشر، والتوسع في مجال المرأة. وكان من أبرز هذه المجموعات بعض طلاب الجامعة، مثل بابكر كرار، وناصر السيد، وعبد الله زكريا. وقد أطلق عليهم الطلاب آنذاك وصف «الشيو ـ إسلاميين»، في إشارة إلى خليط من الشيوعية والإسلام، وكان الشيخ علي طالب الله يحذّر منهم صراحة.
الانقلاب الأول
في عام 1954، انعقد أول مؤتمر عام للإخوان المسلمين في السودان. والمفارقة أن الشيخ علي طالب الله لم يُدعَ للمؤتمر. وهو ما يُعد، بحسب أبو المكارم، أول انقلاب داخلي في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في السودان. علم الشيخ بأن وفودًا بدأت تتوافد إلى الخرطوم للمشاركة في المؤتمر، فرفض الحضور، وأعلن صراحة أنه لا علاقة لي بهذا المؤتمر ولن أحضره، رغم أن الخطابات الموجهة للأقاليم كانت قد أُرسلت باسمه.
وفي اليوم التالي لانعقاد المؤتمر، جاءت مجموعة من الإخوان إلى الشيخ علي طالب الله وذكروا له أنه المراقب العام ولن يستطيع أحد إقصاءه. غير أنه ردّ عليهم قائلًا إن الدين عند الله الإسلام، وإنه مسلم، وإنه كان يشعر بثقل المسؤولية بعد توسع العمل. وأضاف أنه طالما أقدموا على هذه الخطوة فليتحملوا مسؤوليتها، ورفض العودة إلى المنصب، حتى لا يقود ذلك إلى انشقاق داخل الجماعة.
لاحقًا، جاءه وفد من الإخوان المصريين، أرسله المرشد العام آنذاك الهضيبي، وطالبوه إما بإعادة انعقاد المؤتمر، أو عودته إلى موقعه كمراقب عام. لكنه اعتذر مجددًا، متمسكًا بموقفه، وطلب إعفاءه من الأمر، حرصًا على وحدة الجماعة. وظلت علاقته بالإخوان بعد ذلك جيدة، لكنه خرج عمليًا من موقع القيادة.
هكذا، منذ لحظاتها الأولى، سجّل التنظيم أول خيانة داخلية موثّقة: إقصاء المؤسس التنظيمي الأول، والانقلاب عليه باسم التنظيم نفسه. واقعة ستتكرر لاحقًا بأشكال أكثر قسوة، لكنها في هذه اللحظة المبكرة كانت بمثابة الإعلان الصامت عن طبيعة المسار الذي سيسلكه هذا الكيان.
«الخيانة شُعبةٌ من شُعَب النفاق».
بهذه العبارة افتتح الصحافي والباحث السياسي الجميل الفاضل حديثه لـ«أفق جديد»، لا بوصفها توصيفًا أخلاقيًا مجرّدًا، بل باعتبارها مدخلًا لفهم مسارٍ كامل، ظلّ يتكرّر في تاريخ الحركة الإسلامية، حتى صار قاعدة لا استثناء.
ويضيف الجميل الفاضل أن النفاق، وفق التعريف النبوي، يقوم على أركانه وصفاته المعروفة—ثلاثًا كانت أو أربعًا—وفي مقدمتها تلك الخصلة الفاصلة: «إذا اؤتمن خان». وهي، بحسب حديثه، ليست عارضًا طارئًا في سلوك جماعة الإخوان المسلمين، بل جزء أصيل من منهجها التربوي والتنظيمي، الذي تشكّل عبر الزمن داخل منظومة فقهية تبريرية متكاملة، تُجيز الكذب عند الحاجة، وتسوّغ نقض العهود والأمانات، وتخفّف من وطأة عدم الوفاء بالوعود، وتدفع إلى الفجور في الخصومة حتى أقصى مداه.
ويؤكد الجميل الفاضل أن هذا الكلام ليس حديثًا مرسلًا، ولا اتهامًا سياسيًا عابرًا، بل خلاصة قراءة طويلة في تاريخ الحركة الإسلامية منذ نشأتها الأولى. فبمجرد تقليب صفحات هذا التاريخ، والإنصات إلى وقائعه الداخلية قبل خصوماته العلنية، تتجسّد هذه الصفات فعلًا وقولًا، ممارسةً وسلوكًا، لا بوصفها أخطاء أفراد، بل باعتبارها نمطًا متكررًا تحكمه الضرورة التنظيمية وتغذّيه ثقافة الطاعة والسرّ.
ويمضي الجميل الفاضل في حديثه لـ«أفق جديد» إلى تفكيك البنية الفقهية التي استندت إليها هذه الممارسة، مشيرًا إلى أن من أخطر فروعها ما عُرف داخل التنظيم بـ«فقه الضرورة» و«فقه المرحلة». وهما، بحسب توصيفه، أقصر وأسهل الطرق لتطبيق المنهج الميكافيلي في السياسة، لكن هذه المرة بغطاء ديني مقدس، يرفع الحرج الأخلاقي عمّن يمارس هذه الأفعال، ويمنحها مشروعية زائفة.
في هذا الإطار، تصبح الخيانة—وفق هذا الفقه—فعلًا مباحًا، لا قيد عليه ولا شرط: خيانة على أي مستوى، ومن أي نوع، وضد أي جهة، وبأي درجة، ما دامت تُبرَّر بأنها ضرورة، أو مرحلة، أو مقتضى بقاء. ويضيف الجميل الفاضل قائلًا: «في ظني، تحوّل فعل الخيانة داخل هذا التنظيم من سلوك طارئ، مؤقت، وفردي، إلى هوية جامعة ودائمة».
وبحسب هذا الفهم ذاته، يذهب الجميل الفاضل إلى أن الدكتور حسن الترابي نفسه برّر—لنفسه ولأنصاره—خيانة قواعد اللعبة الديمقراطية التي صعدت بحزبه إلى موقع الحزب الثالث وفق نتائج آخر انتخابات ديمقراطية شهدتها البلاد، قبل أن يُطوى المسار كله بانقلابٍ لم يكن معزولًا عن هذا المنهج التبريري.
وإذا كان حديث الجميل الفاضل يخلص إلى أن الخيانة سلوك متأصّل في بنية الجماعة، فإن اللواء (م) مازن محمد إسماعيل يقدّم، في مقالٍ نشره في نوفمبر 2025، رواية تبدو للوهلة الأولى مغايرة، لكنها تتقاطع في جوهرها مع هذا الاستنتاج، وتلتقي في بعض جزئياتها مع ما أورده أبو المكارم، نجل الشيخ علي طالب الله، حول البدايات المبكرة للتنظيم.
يضيء اللواء مازن إحدى أكثر الصفحات إظلامًا في تاريخ الجماعة بالسودان، مستعيدًا وقائع تعود إلى مطلع الخمسينات. ففي عام 1952، دار حوار بين حركة التحرير الإسلامي بقيادة السيد بابكر كرار النور، وتنظيم الإخوان المسلمين في السودان بقيادة الأستاذ علي طالب الله، بهدف الاندماج. غير أن الحوار انتهى دون اتفاق، بعد أن أصرت حركة التحرير الإسلامي على الاحتفاظ باستقلالها وسودانيتها، مع استمرار التنسيق، وهو ما أحدث—بحسب الرواية—التباسًا لدى القواعد، وفتح الباب لاختراق الحركة من قبل عناصر الإخوان.
قادت هذه الأوضاع إلى استقالة بابكر كرار النور من قيادة حركة التحرير الإسلامي في أواخر عام 1952 احتجاجًا على هذا التقارب. غير أنه عاد إلى قيادة الحركة في عام 1953، مع تأكيد قاطع على رفض تغيير اسمها، وتم فصل أعضاء القيادة المتعاطفين مع الإخوان المسلمين، في محاولة لإعادة ضبط البوصلة التنظيمية.
لكن هذه المحاولة لم تصمد طويلًا. ففي عام 1954، وقع ما يصفه اللواء مازن بانقلاب تنظيمي داخل حركة التحرير الإسلامي، قاده نحو أربعين عضوًا من عناصر الإخوان المسلمين فيما عُرف بـ«مؤتمر العيد». أقرّ المؤتمر رسميًا تبعية الحركة لتنظيم الإخوان المسلمين، في خطوة لم تخلُ من تعاطف عاطفي مع التنظيم الذي كان يتعرض آنذاك لأقسى حملات التنكيل في مصر، مستندين إلى ما عُرف عن سرعة استجابة السودانيين لمشاهد الاستكبار واستضعاف المظلومين.
أسفر هذا الانقلاب التنظيمي عن تكليف الرشيد الطاهر بكر مراقبًا عامًا، واختيار محمد خير عبد القادر أمينًا عامًا، وهو ما قاد إلى انقسام الحركة إلى نصفين. خرجت مجموعة بابكر كرار النور، وأعلنت انفصالها، وأطلقت على نفسها اسم «الجماعة الإسلامية»، قبل أن تتحول لاحقًا إلى «الحزب الاشتراكي الإسلامي».
في المقابل، لم تعترف مجموعة الإخوان المسلمين بقيادة الأستاذ علي طالب الله بشرعية قيادة الرشيد الطاهر بكر، وتمسك علي طالب الله—الذي لم تتم دعوته أصلًا إلى مؤتمر العيد—بشرعية قيادته المستمدة من تكليف الإمام حسن البنا. جرى احتواء الخلاف بوساطة مصرية في عام 1955، أبقت على الرشيد الطاهر بكر مراقبًا عامًا، مع استبدال بقية وظائف الحزب بعناصر من مجموعة علي طالب الله.
غير أن هذه التسوية، كما يصفها اللواء مازن، كانت هشّة. فقد اعتزل علي طالب الله العمل التنظيمي لاحقًا، مكتفيًا بإدارة مكتب مقاطعة إسرائيل بوزارة الخارجية، مع الحفاظ على علاقات طيبة مع الجميع. ومع ذلك، لم يستقر التنظيم الجديد، وبقيت تناقضاته كامنة.
وجاء عام 1959 ليكشف عمق الأزمة، حين أُلقي القبض على الرشيد الطاهر بكر بتهمة تدبير محاولة انقلابية ضد حكومة الفريق إبراهيم عبود، دون إبلاغ الحركة، وبمشاركة عناصر شيوعية، ما أحدث اضطرابًا واسعًا داخل التنظيم. وتفاقم الاضطراب في عام 1961، مع إنشاء تنظيم الإخوان المسلمين في مصر مكتب تنسيق في جدة، وطلبه من إخوان السودان الانضمام إليه، الأمر الذي أيقظ رفضًا قديمًا لفكرة الارتباط الخارجي.
عندها، انقطعت الصلة تمامًا، ودخل التنظيم في حالة سبات عميق لعدة سنوات، تفككت خلالها بنيته التنظيمية، واقتصر حضوره على مجهودات فردية متناثرة، داخل أطر سياسية واجتماعية أخرى، حتى عام 1964، حيث بدأ ميلاد جديد، مختلف في الشكل، لكنه—كما ستكشف الفصول اللاحقة—لم يكن مختلفًا كثيرًا في الجوهر.
الخيانة الثانية
ويمضي اللواء (م) مازن محمد إسماعيل في تتبّع مسار الانقسامات المبكرة داخل الحركة الإسلامية، مشيرًا إلى أن عام 1968م مثّل محطة مفصلية، شهدت بروز خلافٍ عميق داخل جبهة الميثاق الإسلامي بين تيارين متعارضين في الرؤية والمنهج.
التيار الأول، الذي عُرف بتيار التربية، كان الأقرب إلى النهج التقليدي لجماعة الإخوان المسلمين، الداعي إلى التركيز على تزكية الأعضاء، وتشديد شروط العضوية، والحفاظ على طابعٍ صفويٍّ منضبط. وقد قاد هذا التيار السيد محمد صالح عمر.
في المقابل، برز التيار السياسي، الذي مال إلى الاستكثار من الأنصار، والتركيز على النتائج والعمل العام، ولو على حساب الصرامة التنظيمية القديمة. وكان على رأس هذا التيار الدكتور حسن عبد الله الترابي، الذي أخذ يدفع بالحركة نحو أفقٍ أوسع، وأكثر انخراطًا في المجال السياسي المباشر.
تصاعدت الخلافات بين التيارين، وبلغت ذروتها في مؤتمرٍ عُقد في أبريل 1969م، حيث حاول أنصار المدرسة التقليدية إزاحة الدكتور الترابي من القيادة. غير أن المحاولة فشلت، واقترب التنظيم من لحظة انشقاقٍ حاسم. إلا أن هذا الانشقاق لم يكتمل آنذاك، بسبب وقوع انقلاب مايو 1969م، الذي جاء بحكومةٍ يسارية معادية للإسلاميين، زجّت بهم—وبغيرهم—في السجون، وفتحت معهم معارك طويلة استمرت حتى عام 1977م.
غير أن جذوة الخلاف لم تنطفئ. ففي عام 1973م، أنشأ تنظيم الإخوان المسلمين في مصر ما عُرف بالتنظيم الدولي، وتقدّم بدعوة لضم جبهة الميثاق الإسلامي إلى عضويته. هنا، تجدّد الرفض القديم. فقد اعترضت جبهة الميثاق على تركيبة التنظيم الدولي وصلاحياته، وطرحت، بدلًا عنه، مقترح إنشاء جهاز تنسيق فضفاض، يتيح لكل حركة استقلالها الداخلي، دون خضوعٍ مركزيٍّ ملزم.
لم يُرضِ هذا المقترح قيادة التنظيم الدولي. ونتيجة لذلك، انشق عن جبهة الميثاق جناحٌ قاده السيد محمد صالح عمر—استُشهد لاحقًا في الجزيرة أبا مع الإمام الهادي—وتلقّف التنظيم الدولي هذا الجناح المنشق، وأسند قيادته إلى السيد صادق عبد الله عبد الماجد..
غير أن ما تلا ذلك كان أخطر. فوفق هذا المسار، يسرد اللواء مازن ما جرى بوصفه تطورا في التنظيم غير ان التعريف الحقيقي له هو”الخيانة الثانية” في تاريخ الحركة الإسلامية. إذ لم يكتفِ الدكتور حسن الترابي بتكريس هيمنته على القيادة، بل أقدم على فصل مجموعة من مؤسسي الحركة الإسلامية أنفسهم، ومن بينهم من بايعوا مؤسس الجماعة، الإمام حسن البنا، في وقتٍ مبكر. ولم يتوقف الأمر عند حدود الفصل التنظيمي، بل فُرضت عليهم مقاطعة شاملة: لا سلام، ولا بيع، ولا زواج، في ممارسةٍ عقابية غير مسبوقة، حوّلت الخلاف الفكري والتنظيمي إلى قطيعة اجتماعية كاملة.
إعادة تعريف
بهذا القرار، لم تُقصَ مجموعة قيادية فحسب، بل جرى إعادة تعريف الجماعة نفسها: من تنظيمٍ متعدد المرجعيات والتجارب، إلى كيانٍ متمركز حول زعامة واحدة، لا تقبل الشراكة، ولا تحتمل الذاكرة القديمة. وكان ذلك، بحسب هذا السرد، انتقالًا حاسمًا من الخلاف إلى الإقصاء، ومن التنافس إلى الخيانة.
في عام 1977م، توجّه الرئيس جعفر محمد نميري إلى المصالحة مع الجبهة الوطنية، التي ضمّت الأحزاب الثلاثة الكبرى: الأمة، والاتحادي، وجبهة الميثاق. مثّلت هذه المرحلة فرصةً كبرى للحركة الإسلامية، إذ تغلغت في الحكم ومارست فقه التقية الذي تجيده، بتماهيها مع النظام المايوي الذي تختلف توجهاته الأيديولوجية مع ما تنادي به. ففيما خرج كل من حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي من النظام وواصلا نضالهما ضده باعتباره ديكتاتوريًا لم تتغير بنيته، واصل قادة الحركة الإسلامية وجودهم، بل باتوا مدافعين شرسين عن النظام، يقدّمون له الغطاء حين يحتاج، ويستثمرون فيه حين يتاح.
ويقدّم الخبير الأمني والعسكري اللواء (م) هاشم أبو رنات، في حديثه لـ«أفق جديد»، شهادةً كاشفة عن واحدة من أخطر مراحل تشكّل الخيانة بوصفها منهج عمل داخل تنظيم الإخوان المسلمين. يقول أبو رنات إن التنظيم اعتمد، منذ وقت مبكر، سياسة التغلغل المنهجي داخل أجهزة الدولة، لا بغرض الإصلاح، بل بقصد تقويضها من الداخل. كانوا—كما يصف—يُظهرون خلاف ما يُبطنون، ويقدّمون خطابًا علنيًا مغايرًا تمامًا لأهدافهم الفعلية.
ويضيف اللواء أبو رنات أنه أدرك بوضوح سعي الإخوان إلى السلطة منذ عام 1976، عقب مشاركتهم في ما عُرف بغزو المرتزقة، تلك العملية العسكرية القادمة من ليبيا، والتي شاركت فيها عدة أحزاب سودانية. غير أن ما رسّخ قناعته لم يكن مجرد المشاركة، بل السلوك الدموي الذي نفذته الجماعة: قتل الجنود وهم نيام داخل المدرعات، وذبح الضباط من العنق في دار الهاتف. عند تلك اللحظة—يقول—اتضح له حجم وحشيتهم وجشعهم للتسلط، واستعدادهم لاجتياز كل الخطوط الأخلاقية في سبيل الوصول إلى الحكم.
بعد ذلك بعام واحد، دار نقاش بينه وبين أحد كوادر التنظيم، وكان هذا الكادر يؤكد، دون مواربة، أنهم بصدد صناعة جهاز أمن أقوى من جهاز الأمن السوداني نفسه. حديثٌ بدا حينها صادمًا، لكنه—كما يعلّق أبو رنات—تحقق لاحقًا بعد سنوات، وبصورة تجاوزت حتى ما كان يُتصوَّر.
أولى الخطوات التي اتخذها التنظيم، بحسب شهادة أبو رنات، كانت السعي المنهجي لتجنيد ضباط من داخل المؤسسة العسكرية، بعدما أدرك ضعف كادره داخل القوات المسلحة. ولتحقيق ذلك، لجأ إلى جملة من الوسائل الماكرة:
أولًا: استغلال شهر رمضان، عبر إنشاء حلقات لتلاوة القرآن داخل المعسكرات، ثم الحرص على استمرارها خارج الشهر الكريم، بوصفها مدخلًا آمنًا للتأثير الأيديولوجي.
ثانيًا: إنشاء دورات دراسات إسلامية للضباط في المعهد الإفريقي، الذي أصبح لاحقًا جامعة إفريقيا العالمية، لتكون غطاءً أكاديميًا للتجنيد والتنظيم.
بالتوازي مع ذلك، كثّف التنظيم حضوره الإعلامي والصحافي وسط الجمهور، وركّز خطابه على حالة الإحباط العامة، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستشراء الفساد، مقدّمًا نفسه بوصفه البديل الأخلاقي والمنقذ المنتظر، بينما كان يعمل، في الخفاء، على تفكيك الدولة ذاتها.
ويمضي اللواء أبو رنات أبعد من ذلك، كاشفًا أن التنظيم لم يكتفِ بالتغلغل الفكري، بل تدخّل مباشرة في عمل القوات المسلحة، عبر تسليط الضوء إعلاميًا على المعارك الفاشلة التي خاضها الجيش، وتضخيم الإخفاقات، وبث الإحباط داخل الصفوف. ثم انتقل إلى مرحلة أخطر: استهداف بعض الطيارين المبرزين، وإغراقهم في مرابحات وديون، قبل تجنيدهم ودفعهم إلى الواجهة، ثم إلى الموت، بكل خبث محسوب، لتحويل قضاياهم إلى مآسٍ عامة، وإشاعة شعور داخل المؤسسة بأن الخلاص لن يكون إلا بانقلاب.
كل ذلك—بحسب اللواء أبو رنات—كان يجري في إطار مشروع متكامل لإنشاء الدولة العميقة. مشروع لا يعتمد المواجهة المباشرة، بل التخريب البطيء، والاختراق الصامت، وصناعة طبقة من «الوسطيين» أو «الكومبروميزرز»، القادرين على التسلل إلى كل الأنظمة، والتكيف معها، ثم إدارتها من الداخل لصالح المشروع التنظيمي، بمساندة آلة إعلامية فاعلة.
ويرى أبو رنات أن جميع الأنظمة، من نظام مايو وحتى استيلاء الإخوان على السلطة، وقعت—بدرجات متفاوتة—في شَرَك هذا النظام الخادع، لأن التنظيم كان قد أعدّ أدواته بعناية، وأتقن فنون المواربة والكذب والمخاتلة.
ذات الكأس
ويؤكد أن الدولة العميقة لم تبدأ فعليًا إلا بعد الانقلاب الذي جاء به الإخوان إلى السلطة، وهو انقلاب كان هو نفسه خدعة كبرى، انطلت حتى على بعض منفذيه، ممن شاركوا في إسقاط النظام الديمقراطي، دون أن يدركوا أنهم يفتحون الباب لمشروع سيبتلع الدولة ويعيد تشكيلها على صورة التنظيم.
ويؤكد حديث أبو رنات ماذهب اليه الجميل الفاضل اذ يقول أن الخيانة، في تجربة الإخوان المسلمين، ليست حادثة عرضية، ولا سلوك أفراد، بل طابع متأصل في الجماعة وفي علاقات أفرادها ببعضهم وبغيرهم، إلى الحد الذي أصبح فيه التنظيم يقرأ تاريخه كله—داخليًا وخارجيًا—بوصفه تاريخًا للخيانة: خيانة الشركاء، وخيانة المؤسسات، وخيانة الدولة، ثم خيانة الوطن نفسه..
ومعلوم أن بئر الخيانة لا قاع له. فسرعان ما شرب د. حسن الترابي من ذات الكأس، بل أشد مرارة. فجرى ترتيب محاولة لإزاحته من المشهد برمته من داخل تنظيمه، في واحدة من أكبر المؤامرات التي دشّنت نظامهم العامر بالخيانات. وبحسب شهادة خطّها الإسلامي الراحل عمار محمد آدم، ودوّنها على صفحته الشخصية في فيسبوك بتاريخ 2 مارس 2025، عن واقعة الاعتداء على الدكتور حسن الترابي في كندا، فإن الحادثة لم تكن، في نظره، واقعةً منفصلة أو عارضة، بل جاءت ضمن سياق أوسع من الخيانة التي أحاطت بالترابي في سنواته الأخيرة.
ويؤكد عمار محمد آدم أنه لا يملك دليلًا قاطعًا يخرج الواقعة من دائرة الظنون والتأويلات، ولا يزعم أن الاعتداء كان مدبّرًا بصورة مباشرة، لكنه يرى أن الخيانة الحقيقية لم تتجسد في الضربة ذاتها، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع الحدث عقب وقوعه.
وبحسب شهادة عمار، فقد انقسمت القيادات فور وقوع الاعتداء إلى مجموعتين واضحتين. الأولى ضمّت ما وصفه بـ«الحرس القديم»، ومن بينهم المرحوم موسى حسين ضرار، والسنوسي، ويس عمر، مع إشارته إلى عدم وضوح موقف علي الحاج آنذاك، وقد اتخذت هذه المجموعة من مباني المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي مقرًا لها. أما المجموعة الثانية، فيقول عمار محمد آدم، فقد تعاملت مع الحدث ببرود لافت، واعتبرت أن الترابي قد انتهى سياسيًا، وكان على رأسها علي عثمان محمد طه وعوض الجاز.
ويروي عمار محمد آدم أنه كان حاضرًا في منزل العميد عثمان أحمد حسن حين جاءهم من قال، بلهجة حاسمة: «الترابي انتهى…». ثم أضاف، كما يذكر عمار: «لكن نحن في السودان بنقول عن الزول وهو يحتضر: لسه كويس».
ويعلّق عمار محمد آدم على هذه العبارة بأنها كانت كاشفة لطريقة التفكير السائدة داخل تلك الدائرة؛ إذ لم يعد الترابي يُنظر إليه كفاعل سياسي أو مرجعية، بل كحالة تنتظر الإعلان الرسمي عن نهايتها. غير أن هذه المجموعة نفسها، بحسب الشهادة، فوجئت لاحقًا بأن الكابتن شيخ الدين أقلع بطائرة خاصة إلى كندا لإعادة الترابي، وهو ما أربك حساباتها، إذ عاد الرجل الذي اعتُبر منتهيًا فجأة إلى المشهد.
ويشير عمار محمد آدم إلى أنه حتى بعد وصول الطائرة إلى مطار الخرطوم، كانت هناك محاولة لإخفاء الترابي وإبعاده عن الأنظار، غير أنه قاوم ذلك وعاد إلى منزله. ويؤكد أن الغموض ظل يكتنف تفاصيل الاعتداء على الترابي وعلى الأستاذ أحمد عثمان المكي في كندا، دون أن تتكشف رواية رسمية مكتملة.
وينقل عمار محمد آدم عن الأستاذ أحمد سليمان، المحامي، قوله إنه حذّر الترابي في وقت سابق من الطريقة التي عرض بها نفسه في الولايات المتحدة، معتبرًا أن الصورة التي قدّم بها نفسه قد تعرّضه للخطر.
كما يذكر عمار محمد آدم أن أحمد عثمان المكي، رفيق الترابي في تلك الرحلة، والذي تعرّض لما تعرّض له الترابي، لم يحدثه قط عن تفاصيل ما جرى، رغم العلاقة الوطيدة بينهما، وهو ما زاد من علامات الاستفهام حول الواقعة.
ويتساءل عمار محمد آدم، في شهادته، عن مدى معقولية الرواية المتداولة حول الاعتداء، قائلًا إن من الصعب تصديق أن شخصًا يُقال إنه بطل كاراتيه ويحمل الحزام الأسود، يمكن أن يعتدي على رجل في الستين وآخر مريض، دون أن تترك الضربات كدمات واضحة أو جراحًا ظاهرة. كما يتساءل عن دور الحارس الصومالي الذي كان برفقتهما، ولماذا لم يشتبك أو يتدخل.
ويختم عمار محمد آدم شهادته بالإشارة إلى ما رواه له الترابي نفسه، إذ قال إن الدماء تدفقت من أنفه حتى ملأت صدره، ثم حدّثه، بعد أن أفاق، عن المرأة التي جاءت لتعلمه اللغة، فأجابها، ساخرًا، بأن العربية والإنجليزية والفرنسية يجيدها، وأنه يمكنها أن تعلمه الهولندية.
ويضيف عمار محمد آدم أنه كان حاضرًا في بيت الترابي عند عودته إلى الخرطوم، ولاحظ عليه الوهن والضعف الشديدين، وأن الترابي طلب منه الجلوس إلى جواره وطلب الدعاء، وهو ما كان يفعله مع كل من يدخل عليه، ومن بينهم عبدو عجبين.
ويختم عمار محمد آدم شهادته بالتأكيد على أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الانقسامات والخذلان داخل التنظيم، معتبرًا أن هذه الواقعة تكشف كيف يُدار السقوط داخل دوائر السلطة والتنظيم، لا بالحماية والوفاء، بل بالانتظار البارد للنهاية..