
أفق جديد
في ظل إستمرار الحرب، وتصاعد موجات النزوح، وتفاقم المعاناة الإنسانية، تتزايد مخاطر المجاعة في إقليم دارفور، في وقت لا يزال فيه الحل السياسي يلوح في الأفق، رغم الضغوط الإقليمية والدولية لإنهاء الصراع المسلح والدخول في ترتيبات سياسية تفضي إلى قيام حكومة مدنية.
وحذّر خبراء مدعومين من الأمم المتحدة، في الخامس من فبراير الجاري، من توسّع خطر المجاعة ليشمل مدينتي كرنوي وأم برو في شمال دارفور غربي السودان، نتيجة موجات النزوح الضخمة، في وقت تتواصل فيه المعارك الدامية في غرب البلاد وجنوبها.
وأكد خبراء التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أنه “تم تجاوز عتبة المجاعة، التي تشير إلى سوء التغذية الحاد، في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما كرنوي وأم برو”، الواقعتين قرب الحدود مع تشاد.
وأبلغ نشطاء في الحقل الإنساني موقع “أفق جديد” أن الأوضاع في كرنوي وأم برو خطيرة للغاية، في ظل تفشي الجوع واستمرار المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وقال جبارة عبد الله، المنحدر من منطقة الطينة في دارفور والمقيم حاليًا في مدينة أم درمان، إن الجوع حصد أرواح أطفال في دارفور بسبب النقص الحاد في الغذاء، الناتج عن إستمرار الحرب وعرقلة الإجراءات في المعابر الحدودية التي تعبر منها القوافل الإنسانية.
وأضاف عبد الله، في حديثه لـ”أفق جديد”: “الناس هناك يعيشون على أوراق الشجر، ويتداوون بالأعشاب. يجب على المنظمات الإنسانية تقديم المساعدات بشكل عاجل لإنقاذ النساء والأطفال وكبار السن”.
وتابع: “الحرب استنزفت الموارد، وأدت إلى زيادة كبيرة في انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد”.
وأحكمت قوات الدعم السريع، التي تخوض حربًا مع الجيش منذ أبريل 2023، سيطرتها على مدينة الفاشر نهاية العام الماضي، ليصبح إقليم دارفور بأكمله تقريبًا في قبضتها، باستثناء مناطق محدودة تسيطر عليها قوى محلية محايدة.
ومنذ سقوط الفاشر، نزح أكثر من 120 ألف شخص، بحسب الأمم المتحدة، توجه كثير منهم إلى مدن أخرى في شمال دارفور تعاني أصلًا من شح الموارد وتكدّس النازحين.
وقال المتحدث الرسمي باسم تنسيقية النازحين واللاجئين، آدم رجال: “في أعماق كل إنسان حكاية لا تُروى، وجراح لا تُرى، وأحلام تنتظر من يصدقها. نحن لسنا مجرد أفراد متفرقين، بل خيوط متشابكة في نسيج واحد اسمه الإنسانية. وما يجعل هذا النسيج متماسكًا ليس القوة وحدها، بل التعاطف الذي يربطنا ببعضنا كالعقدة التي تمنع القماش من التمزق”.
وأضاف رجال، في مقالة أرسلها إلى “أفق جديد”، أن التعاطف هو “أن ترى الآخر بعينيه، وأن تشعر بارتجاف قلبه حين يواجه الخوف، وأن تمنحه مساحة آمنة ليكون نفسه بلا أقنعة. هو أن تدرك أن الألم ليس ضعفًا، بل علامة على أننا أحياء، وقادرون على مشاركة هذا الحمل مع من نحب”.
وأوضح أن “الإنسانية الحقيقية لا تُقاس بما نملك من ثروة أو سلطة، بل بما نمنحه من دفء للآخرين. حين نمد يدنا لمن يتعثر، ونصغي لمن يختنق بالصمت، ونعيد الأمل لمن فقده، نكون قد أضفنا إلى العالم شيئًا من جماله المفقود”.
وتابع: “في لحظات القسوة، يصبح التعاطف فعل مقاومة؛ مقاومة ضد اللامبالاة، وضد التبلّد، وضد الانغلاق على الذات. هو إعلان بأننا لا نعيش لأنفسنا فقط، بل لأن هناك من يحتاج إلى كلمة، أو ابتسامة، أو نظرة صادقة تقول: أنا معك”.
وأضاف:”فلنكن جميعًا شهودًا على إنسانيتنا، ولنزرع في قلوبنا بذور الرحمة التي لا تذبل. فكل قطرة تعاطف تُعيد للعالم شيئًا من نوره، وكل فعل صغير من حب يفتح نافذة أمل في جدار من العتمة. نحن نكبر حين نحب، ونشفى حين نتعاطف، ونبقى بشرًا حين ندرك أن الآخر هو مرآتنا التي تعكس ضعفنا وقوتنا معًا”.
ويأتي تحذير خبراء الأمم المتحدة بعد نحو ثلاثة أشهر من إعلان المجاعة في الفاشر وكادوقلي بولاية جنوب كردفان، اللتين خضعتا لحصار قوات الدعم السريع وحلفائها، قبل أن ينجح الجيش في كسر الحصار عن كادوقلي مطلع الأسبوع الجاري.
وظلت كادوقلي تحت الحصار خلال الجزء الأكبر من السنوات الثلاث الماضية، وكذلك مدينة الدلنج، الواقعة على بعد 130 كيلومترًا جنوبًا، والتي حذّر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في تشرين الثاني/نوفمبر من أنها تواجه ظروفًا مشابهة للفاشر وكادوقلي، ما يشير إلى احتمال انتشار المجاعة، غير أن صعوبة الوصول إلى المدينة والتحقق من البيانات حالت دون إعلان رسمي.
وأوضح الخبراء، في تقريرهم، أن موجات النزوح من الفاشر أدت إلى “استنزاف موارد وقدرات المجتمعات المحلية، وزيادة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد”.
وأشار التقرير إلى أن هذا التحذير لا يعني إعلان المجاعة في تلك المناطق، «بل يهدف إلى توجيه الانتباه العاجل لأزمات الأمن الغذائي والتغذية استنادًا إلى أحدث الأدلة المتاحة».
وحذّر التقرير من أن 20 منطقة أخرى في إقليمي دارفور وكردفان تواجه خطر المجاعة، في ظل ظروف هشة، ومنع وصول المساعدات، وانهيار البنية التحتية.
وبحسب الأمم المتحدة، يواجه أكثر من 21 مليون شخص — أي نحو نصف سكان السودان — مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وازدادت حدة القتال في مناطق كردفان المتاخمة لإقليم دارفور عقب سقوط الفاشر، مع توسع سيطرة قوات الدعم السريع إلى مدن كردفان المجاورة، الغنية بالنفط والأراضي الزراعية، والتي تمثل ممرًا حيويًا يربط دارفور بالعاصمة الخرطوم.
وحذّرت الأمم المتحدة مرارًا من احتمال تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، التي تشهد نزاعًا محتدمًا بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وكان المجلس النرويجي للاجئين قد حذّر، في وقت سابق هذا الأسبوع، من «عدٍّ تنازلي نحو الكارثة» في جنوب كردفان، واصفًا الولاية بأنها «أخطر خطوط المواجهة في السودان وأكثرها تعرضًا للإهمال».
ووفق تقرير التصنيف المرحلي المتكامل، فإن سوء التغذية الحاد مرشح لمزيد من التفاقم خلال عام 2026، “ومن المتوقع أن يؤدي النزوح المطوّل، والصراع، وتآكل أنظمة الرعاية الصحية والمياه والغذاء، إلى زيادة سوء التغذية الحاد وانعدام الأمن الغذائي”.
وأكد التقرير وجود مؤشرات على بلوغ عتبة سوء التغذية الحاد العالمي الحرج في 60 في المئة من المناطق التي شملها المسح خلال النصف الأول من العام الماضي، مشيرًا إلى أن “النظام الصحي في السودان على وشك الانهيار، مع توقف أكثر من ثلث المرافق الصحية عن العمل”.
وتتفاقم المعاناة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، يعيش معظمهم في قرى أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.