
بقلم : الزين عثمان
بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده باتت «قريبة من إنهاء الحرب»، مضيفًا أن النزاع السوداني سيكون «تاسع حرب نضع لها نهاية خلال هذه الفترة». وتأتي هذه التصريحات متزامنة مع تسريبات متداولة عن وجود مبادرة سعودية – أميركية لمعالجة الأزمة السودانية، وسط همس عن تفاهمات سرية يجري العمل عليها بعيدًا عن الأضواء.
وفي سياق الحديث عن الاقتراب من تحقيق السلام، أشاد مسعد بولس، كبير مستشاري الشؤون العربية والأفريقية، بما وصفه بـ«التعاون الملموس» من قبل رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان خلال الفترة الماضية، مؤكدًا أن هذا التعاون أسهم في تهيئة المناخ لإنجاح مؤتمر واشنطن، الذي عُدّ خطوة كبيرة على طريق إحلال السلام في السودان.
وفي الإطار ذاته، انتهى اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنظيره التركي رجب طيب أردوغان إلى توافق على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان تفضي إلى وقف إطلاق النار. وتقوم خطة السلام الشاملة التي أعلن عنها مسعد بولس على خمسة محاور رئيسية، تشمل: هدنة إنسانية فورية، وضمان وصول إنساني مستدام مع حماية المدنيين، ووقفًا دائمًا لإطلاق النار، وانتقالًا سياسيًا يقود إلى حكومة مدنية، إضافة إلى إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.
وبينما تبدو كل الطرق، ظاهريًا، متجهة نحو السلام باعتباره مدخلًا رئيسيًا لتحقيق الاستقرار في الإقليم، يظل السودان في المقابل طرفًا أساسيًا في معادلة إعادة الترسيم الإقليمي، وفق ما تفرضه التحالفات المتنامية والصراعات المحتدمة بينها، الأمر الذي يجعل مسار السلام أكثر تعقيدًا.
وفي خضم هذه التجاذبات، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا أدانت فيه بشدة هجمات قوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، إضافة إلى استهداف حافلة تقل نازحين مدنيين. وأكد البيان أن هذه «الهجمات الإجرامية» أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين العزل، بينهم نساء وأطفال، فضلًا عن إلحاق أضرار جسيمة بمنشآت وقوافل إغاثية في ولايتي شمال وجنوب كردفان.
وشددت المملكة على أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، معتبرة إياها انتهاكات صارخة لجميع الأعراف الإنسانية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. وطالبت بضرورة توقف قوات الدعم السريع فورًا عن هذه الانتهاكات، والالتزام بواجبها الأخلاقي والإنساني في تأمين وصول المساعدات إلى مستحقيها، وفق القوانين الدولية وما نص عليه إعلان جدة الموقع في 11 مايو 2023، بشأن حماية المدنيين في السودان.
كما جددت السعودية تأكيد موقفها الداعم لوحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية، مع رفضها القاطع للتدخلات الخارجية، واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، رغم إدعاء دعم الحل السياسي، معتبرة أن هذا السلوك يسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الصراع وتعميق معاناة الشعب السوداني.
في المقابل، وصف تحالف «تأسيس» الموالي لقوات الدعم السريع، في بيان له، الإدانات الموجهة ضد هذه القوات بأنها «مضللة»، ولا سيما الاتهام المتعلق باستهداف القافلة الإنسانية في شمال كردفان يوم الجمعة 5 فبراير الجاري. وأعرب البيان عن أسفه لما اعتبره «فقدان بعض الدول والجهات الإقليمية والدولية حيادها يومًا بعد يوم»، عبر بيانات إدانة وصفها بالمنحازة.
ويشير بيان الخارجية السعودية والرد الصادر عن تحالف «تأسيس» إلى ملامح مرحلة جديدة في الصراع السوداني، وواقع مختلف لحرب دخلت عامها الثالث، باتت ترتبط بشكل وثيق بطبيعة النزاعات الإقليمية، ما يعمق المخاوف من استمرارها، في ظل تزايد ارتباطها بمصالح الخارج أكثر من ارتباطها بالداخل. وهو ما يجعل التصريحات المتعلقة بقرب التوصل إلى تسوية، انطلاقًا من هدنة إنسانية، أقرب إلى أحلام لا تجد سندًا واقعيًا قويًا.
وعند متابعة الخطاب الرسمي الحكومي، تبدو الحرب وكأنها حاضر لا يجوز تغييبُه، إذ يواصل رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش ترديد لازمة «الكرامة»، مؤكدًا أنه «لا هدنة ولا تسوية» إلا وفق شروط السودان وتفكيك قوات الدعم السريع. في المقابل، ترد الأخيرة بذات اللغة، رافعة شعار «بل بس» حتى حسم المعركة لصالحها.
وبين هذا وذاك، يدفع السودانيون في كل مكان فاتورة حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بينما يجدون أنفسهم تحت رحمة المسيّرات، بعد أن تحولت بلادهم إلى حقل تجارب للأسلحة الحديثة. وهو واقع يجعل الرغبة الإقليمية والدولية في إنهاء الحرب تصطدم برغبة داخلية لدى أطراف الصراع في استمرارها، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لفرض السيطرة، في وقت تحول فيه المواطنون إلى أسرى لدى أطراف النزاع، وتعددت مراكز القهر.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال الراهن والمستقبلي حول مدى قدرة أطراف الحرب على الاستمرار، ودفع كلفة هذا الخيار. فبالنسبة لكثيرين، لم تفقد الحرب السودانية العبثية مبررات استمرارها فحسب، بل بدت عبثيتها منذ طلقاتها الأولى، إذ لم تحقق كرامة للشعب، ولم تحصّن تماسك الجيش، فضلًا عن استحالة انتظار ديمقراطية أو عدالة أو سلام من أطراف امتهنت انتهاك القيم الإنسانية.
من جانبه، يرى القيادي في تحالف «صمود» خالد عمر يوسف أن هناك فرصة حقيقية لوقف نزيف الدم قريبًا، عبر مقترح الهدنة الإنسانية الذي طرحته الآلية الرباعية، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي ترامب في تصريحاته الأخيرة، وشرحه المبعوث مسعد بولس عقب مؤتمر واشنطن الإنساني الأسبوع الماضي.
ويؤكد عمر أن الهدنة، ولو ليوم واحد، تمثل نعمة لا تضاهيها نعمة، إذ تحقن الدماء، وتفتح مسارات إيصال المساعدات الإنسانية، وتخفف من وتيرة الجرائم اليومية، كما تخلق مناخًا جديدًا يتراجع فيه الاستقطاب وخطابات الكراهية التي تغذي دائرة العنف. ومن ثم، يشدد على أهمية دعم جهود إنفاذ الهدنة، وحث أطراف النزاع على تنفيذها دون تأخير لا مبرر له.
غير أن هذا الحديث، بحسب مراقبين، يكفي لأن يدفع البعض إلى «تحسس بنادقهم» كلما ذُكرت الهدنة أو أُثيرت إمكانية التوافق نحو السلام، وهم ذات الأطراف التي أشعلت فتيل الموت قبل ثلاث سنوات، وما زالت تستثمر في الحريق. وهي نفسها الأصوات الرافضة اليوم للحديث عن هدنة بحجة أنها تعيد الحياة لـ«مليشيا ماتت»، بينما يتجاهلون أنهم من صنعوها من العدم، ويعيدون إنتاج نماذج مشابهة لها، رافضين السلام لأنه يستهدف أولًا استمرار تنظيمهم في صناعة الموت. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح هؤلاء في إفشال مساعي السلام هذه المرة أيضًا، أم أن ترامب سيقرن القول بالفعل، ويصبح سلام السودان أقرب من أي وقت مضى.