الرقم(7) باقٍ رغم بتر الأطراف:  “لوكا” وندوب الحرب التي لا تُمحى في الخرطوم

بهاء الدين عيسى

في اللحظة التي كان فيها الشاب عمر دفع الله، الملقب بـ “لوكا”، يخطو نحو حلمه الأكبر بارتداء قميص نادي “الخرطوم الوطني”، لم يكن يعلم أن جسماً غريباً من مخلفات الموت كان يكمن له ليخطَّ نهاية مأساوية لمسيرته الكروية، ويفتح فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية في السودان.

تحت وطأة انفجارٍ مزق سكون منزله، لم يفقد “لوكا” أحلامه فحسب، بل فقد يده وقدمه، لينضم إلى قائمة ضحايا مخلفات الحرب التي باتت تحاصر السودانيين في أحيائهم وبيوتهم، محولةً الأفراح الرياضية إلى مآتم إنسانية.

“حلم الخرطوم 3” والوفاء لحي البركة

يروي الكابتن حافظ حسين، مدير دائرة الكرة بنادي الخرطوم الوطني، لـ” أفق جديد” تفاصيل تسبق الحادثة وتكشف عن معدن هذا الشاب؛ فقد كان “لوكا”، نجم نادي الميرغني كسلا الصاعد، يضع تمثيل نادي “الخرطوم 3” هدفاً نصب عينيه منذ سبتمبر الماضي. ورغم العروض المغرية التي تلقاها، ومن بينها عرض بحافز تسجيل بلغ سبعة مليارات جنيه، فإنه آثر الوفاء بكلمته للنادي العاصمي ليكون قريباً من أسرته.

لم يكن “لوكا” مجرد لاعب، بل كان “كشاف مواهب” لأبناء منطقته؛ إذ نسق لإقامة مباراة ودية ضمت شباب “حي البركة” بالحاج يوسف، المنطقة التي أنجبت نجوماً مثل سيف تيري، وأسفرت مبادرته عن تسجيل ستة مواهب جديدة في صفوف النادي، في دلالة على نبل روحه التي لم تكسرها ظروف الحرب.

القدر يسبق “التسجيلات التكميلية”

في يناير الماضي، وفي اليوم ذاته الذي كان من المقرر أن يتوجه فيه إلى النادي لإتمام إجراءات تسجيله، وقعت الفاجعة. انفجر مقذوف من مخلفات الحرب داخل منزله، لتتوقف تلك الأقدام التي كانت تداعب الكرة بمهارة عن الركض، لكنها لم تتوقف عن إثارة موجة من التضامن. وفي لفتة تاريخية، قرر النادي تسجيله رسمياً يوم الاحد كلاعب “مدى الحياة” مع الاحتفاظ برقمه (7)، في حدث جسّد المعنى الحقيقي للوفاء الرياضي.

فخ “العودة” والعدو الخفي تحت الركام

تأتي مأساة “لوكا” لتسلط الضوء على الأخطار المحدقة بالمدنيين في ظل دعوات القائد العام للجيش الفريق أول  عبد الفتاح البرهان للمواطنين بالعودة إلى منازلهم. 

وبينما تباشر فرق إزالة الألغام عمليات مكثفة في منطقتي المقرن ووسط الخرطوم، تبدو فاتورة “العودة” باهظة ومحفوفة بالأجسام غير المتفجرة.

واقع الأرض بالأرقام والمخاطر:

مناطق الخطر المؤكدة: صُنفت مساحة تُقدّر بـ 40 ألف متر مربع في منطقة المقرن كمنطقة خطرة مؤكدة، حيث تُعد جميع الأبراج والمنشآت هناك مشتبهاً بتلوثها بالذخائر.

حصاد المتفجرات: نجحت الفرق في إزالة عشرات الألغام المضادة للأفراد والمركبات، حتى داخل المنشآت الدينية والخدمية، ونقلت كميات ضخمة منها للتفجير شمال غرب أم درمان.

تحديات لوجستية: تواجه عمليات التطهير عقبات كأداء بفعل قلة الفرق وشح التمويل واتساع رقعة المناطق المتأثرة، مما يجعل كل منزل “مشروع انفجار” محتمل.

“عمر كان في طريقه للتوقيع على عقد احترافي، فإذا به يوقع على عقد مع الألم..

 هذه هي ضريبة الحرب التي يدفعها الشباب السوداني”، هكذا لخص المشهد أحد المقربين منه.

صرخة للتحرك الدولي

تحول عمر “لوكا” من صانع ألعاب في المستطيل الأخضر إلى ملهم للجهاز الفني، متحدياً إعاقته بروح راضية، لكن قصته تظل إنذاراً مبكراً. فبينما تحاول العاصمة استعادة أنفاسها، تظل آلاف الأجسام المشبوهة تتربص بالعائدين، وسط دعوات ملحة لدعم دولي عاجل لتأمين حياة المدنيين قبل أن تتحول “العودة” إلى نزيف جديد من الأطراف والأرواح.

يبقى الرقم (7) في كشوفات الخرطوم الوطني معلقاً كشاهد على موهبة اغتالتها مخلفات الحرب، ووفاءٍ نادراً في زمن الشتات.

Exit mobile version